بعد ١٥ سنه حكـايـات أسمـا ×2

الفصل السابع
قعد آدم طول الليل قدام الصور.
كل ما يبص في وش يوسف…
يحس إن قلبه بيتقطع.
ولد عمره عشر سنين.
ابتسامته بريئة.
ولابس تيشيرت مدرسة.
كان المفروض…
يبقى دلوقتي شاب في الجامعة.
كان المفروض…
يناديه “يا بابا”.
لكن بدل كل ده…
بقى مجرد صورة في ملف قديم.
مسك الصورة.
وهمس:
— سامحني يا ابني…
أنا فشلت قبل حتى ما أعرف إنك موجود.
في نفس اللحظة…
رن تليفونه.
كان رقم مجهول.
رد.
جاله صوت راجل كبير في السن.
قال بهدوء:
— لو عايز تعرف الحقيقة…
تعالى بكرة الساعة عشرة الصبح…
مقابر الإمام.
ومتجبش حد معاك.
وقفل الخط.
آدم حاول يتصل تاني.
لكن الرقم كان مقفول.
تاني يوم…
وصل المقابر.
الدنيا كانت هادية.
وفي آخر الممر…
شاف راجل عجوز واقف بعصاية.
أول ما قرب.
الراجل قال:
— اتأخرت خمس دقايق.
آدم سأله:
— إنت مين؟
رد:
— اسمي عم حسين.
كنت السواق الخاص بوالدك.
آدم اتصدم.
عم حسين اختفى من أكتر من خمس عشرة سنة.
وكانوا قالوا إنه سافر.
العجوز ابتسم بحزن.
وقال:
— محدش سفرني…
أنا اتطردت.
علشان رفضت أنفذ أوامر والدتك.
آدم حس إن الحقيقة بتقرب.
قال:
— احكي.
عم حسين اتنهد.
وقال:
— اليوم اللي ليلى خرجت فيه من الفيلا…
مكانتش خارجة بإرادتها.
أمك جمعت أربع رجال.
وقالوا لها…
تمشي.
ليلى كانت حامل في شهرها الخامس.
وكانت بتعيط.
وتقول:
“سيبوني أكلم آدم.”
لكن والدتك أخدت تليفونها.
وكسرته قدامها.
وبعدين…
ادتها ظرف.
جواه فلوس.
وقالت:
“اختفي من حياته.”
ليلى رمت الفلوس في وشها.
وقالت:
“أنا مش ببيع جوزي.”
ساعتها…
أمك أمرت الحرس يطلعوها بره.
آدم كان واقف.
حاسس إنه بيتخنق.
قال:
— وأنا؟
قال عم حسين:
— كنت في مؤتمر برة مصر.
كل التليفونات اللي حاولت تكلمك عليها…
كانت بتتحول لمكتب والدتك.
وأي جواب كانت تبعته…
كان بيتحرق.
آدم دموعه نزلت.
همس:
— يعني…
كانت بتحاول توصل لي؟
العجوز هز رأسه.
— عشرات المرات.
الفصل الثامن
رجع آدم لمركز الرعاية.
طلب يقابل ليلى.
في الأول…
رفضت.
لكن بعد إلحاح…
وافقت.
دخل الأوضة.
كان معاه كرتونة صغيرة.
حطها قدامها.
وقالت ببرود:
— إيه ده؟
فتحها.
كان فيها…
ألعاب أطفال قديمة.
وعربية صغيرة.
وحذاء طفل.
ليلى أول ما شافتهم…
شهقت.
وقالت:
— دول…
دول بتوع يوسف.
آدم قال:
— لقيتهم في مخزن الفيلا.
أمي كانت محتفظة بيهم.
ليلى انهارت.
حضنت الحذاء.
وبقت تبكي.
وقالت:
— كان بيحب العربية دي.
كان ينام وهي في حضنه.
آدم مسح دموعه.
وقال:
— ليه أمي كانت محتفظة بحاجاته؟
ليلى رفعت رأسها.
وقالت:
— لأنها كانت بتيجي تشوفه في السر.
آدم اتجمد.
— إيه؟!
— أيوه.
كل شهر.
كانت تيجي دار الرعاية.
وتجيب له هدايا.
لكن كانت تقوله…
إنها واحدة متبرعة.
وماكانش يعرف إنها جدته.
آدم حط إيده على راسه.
كل حاجة بقت أغرب.
قال:
— يعني كانت عارفة إنه عايش؟
— من أول يوم.
— وكانت تعرف مكانه؟
— أيوه.
— وسابتني سنين…
فاكر إني معنديش ابن؟
ليلى بصت له بحزن.
وقالت:
— كانت كل مرة تمشي…
يوسف يسألني:
“هي الست الطيبة دي ليه بتبكي وهي ماشية؟”
وأنا…
ماكنتش أعرف أرد.
الفصل التاسع
خرج آدم وهو شبه فاقد الوعي.
ركب عربيته.
لكنه ماعرفش يسوق.
بعد دقائق…
قرر يفتش مكتب أمه القديم.
دخل الفيلا.
كانت نادية قاعدة تقرأ كتاب.
أول ما شافته…
قالت:
— رجعت تعتذر؟
قال ببرود:
— لا.
جاي آخد حقي.
طلع أمر تفتيش من النيابة.
وشاور للضباط.
بدأوا يفتحوا الأدراج.
نادية فقدت هدوءها لأول مرة.
وقالت:
— محدش يلمس الورق ده.
لكن الضابط طلع صندوقًا حديديًا صغيرًا.
كان مقفول.
فتحوه.
وفي الداخل…
وجدوا عشرات الخطابات.
كلها مكتوب عليها.
“إلى زوجي آدم.”
المرسل…
ليلى.
الخطابات كانت متفتحة.
لكن عمرها ما وصلت.
آدم فتح أول خطاب.
كان تاريخه قبل خمسة عشر سنة.
وقرأ بصوت مرتعش:
“آدم…
أنا حامل.
وعارفة إنك أول واحد هيفرح.
لو زعلان مني…
أنا مستعدة أتحمل أي حاجة.
بس أرجوك…
اسمعني قبل ما تحكم عليا.”
الخطاب التاني.
“ولدت ولد.
سميته يوسف.
كل يوم ببص في وشه…
وأشوف ملامحك.”
الخطاب التالت.
“يوسف أول مرة نطق.
قال بابا.
بس مكانش عارف مين هو باباه.”
الخطاب الرابع…
الخامس…
العاشر…
كل سنة.
كل عيد.
كل مناسبة.
رسالة.
ولا رسالة وصلت.
آدم وقع على الأرض.
وضم الخطابات لصدره.
وبكى بصوت هز أرجاء الفيلا.
أما نادية…
فوقفت تنظر إليه.
لكن لأول مرة منذ سنوات…
ظهر على وجهها شيء لم يعرفه أحد عنها.
الخوف.
لأنها أدركت…
أن السر الذي دفنته خمسة عشر عامًا…
بدأ يخرج إلى النور كله.

الفصل العاشر
انتشر خبر التحقيقات في أقل من يوم.
القنوات بدأت تتكلم.
الصحف كتبت:
“فتح ملف انهيار دار الرعاية بعد خمسة عشر عامًا.”
لكن اسم نادية الشاذلي…
لسه ما اتذكرش.
آدم رفض يطلع في أي برنامج.
ورفض يرد على أي صحفي.
كل اللي كان شاغله…
إنه يعرف الحقيقة كاملة.
في صباح اليوم التالي…
دخل مكتب النيابة.
المحقق كان بيقلب في الملف.
وقال:
— في شاهد جديد ظهر.
آدم رفع رأسه بسرعة.
— مين؟
رد المحقق:
— مهندس.
كان شغال في مشروع دار الرعاية.
اختفى بعد الحادث.
ورجع مصر من أسبوع.
بعد دقائق…
دخل رجل في أواخر الخمسين.
شعره كله أبيض.
وبدا عليه التعب.
قعد قدام المحقق.
وبص لآدم.
وقال:
— أنا آسف.
آدم استغرب.
— آسف على إيه؟
المهندس نزل رأسه.
— لأني سكت.
المحقق قال:
— احكي كل حاجة.
المهندس بدأ يتكلم.
— قبل افتتاح المبنى بشهر…
عملنا تقرير.
أكد إن الأعمدة فيها عيوب خطيرة.
ولو اتفتح المبنى…
ممكن ينهار.
آدم قبض على الكرسي.
المهندس كمل.
— التقرير اتبعت لإدارة المؤسسة.
بعد يومين…
استدعوني.
كانت والدتك قاعدة.
ومعاها فارس الكيلاني.
قالوا لي أمزق التقرير.
رفضت.
عرضوا علي فلوس.
رفضت.
هددوني.
وبعد أسبوع…
اتلفقلي قضية اختلاس.
واتسجنت سنة ونص.
أول ما خرجت…
سافرت.
آدم قال بصوت مخنوق:
— يعني يوسف…
مات لأنهم عرفوا إن المبنى هينهار؟
المهندس غمض عينه.
وقال:
— أيوه.
وساعتها…
أول دمعة نزلت من عين المحقق نفسه.
الفصل الحادي عشر
في المساء…
راح آدم إلى قبر يوسف.
ليلى كانت هناك.
حاطة ورد أبيض.
ولابسة أسود.
وقفت لما شافته.
لكن المرة دي…
ما مشيتش.
آدم قرب من القبر.
وقرأ الاسم المنقوش.
يوسف ليلى الشاذلي.
فضل يبص للاسم دقائق.
وبعدين قال بصوت مكسور:
— سامحني يا ابني…
أنا جيت متأخر.
ليلى كانت ساكتة.
قال وهو بيبكي:
— نفسي أسمعه مرة واحدة وهو بيناديني بابا.
ليلى مسحت دموعها.
وقالت:
— كان بيناديك كل يوم.
آدم بص لها.
قالت:
— كان بيقف كل عيد ميلاد قدام باب الدار.
ويقول للمشرفة:
“أكيد بابا هيعرف مكاني السنة دي.”
آدم وقع على ركبته.
وحضن شاهد القبر.
وصرخ لأول مرة…
صرخة طلعت من قلب أب…
اتحرم من ابنه قبل حتى ما يشوفه.
حتى ليلى…
انهارت.
وقفوا الاتنين.
يبكوا.
قدام قبر طفل…
كان ضحية كذب الكبار.
الفصل الثاني عشر
بعد أسبوع…
وصل تقرير جديد.
لكن المرة دي…
المفاجأة كانت أخطر.
الصحفي دخل مكتب آدم.
وشه شاحب.
قال:
— اكتشفت حاجة.
آدم رفع رأسه.
— خير؟
الصحفي حط تحليلًا طبيًا قديمًا.
وقال:
— فاكر لما قلتلك ليلى بقت على كرسي متحرك بعد اختفائها؟
— أيوه.
— الحادث… ماكنش حادث.
آدم اتجمد.
— يعني إيه؟
الصحفي فتح التقرير.
وأشار إلى سطر.
“وجود آثار اصطدام متعمد من سيارة أخرى.”
قال:
— العربية اللي خبطتها…
اختفت.
لكن رقم الشاسيه ظهر في تحقيق قديم.
آدم سأل بسرعة:
— وكانت تبع مين؟
الصحفي سكت ثواني.
وقال:
— تبع شركة الأمن الخاصة بوالدتك.
آدم حس إن الأرض بتميد بيه.
قال:
— يعني أمي حاولت تقتل ليلى؟
الصحفي رد بهدوء:
— مش بس كده…
بعد الحادث…
ليلى كانت لسه عايشة.
والشخص اللي بلغ الإسعاف…
قال إنه شاف عربية سودا واقفة تراقبها.
ولما الناس بدأت تتجمع…
هربت.
فتح آدم الملف بسرعة.
وفي آخر صفحة…
كانت شهادة رجل مجهول.
قال فيها:
“الست اللي كانت في العربية قالت للسواق: اتأكد إنها مستحيل ترجع لآدم تاني.”
آدم قرأ الجملة مرة…
واتنين…
وثلاثة.
ثم أغلق الملف ببطء.
وقال بصوت بارد لأول مرة:
— كفاية.
المرة دي…
مش هكتفي بالحقيقة.
أنا هجيب حق ليلى…
وحق يوسف…
حتى لو الشخص اللي هيتحاسب…
هي أمي نفسها.
وفي اللحظة نفسها…
داخل زنزانة قديمة في أحد السجون خارج القاهرة…
كان رجل مسن ينظر إلى شاشة التلفزيون.
ابتسم ابتسامة غامضة.
وهمس:
— أخيرًا… آدم عرف جزءًا من الحقيقة.
لكن لسه…
ما عرفش مين اللي قتل أبوه الحقيقي.
وأغلق التلفزيون…
لتبدأ أسرار جديدة أكثر خطورة من كل ما سبق.
الفصل الثالث عشر
الجملة الأخيرة…
فضلت ترن في ودن آدم.
“لسه ما عرفش مين اللي قتل أبوه الحقيقي.”
بص للصحفي.
وقال باستغراب:
— إيه الكلام ده؟!
الصحفي هز راسه.
— وأنا مستغرب زيك… أبوك مات بأزمة قلبية قدام الناس كلها.
لكن الراجل اللي في السجن…
أكيد يقصد حاجة.
آدم سكت.
افتكر آخر يوم شاف فيه أبوه.
الحاج شاذلي…
كان راجل صارم.
لكنه عمره ما ظلم حد.
وقبل وفاته بأيام…
كان بيحاول يقوله حاجة.
لكن نادية دخلت الأوضة.
وقالت:
— سيبه يرتاح… الدكتور منعه من الكلام.
وساعتها…
خرج آدم.
وما دخلش تاني.
وبعد ساعات…
أبوه مات.
لأول مرة…
بدأ يشك.
في صباح اليوم التالي…
آدم استأذن من النيابة.
وراح السجن.
المأمور استغرب.
وقال:
— الراجل ده بقاله أكتر من أربعة عشر سنة رافض يقابل أي حد.
آدم قال:
— قوله آدم الشاذلي برا.
بعد عشر دقايق…
المأمور رجع.
وقال:
— وافق.
دخل آدم غرفة الزيارة.
لقي راجل كبير.
وشه مليان تجاعيد.
لكن عينه…
كانت ثابتة.
ابتسم الراجل.
وقال:
— كبرت يا آدم.
آدم اتجمد.
— إنت تعرفني؟
ابتسم.
— شيلتك على إيدي وإنت عندك شهرين.
آدم حس بقشعريرة.
— إنت مين؟
قال:
— اسمي فاروق.
كنت مدير الحسابات في شركة أبوك.
والسبب الوحيد إني لسه عايش…
إني سكت سنين.
آدم قرب من الزجاج.
وقال:
— قول كل حاجة.
فاروق تنهد.
وقال:
— أبوك…
ما ماتش بأزمة قلبية.
اتقتل.
الصمت…
ملأ المكان.
آدم همس:
— مستحيل…
قال فاروق:
— التقرير الطبي الأصلي كان بيقول إنه اتسمم بجرعات صغيرة على مدار شهور.
لكن التقرير اتغير.
آدم حس إن الدم انسحب من وشه.
— مين غيره؟
فاروق رد من غير تردد.
— نادية… ما كانتش لوحدها.
كان معاها شريك.
الفصل الرابع عشر
آدم خرج من السجن…
عقله مش قادر يستوعب.
في عربية…
فتح تسجيل المكالمة اللي أخد إذن يسجلها.
سمع صوت فاروق.
“الشريك كان بيدير كل حاجة من بعيد… والكل كان بيخاف منه.”
رن تليفونه.
كانت ليلى.
أول مرة هي اللي تتصل.
رد بسرعة.
قالت بصوت مرتبك:
— آدم…
في حد جه المركز.
وسأل عليا.
— مين؟
— معرفش.
بس أول ما عرف إني قابلتك…
هرب.
آدم اتوتر.
— شكله عامل إزاي؟
وصفتله الراجل.
فجأة…
افتكر صورة قديمة.
كانت في ملف الشركة.
همس:
— مستحيل…
ليلى قالت بقلق:
— تعرفه؟
رد:
— أيوه…
ده فارس الكيلاني.
أقفل المكالمة.
وانطلق بالعربية.
لكن أول ما وصل…
كانت ليلى واقفة قدام الباب.
وملامحها مرعوبة.
قالت:
— أوضتي اتفتشت.
دخل آدم بسرعة.
الدولاب مفتوح.
الأوراق مرمية.
والسرير مقلوب.
لكن ليلى قالت:
— هو كان بيدور على حاجة واحدة.
— إيه هي؟
طلعت سلسلة فضة قديمة من جيبها.
كان فيها مفتاح صغير جدًا.
وقالت:
— يوسف قبل ما يموت بأسبوع…
جابها لي.
وقال:
“الست اللي كانت بتيجي تزورني قالتلي أخليها معاكي… ولو حصلي حاجة… اديها لبابا.”
آدم أخذ السلسلة.
وبص للمفتاح.
كان منقوش عليه رقم.
317
الفصل الخامس عشر
بعد ساعات من البحث…
وصلوا إلى بنك قديم.
المفتاح كان يخص خزنة.
الموظف راجع السجلات.
وقال:
— الخزنة باسم…
الحاج شاذلي.
آدم شهق.
— والدي؟!
فتحوا الخزنة بحضور النيابة.
في الداخل…
كان فيه ظرف بني.
وشريط كاسيت قديم.
ومذكرة مكتوبة بخط والده.
ارتعشت إيد آدم وهو بيفتح أول صفحة.
وكان أول سطر مكتوب:
“لو بتقرأ الرسالة دي يا آدم… يبقى أنا غالبًا مت حيـت مقتول، ومش ميت موتة طبيعية.”
تبادل آدم وليلى النظرات.
ثم بدأ يقرأ…
وكان كل سطر يكشف أن والده كان يشك منذ سنوات في اختلاسات داخل الشركة، وأنه كان يجمع أدلة ضد أشخاص مقربين جدًا منه.
لكن قبل أن يصل إلى الصفحة الأخيرة…
دوّى صوت إنذار قوي داخل البنك.
ثم انطفأت الأنوار فجأة.
وسُمعت صرخة في الخارج…
لتبدأ مواجهة جديدة، بينما بقيت الصفحة الأخيرة من رسالة والده غير مقروءة حتى تلك اللحظة.

الفصل الأخير
دوّى صوت الإنذار.
وانطفأت الأنوار.
الموظفون بدأوا يجروا في كل اتجاه.
لكن آدم…
كان كل همه ورقة واحدة.
آخر صفحة من رسالة والده.
ضم الظرف إلى صدره.
وأمسك بيد ليلى.
وقال:
— متسيبنيش.
خرجوا من غرفة الخزائن.
وفجأة…
ظهر ثلاثة رجال ملثمين.
أحدهم صرخ:
— هات الظرف!
آدم رجع خطوة.
وقال:
— مستحيل.
في اللحظة نفسها…
دخلت قوة الشرطة.
بدأت المطاردة.
وخلال دقائق…
تم القبض على اثنين.
أما الثالث…
فهرب.
لكن قبل ما يهرب…
وقع منه هاتف.
الشرطة فتشته.
وكانت الصدمة…
آخر مكالمة عليه كانت مع…
فارس الكيلاني.
رجع آدم البيت.
قفل الباب.
وقعد مع ليلى.
فتح آخر صفحة.
وكانت مكتوبة بخط والده.
“يا آدم…
لو وصلت للورقة دي…
اعرف إن الشركة كانت بتتسرق من سنين.
واكتشفت إن فارس الكيلاني ونادية بيزوروا العقود.
ولما واجهتهم…
حسيت إن حياتي بقت في خطر.
لو حصلي حاجة…
متنتقمش.
خليك واثق إن الحق مهما اتأخر…
لازم يرجع.”
آدم قفل الرسالة.
وبكى.
ثم حضنها.
وقال:
— سامحني يا أبي.
بعد أسبوع…
ألقت الشرطة القبض على فارس الكيلاني في إحدى المزارع المهجورة.
وفي التحقيق…
أنكر كل شيء.
لكن الأدلة كانت أقوى.
تسجيلات.
حسابات بنكية.
عقود مزورة.
وشهادات موظفين.
وأخيرًا…
اعترف.
قال:
— أنا ونادية كنا بنسرق ملايين من الشركة.
ولما الحاج شاذلي عرف…
قرر يبلغ.
فبدأنا نحط له سم بجرعات صغيرة في الدواء.
ولما مات…
الكل افتكر إنها أزمة قلبية.
أما ليلى…
فكانت لازم تختفي.
لأنها كانت هتكشف كل حاجة.
والولد…
وجوده كان هيخلي آدم يتمسك بيها.
المحكمة استمرت شهورًا.
القضية هزت البلد.
وفي يوم النطق بالحكم…
كانت القاعة مليانة.
القاضي وقف.
وقال:
— بعد الاطلاع على الأوراق…
وحيث ثبت للمحكمة ارتكاب المتهمين جرائم التزوير والرشوة وإخفاء الأدلة والتسبب في وفاة المجني عليهم…
حكمت المحكمة بالسجن المؤبد على فارس الكيلاني.
وبالسجن المشدد على نادية الشاذلي.
ساد الصمت.
نادية بصت لآدم.
وقالت وهي بتبكي لأول مرة:
— أنا أمك.
رد بهدوء:
— الأم…
بتحمي ابنها.
مش بتسرق عمره.
ولا تحرمه من مراته.
ولا من ابنه.
ثم استدار…
ومشى.
من غير ما يبص وراه.
بعد انتهاء القضية…
باع آدم جزءًا كبيرًا من الشركة.
واستخدم الأموال…
لبناء دار رعاية جديدة.
لكن المرة دي…
باسم مختلف.
على البوابة الكبيرة…
كان مكتوب:
“مؤسسة يوسف آدم الشاذلي لرعاية الأطفال.”
وفي حفل الافتتاح…
وقف آدم وليلى معًا.
أمام صورة يوسف.
حط آدم وردة بيضاء.
وقال بصوت هادئ:
— يمكن مقدرتش أكون أبوك وإنت عايش…
لكن أوعدك…
إن اسمك هيفضل سبب في إن أطفال كتير يعيشوا بأمان.
ليلى أمسكت يده.
لأول مرة منذ خمسة عشر عامًا…
لم تسحب يدها.
ابتسمت وسط دموعها.
وقالت:
— يوسف كان هيبقى فخور بيك.
ابتسم آدم.
وقال:
— وأنا فخور إنه ابني.
مرت سنتان.
تحسنت صحة ليلى.
وحصلت على طرف صناعي ساعدها تمشي من جديد.
وفي مساء هادئ…
وقف آدم معها على كوبري النيل.
نفس المكان…
اللي كان يظن أن حياته انتهت عنده.
طلع خاتمًا صغيرًا من جيبه.
ونظر إليها.
وقال:
— ضيعنا سنين بسبب كذبة.
مش هينفع نرجع اللي فات.
لكن…
ينفع نبدأ من جديد؟
ليلى نظرت إلى السماء.
وكأنها تخاطب يوسف.
ثم ابتسمت.
وقالت:
— المرة دي…
من غير أسرار.
ومن غير حد يفرقنا.
ألبسها الخاتم.
وتعانقا في هدوء.
بينما كانت صورة يوسف في قلبيهما…
حاضرة أكثر من أي وقت مضى.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *