لست ابي حكـايـات أسمـا ×2
الجزء الرابع
خرج الضابط بسرعة من الغرفة وهو يتحدث في جهاز اللاسلكي:
— شددوا الحراسة على أوضة الآنسة ندى… محدش يدخل إلا بعد التأكد من هويته.
بدأ القلق يظهر على وجه كريم.
اقترب من سريري وقال:
— من اللحظة دي… مش هسيبك ثانية واحدة.
ابتسمت رغم الألم.
لكن في داخلي…
كنت أشعر أن الخطر الحقيقي لم يبدأ بعد.
بعد أقل من ساعة…
دخلت ممرضة تحمل صينية أدوية.
كانت ترتدي الكمامة والزي الرسمي.
اقتربت مني وهي تقول:
— حمد لله على السلامة.
لكن المستشار فؤاد نظر إليها لثوانٍ.
ثم قال فجأة:
— استني.
توقفت الممرضة مكانها.
قال لها:
— إنتِ جديدة هنا؟
ارتبكت للحظة.
ثم قالت:
— أيوه… أول يوم شغل.
ابتسم المستشار ابتسامة خفيفة.
وقال:
— غريبة… المستشفى دي مفيهاش وردية جديدة النهارده.
في أقل من ثانية…
ألقت الممرضة الصينية على الأرض.
وأخرجت من جيبها سرنجة.
واندفعت ناحيتي بسرعة.
صرخ كريم:
— ندى!
وقفز أمام السرير.
وفي اللحظة نفسها…
اندفع أحد أفراد الشرطة وأمسك بذراعها قبل أن تصل إلي.
سقطت السرنجة على الأرض.
وبعد مقاومة عنيفة…
تم تقييدها بالأصفاد.
خلعت الكمامة وهي تلهث.
لم أكن أعرفها.
لكن الضابط صرخ عندما رأى وجهها.
— دي مش ممرضة!
وبعد دقائق من التحقيق الأولي…
اعترفت بأنها حصلت على مبلغ كبير مقابل تنفيذ المهمة.
لكنها رفضت أن تذكر اسم الشخص الذي أرسلها.
قالت جملة واحدة فقط:
— لو اتكلمت… هيموتوا ولادي.
ساد الصمت.
ثم أخرج الضابط من حقيبتها هاتفًا صغيرًا.
كان آخر اتصال فيه مسجلًا باسم مستعار:
“الخواجة”.
نظر المستشار إلى الشاشة وقال:
— بدأ يتحرك بنفسه…
وده معناه إن الملف أخطر مما كنا متخيلين.
في اليوم التالي…
وصل تقرير جديد من المعمل المالي الدولي.
كان التحليل الذي تكلف أكثر من 11 مليون جنيه قد انتهى بالكامل.
عرض التقرير حركة الأموال خلال سبعة وعشرين عامًا.
مئات التحويلات…
شركات وهمية…
عقارات مسجلة بأسماء أشخاص متوفين…
وحسابات سرية داخل وخارج البلاد.
لكن المفاجأة الأكبر…
أن آخر تحويل مالي ضخم…
تم قبل ثلاثة أيام فقط.
وكانت قيمته 48 مليون جنيه.
والمرسل إليه…
شركة جديدة باسم لا يعرفه أحد.
فتح الضابط ملف الشركة.
ثم تجمد في مكانه.
رفع رأسه نحوي وقال:
— مستحيل…
اسم المدير التنفيذي للشركة…
هو كريم.
نظرت إلى كريم في صدمة.
أما هو فانتفض واقفًا وقال:
— أقسم بالله… أول مرة أسمع عن الشركة دي!
لكن الأوراق الرسمية…
كانت تحمل اسمه الكامل…
ورقم بطاقته…
وتوقيعًا مطابقًا لتوقيعه.
وفي تلك اللحظة…
أدرك الجميع أن شخصًا ما لم يكن يحاول فقط التخلص مني…
بل كان يحاول أيضًا توريط كريم في أكبر قضية غسيل أموال في تاريخ الشبكة.
الجزء الخامس
وقف كريم في مكانه مذهولًا.
كان ينظر إلى الأوراق مرة… وإليّ مرة أخرى.
ثم قال بصوت ثابت رغم الصدمة:
— الورق ده مزور… وأنا مستعد أسلم نفسي لحد ما الحقيقة تظهر.
نظر إليه الضابط باهتمام.
وقال:
— إحنا مش بنقبض على حد لمجرد وجود اسمه في مستند… لازم نعرف مين اللي استخدم بياناتك.
جلس المستشار فؤاد وهو يقلب صفحات التقرير المالي.
وفجأة توقف عند صفحة معينة.
وقال:
— استنوا…
كل التحويلات دي خرجت من شركة اتأسست من 23 سنة.
لكن كريم عمره وقتها كان سنة واحدة!
ساد الصمت.
ثم قال الضابط:
— يعني استحالة يكون ليه أي علاقة بالشركة وقت تأسيسها.
أومأ المستشار برأسه.
— ده دليل إن حد استغل هويته بعد ما كبر، وغيّر بيانات السجل التجاري من غير ما يعرف.
في تلك اللحظة دخل خبير الأدلة الجنائية.
ووضع حقيبة سوداء على الطاولة.
قال:
— لقينا حاجة مهمة جدًا في بيت حسن.
فتح الحقيبة.
وأخرج جهاز كمبيوتر قديمًا.
وقال:
— الهارد كان متكسر، لكن قدرنا نسترجع معظم الملفات.
بدأت الصور تظهر على الشاشة.
عقود…
كشف حسابات…
جوازات سفر مزورة…
ثم ظهر فيديو بتاريخ يعود إلى سبع سنوات.
ضغط الخبير على زر التشغيل.
ظهر أبي حسن داخل مكتب فاخر.
وكان يجلس أمام رجل لم يظهر وجهه.
لكن صوته كان واضحًا.
قال الرجل:
— أهم حاجة… البنت تفضل بعيدة عن الحقيقة.
ولو في يوم عرفت إنها مش بنت حسن…
يبقى لازم تختفي.
رد حسن:
— متقلقش… عمرها ما هتعرف.
ابتسم الرجل.
ثم قال جملة جعلت المستشار يقف فجأة.
— دي آخر وصية لفؤاد عزمي… وأنا اللي دفنتها بإيدي.
صرخ المستشار:
— وقف الفيديو!
توقف التسجيل.
ثم قال وهو يرتجف:
— عرفت الصوت…
ده صوت الخواجة.
أول مرة أسمعه بوضوح من سبعة وعشرين سنة.
اقترب الضابط وقال:
— تقدر تحدد هويته؟
أغلق المستشار عينيه لثوانٍ.
ثم فتحهما وقال:
— أقدر…
لكن هتتصدموا.
لأن الخواجة…
مش رجل أعمال…
ولا تاجر سلاح…
ولا زعيم عصابة.
الخواجة…
قاضٍ سابق…
وكان واحدًا من أشهر رجال العدالة في البلد.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف الضابط.
رد بسرعة.
ثم تغير لون وجهه.
قال بصوت منخفض:
— إيه؟!
نظر إلينا وقال:
— في خبر عاجل…
المستشفى كلها اتحاصرت.
وفيه أكتر من عشرين مسلحًا بيحاولوا يدخلوا من كل المداخل…
وواضح إن هدفهم واحد…
إنهم يخلصوا على ندى قبل ما تشهد في القضية.
الجزء السادس
دوّى صوت جهاز الإنذار في أرجاء المستشفى.
وانطلقت أصوات الأبواب وهي تُغلق تلقائيًا.
أمسك الضابط بجهاز اللاسلكي وهو يصرخ:
— اقفلوا كل المداخل! محدش يطلع ولا ينزل!
في اللحظة نفسها…
أطفئت الأنوار لثوانٍ.
ثم عادت من جديد.
لكن هذه الثواني كانت كافية لإثارة الرعب في المكان.
اقترب كريم من سريري.
وقال بحزم:
— هخرجك من هنا مهما حصل.
اعترض الطبيب.
— مستحيل تتحرك… الغرز لسه جديدة.
قاطعه الضابط:
— لو فضلت هنا هتبقى هدف سهل.
المستشار فؤاد فتح الملف الجلدي بسرعة.
وأخرج منه ظرفًا أصفر قديمًا.
وسلمه لكريم.
وقال:
— لو حصلي أي حاجة… الظرف ده يوصل للنيابة بنفسك.
أمسك كريم الظرف.
ولاحظ أنه مختوم بالشمع الأحمر.
وعليه عبارة واحدة بخط اليد:
“لا يُفتح إلا بعد القبض على الخواجة.”
قبل أن يسأل عن السبب…
دوّى صوت إطلاق نار من الدور الأرضي.
صرخت إحدى الممرضات.
وانتشر المرضى في الممرات وسط حالة من الفوضى.
لكن بعد أقل من دقيقة…
دخل ضابط آخر يلهث.
وقال:
— مفيش اقتحام!
نظر الجميع إليه باستغراب.
— أمال صوت الرصاص؟
قال:
— طلع إن حد بلّغ ببلاغ كاذب علشان يسحب قوة التأمين من الدور اللي فيه ندى.
ساد الصمت.
ثم قال المستشار:
— إذًا… دي كانت مجرد خدعة.
وفي اللحظة نفسها…
فتح باب الغرفة بهدوء.
دخل عامل نظافة يدفع عربة كبيرة.
لم يلتفت إليه أحد.
كان الجميع منشغلين بالكلام.
اقترب من سلة المهملات.
ثم رفع رأسه فجأة.
ونظر مباشرة إلى المستشار.
وقال بصوت هادئ:
— حضرتك تعبت نفسك سبعة وعشرين سنة… وفي الآخر هتخسر كل حاجة.
تجمد المستشار في مكانه.
همس:
— أنت…
ابتسم الرجل.
ونزع القبعة والقناع الطبي عن وجهه.
ظهر رجل في أوائل الستينيات.
شعره رمادي.
وعيناه باردتان بشكل مخيف.
قال بثقة:
— أول مرة نتقابل وش لوش يا فؤاد.
صرخ الضابط:
— امسكوه!
لكن الرجل ضغط زرًا صغيرًا في ساعة يده.
فانطلقت سحابة كثيفة من الدخان ملأت الغرفة.
اختنق الجميع للحظات.
وحين انقشع الدخان…
كان الرجل قد اختفى.
لكن شيئًا واحدًا بقي على الأرض…
بطاقة سوداء صغيرة.
رفعها الضابط بحذر.
كان مكتوبًا عليها بخط ذهبي:
“الحقيقة لها ثمن… وأنتم لم تدفعوه بعد.”
وعلى ظهر البطاقة…
رقم خزنة داخل أحد البنوك الدولية.
وتحته عبارة قصيرة أربكت المستشار فؤاد أكثر من أي شيء سمعه في حياته:
“الوصية الأصلية ليست معك… أنت تحمل نسخة فقط.”
الجزء السابع
ظل المستشار فؤاد ممسكًا بالبطاقة السوداء لعدة ثوانٍ.
كان وجهه شاحبًا.
ولأول مرة منذ قابلناه…
بدا عليه الخوف.
سأله كريم:
— يعني إيه نسخة؟!
تنهد المستشار ببطء.
وقال:
— كنت فاكر إن الملف اللي معايا هو الأصل… لكن واضح إن الخواجة سبقني بخطوة.
نظر الضابط إلى البطاقة.
ثم قال:
— رقم الخزنة ده موجود في بنك دولي.
لو اللي فيها هو الملف الأصلي…
يبقى القضية كلها هتتغير.
في اليوم التالي…
صدر قرار من النيابة بمنع حسن وسلوى وريم من السفر.
كما تم تعميم أسمائهم على جميع المنافذ.
لكن قبل تنفيذ القرار بساعات…
وصل خبر جديد.
ألقى الضابط الملف على الطاولة وقال:
— لقينا حسن.
قفزت من مكاني.
— فين؟!
رد بصوت هادئ:
— في عربية على طريق صحراوي.
قلت بسرعة:
— قبضتوا عليه؟
هز رأسه بالنفي.
— للأسف…
وصلنا متأخرين.
شعرت بقلبي ينقبض.
— مات؟
فتح الضابط صورة من تقرير الطب الشرعي.
وقال:
— حسن مقتول.
رصاصة واحدة في منتصف صدره.
ولا يوجد أي آثار مقاومة.
أما الشيء الغريب…
فكان وجود ورقة مطوية داخل جيبه.
فتحها أمامنا.
وكان مكتوبًا فيها بخط واضح:
“الخائن نهايته معروفة.”
أسفل الجملة…
كان هناك توقيع صغير.
حرف واحد فقط.
(خ)
قال المستشار:
— الخواجة بدأ يتخلص من رجاله.
يعني أي حد يعرف الحقيقة…
هيختفي.
وفي المساء…
وصلت سلوى إلى قسم الشرطة بنفسها.
كانت تبكي بشكل هستيري.
وقالت للضابط:
— أنا عايزة أتكلم… قبل ما يقتلني هو كمان.
تم نقلها إلى غرفة التحقيق.
وجلست ترتجف.
قالت وهي تمسح دموعها:
— حسن خدعني.
أنا كنت فاكرة إننا بنخبي سر نسب ندى بس.
لكن بعد سنين…
اكتشفت إن فيه قتل وسرقة وغسيل أموال.
صرخ الضابط:
— ليه ما بلغتيش؟
انهارت وهي تبكي.
— لأنه كان بيهددني ببنتي ريم.
وفجأة…
دخل أحد أفراد الشرطة مسرعًا.
وقال:
— يا فندم!
التفت الجميع إليه.
قال:
— ريم اختفت.
وسابت جواب.
فتح الضابط الرسالة.
وقرأ بصوت مرتفع:
“أمي… متدوريش عليا. أنا رايحة أقابل الشخص الوحيد اللي يقدر يحمينا. لو رجعت… هتعرفوا الحقيقة كلها. ولو ما رجعتش… اعرفوا إن الخواجة عمره ما كان شخص واحد.”
ساد صمت ثقيل داخل غرفة التحقيق.
ثم همس المستشار فؤاد:
— كنت شاكك…
لكن دلوقتي بقيت متأكد.
نظر إليه كريم وسأله:
— متأكد من إيه؟
أغلق المستشار الملف ببطء وقال:
— “الخواجة” مش اسم إنسان… ده اسم منظمة كاملة… وكل واحد فيها، لما اللي قبله يموت أو يختفي… بياخد نفس الاسم.
وفي تلك اللحظة…
رن هاتف الضابط.
استمع لثوانٍ…
ثم رفع رأسه نحوي وقال:
— في خبر أخطر من كل اللي فات…
**تم فتح الخزنة الدولية…
لكن اللي فتحها… كان باسم “ندى”.**
يتبع