سرقة قلب حكايات اسما2

الجزء الرابع
تجمدت ليان في مكانها.
الصوت كان بيقرب…
خطوة…
ورا خطوة…
ورا خطوة.
الأنفاس بقت مسموعة.
نبيل بص بسرعة حوالين الغرفة.
ولقى بابًا صغيرًا جدًا خلف رف معدني.
همس:
— بسرعة… ادخلي.
ليان هزت رأسها.
— وأنت؟
— هدخل وراكي.
فتح الباب.
طلع ممر ضيق جدًا.
كان واضح إنه معمول للطوارئ.
أول ما دخلوا…
قفل الباب بهدوء.
بعد ثوانٍ…
اتفتح باب الغرفة السرية بعنف.
دخل أربعة رجال لابسين أسود.
وواحد منهم قال:
— فتشوا كل شبر.
الممر كان مظلم.
ليان كانت ماسكة إيد نبيل.
وقلبها بيدق بعنف.
وفجأة…
سمعت صوت طلقة.
ثم طلقة تانية.
وبعدها صرخة مكتومة.
وقفت مكانها.
— نبيل… حد اتضرب!
نبيل شدها.
— متبصيش وراكي… كملي.
بعد دقايق طويلة…
خرجوا من فتحة صرف قديمة.
كانت بتوصل لمخزن مهجور خلف العمارة.
أول ما طلعوا…
استنشقوا الهوا.
لكن فرحتهم ما كملتش.
في آخر الشارع…
كانت عربية سوداء واقفة.
نزل منها رجل ضخم.
وقال بهدوء:
— أستاذ نبيل…
إحنا مستنيينك.
ليان همست:
— خلصنا…
لكن الرجل رفع إيده.
وقال:
— متخافوش.
أنا من طرف أبوكي.
استغربت ليان.
الرجل طلع بطاقة قديمة.
عليها شعار شركة والدها.
وقال:
— اسمي ياسين.
كنت مسؤول أمن المجموعة.
والحاج الله يرحمه وصاني…
لو حصل له حاجة…
أحميك مهما كان الثمن.
نبيل تنفس الصعداء.
— الحمد لله.
ركبوا العربية بسرعة.
وياسين انطلق بيهم.
في نفس الوقت…
كان آدم في غرفة العمليات.
واقف قدام الدكتورة سارة.
قال بغضب:
— ليان عرفت كل حاجة.
سارة فضلت هادئة بشكل مخيف.
شربت رشفة قهوة.
وقالت:
— يبقى انتهى دورها.
آدم رد بعصبية:
— انتهى إزاي؟!
معاها تسجيلات.
وملفات.
وشهود.
ابتسمت سارة.
— كل ده ملوش قيمة…
لو هي نفسها اختفت.
سكتت لحظة.
ثم ضغطت زرًا صغيرًا في هاتفها.
بعد أقل من دقيقة…
دخل رجل خمسيني أنيق.
بدلة فاخرة.
وشعره أبيض.
آدم وقف فورًا باحترام.
قال:
— باشا…
الرجل بص له باحتقار.
وقال:
— فشلت.
خفض آدم رأسه.
الرجل كمل:
— كنت قدامك ست واحدة…
معرفتش تخلص منها.
سارة قالت بهدوء:
— لسه نقدر نلحق.
ابتسم الرجل.
— لا…
أنا هتولى الموضوع بنفسي.
داخل العربية…
ليان سألت ياسين:
— رايحين فين؟
قال:
— في مكان محدش يقدر يوصلك فيه.
بعد ساعة…
وصلوا لمزرعة قديمة وسط الصحراء.
من الخارج…
كانت شكلها مهجور.
لكن أول ما دخلوا…
اتفاجأت ليان.
المكان مليان أجهزة كمبيوتر.
وشاشات مراقبة.
وأشخاص بيشتغلوا في هدوء.
ياسين قال:
— والدك كان متوقع اليوم ده.
وعمل فريق كامل يجمع الأدلة.
من خمس سنين.
ليان دموعها نزلت.
— بابا كان بيفكر في كل حاجة.
اقتربت فتاة شابة.
وقالت:
— أنا ريم.
خبيرة إلكترونية.
كل التسجيلات اللي معاكي…
هننسخها.
ونرفعها على أكتر من ألف سيرفر.
لو حاولوا يمسحوها…
هيستحيل.
ابتسمت ليان لأول مرة.
لكن بعد دقائق…
صرخ أحد الشباب أمام الشاشات:
— في مشكلة!
كلهم جريوا عليه.
قال وهو بيشاور على الشاشة:
— في حد اخترق الشبكة.
والملفات بتتمسح!
ريم اتجمدت.
— مستحيل…
الشاشة بدأت تعرض عدًا تنازليًا.
10…
9…
8…
ريم كانت بتحاول توقف الاختراق.
لكن من غير فايدة.
5…
4…
3…
ليان بصت للشاشة وهي حاسة إن كل الأدلة هتضيع.
وفجأة…
ظهر على الشاشة وجه الدكتورة سارة.
كانت بتبص للكاميرا وتبتسم.
وقالت بهدوء مرعب:
— قلتلك يا ليان…
أنا دايمًا بخطوة قدامك.
ثم اختفت الصورة…
وظهر سطر واحد فقط:
“تم تحديد موقعكم.”
وفي نفس اللحظة…
دوى انفجار هائل خارج المزرعة…
واهتزت الأرض تحت أقدامهم.
يتبع…
الجزء الخامس
الانفجار كان عنيفًا…
لدرجة إن كل الشبابيك اتكسرت في لحظة واحدة.
الإضاءة انقطعت.
ودخان كثيف غطى المكان.
ليان وقعت على الأرض وهي حاطة إيديها على راسها.
سمعت صراخ.
وأصوات جري.
وصفارات إنذار.
صرخت:
— نبيل!… ياسين!…
رد عليها صوت ياسين من وسط الدخان:
— انزلي تحت الترابيزة! بسرعة!
بعد ثوانٍ…
سمعوا دفعة رصاص في الخارج.
ريم كانت بتحاول تقفل الأجهزة قبل ما تقع في إيد المهاجمين.
لكن ياسين جذبها بعيدًا.
— سيبيها… حياتك أهم.
فتح بابًا حديديًا في آخر القاعة.
وقال:
— المخرج السري… يلا.
بدأ الجميع يجرون داخله.
لكن قبل ما تدخل ليان…
التفتت للخلف.
وشافت النيران بدأت تاكل غرفة العمليات الإلكترونية.
كل التعب اللي والدها بذله…
كان بيضيع قدام عينيها.
دموعها نزلت.
لكن نبيل شدها بقوة.
— لو وقفتي دلوقتي… هيبقى مات علشان لا شيء.
الممر كان طويلًا جدًا.
وفي آخره…
طلعوا إلى مخزن قديم مهجور على أطراف الصحراء.
أول ما خرجوا…
كانت سيارات الدفع الرباعي بتلف حوالين المزرعة.
رجال مسلحون بينزلوا منها.
وأحدهم صاح:
— فتشوا المكان كله!
ياسين همس:
— لحقونا…
ركبوا سيارة قديمة كانت مستخبية تحت شادر.
وانطلقوا بأقصى سرعة.
بعد ساعة من الهروب…
وصلوا إلى بيت ريفي صغير.
كان ملكًا لأحد أصدقاء والد ليان.
المكان بسيط جدًا.
بعيد عن أي طريق رئيسي.
دخلت ليان وهي منهارة.
جلست على الأرض.
وقالت بصوت مكسور:
— كل حاجة راحت…
كل الأدلة اتحرقت.
ريم هزت رأسها.
ثم ابتسمت لأول مرة.
وأخرجت فلاشة صغيرة من جيبها.
— مش كلها.
ليان رفعت رأسها بسرعة.
ريم قالت:
— أول ما بدأ الاختراق…
نسخت أهم الملفات على دي.
ابتسم نبيل.
— دي فيها إيه؟
ردت:
— التسجيل اللي بيدين آدم.
والملفات الطبية المزورة.
وقائمة بأسماء جزء من الضحايا.
لكن…
مش أهم حاجة.
ليان سألت:
— أمال إيه؟
ريم أخذت نفسًا عميقًا.
— فيها تحويلات بنكية.
بالمليارات.
من حسابات الضحايا…
لحساب واحد.
نبيل اتسعت عيناه.
— مين صاحبه؟
ريم أوصلت الفلاشة بالكمبيوتر.
فتح الملف.
وظهر اسم صاحب الحساب.
ساد الصمت.
ليان همست:
— مستحيل…
الاسم لم يكن آدم.
ولا الدكتورة سارة.
ولا لارا.
كان الاسم…
المستشار فؤاد الجندي.
أحد أشهر القضاة السابقين في البلاد.
الرجل المعروف بالنزاهة.
والذي كان يظهر دائمًا في الإعلام مدافعًا عن العدالة.
نبيل جلس على الكرسي من شدة الصدمة.
— دلوقتي فهمت…
ليه كل القضايا كانت بتتقفل.
وفي نفس اللحظة…
داخل قصر فاخر على أطراف المدينة…
كان المستشار فؤاد يجلس بهدوء يحتسي القهوة.
دخل آدم مرتبكًا.
وقال:
— الأدلة لسه معاها.
ابتسم المستشار ابتسامة باردة.
وقال:
— خليها تحتفظ بيها.
آدم نظر إليه باستغراب.
— يعني إيه؟
رد وهو يضع فنجان القهوة على الطاولة:
— أحيانًا…
أفضل طريقة تمسك بيها كل أعدائك…
إنك تسيبهم فاكرين إنهم انتصروا.
ثم فتح درج مكتبه.
وأخرج ملفًا أسود.
دفعه ناحية آدم.
— افتحه.
فتح آدم الملف…
فتغير لون وجهه بالكامل.
كانت أول صفحة تحمل صورة قديمة…
لليان وهي طفلة مع والدها.
وخلفهما…
رجل يبتسم للكاميرا.
آدم دقق النظر.
ثم شهق.
— ده… مستحيل!
المستشار قال بهدوء:
— من يوم ما كانت ليان عندها سبع سنين…
كانت تحت المراقبة.
واللي حصل النهارده…
بدأ التخطيط له…
من أكتر من عشرين سنة.
وفي نفس اللحظة…
في البيت الريفي…
رن هاتف قديم كان يخص والد ليان.
لم يكن أحد يعرف أن به شريحة ما زالت تعمل.
نظرت ليان إلى الشاشة…
وارتجفت.
المتصل كان مسجلًا باسم واحد فقط:
“أبي”.
تبادل الجميع النظرات في ذهول.
وترددت ليان لثوانٍ…
ثم ضغطت زر الإجابة.
وانتهى الخط على صوت رجل يقول بهدوء:
— لو سمعتي الرسالة دي يا ليان…
يبقى الوقت جه تعرفي الحقيقة الكاملة…
يتبع…
الجزء السادس
ليان كانت ماسكة الهاتف…
وإيديها بتترعش.
دموعها نزلت وهي تهمس:
— بابا…؟
لكن الرد مكانش مباشر.
كان تسجيلًا صوتيًا.
صوت والدها خرج هادئًا…
وكأنه قاعد قدامها.
“يا ليان… لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى كل اللي كنت خايف منه حصل. وأعرف إنك دلوقتي مش عارفة تثقي في مين… لكن اسمعيني للنهاية.”
سكت التسجيل ثواني.
ثم أكمل:
“أول حاجة لازم تعرفيها… أنا ما متش موتة طبيعية.”
شهقت ليان.
نبيل قفل الباب بسرعة، وكله تركيز في التسجيل.
“الدكتور كتب إن قلبي وقف. لكن الحقيقة… أنا اتسممت ببطء لمدة ست شهور.”
ليان غطت فمها.
— لا…
“كنت عارف. لكني سكت. لأن لو واجهتهم وقتها… كانوا هيقتلوكي قبلي.”
سكت التسجيل مرة تانية.
ثم قال:
“أنا فضلت أمثل إني مش واخد بالي. وخلال الفترة دي… جمعت كل دليل قدرت أوصل له.”
في نفس اللحظة…
داخل القصر…
كان المستشار فؤاد بيقلب في ملف قديم.
دخلت الدكتورة سارة.
وقالت:
— فرقنا وصلت البيت الريفي.
رد من غير ما يرفع عينه:
— لا تهاجموهم.
استغربت.
— ليه؟
ابتسم.
— لأن ليان لسه هتوصلنا لآخر قطعة ناقصة.
في البيت الريفي…
التسجيل كان مستمر.
“يا ليان… فاكرة الخاتم اللي كنت بلبسه دايمًا؟”
بصت ليان لخاتم والدها الموجود في علبة صغيرة كانت محتفظة بيها.
“الخاتم ده… مش مجرد خاتم.”
فتحه نبيل بحذر.
وفجأة…
خرجت منه شريحة إلكترونية دقيقة جدًا.
ريم اتسعت عيناها.
— دي شريحة تخزين مشفرة!
وصلتها بالكمبيوتر.
بعد دقائق…
ظهر مجلد واحد فقط.
اسمه:
الحقيقة الكاملة
ضغطت عليه.
ظهرت مئات الملفات.
صور.
فيديوهات.
حسابات.
تسجيلات.
وقائمة طويلة بأسماء مسؤولين ورجال أعمال وأطباء.
ريم همست:
— دي مش قض..ية…
دي إمبراطورية كاملة.
لكن وسط الملفات…
لفت نظر ليان فيديو بعنوان:
“شاهده أولًا.”
فتحته.
ظهر والدها داخل مكتبه.
قال:
“لو بتشوفي الفيديو ده…
يبقى غالبًا قابلتي آدم.”
ابتسم بحزن.
“يمكن دلوقتي بتكرهي نفسك لأنك وثقتي فيه.”
سكت قليلًا.
“بس لازم تعرفي الحقيقة.”
أخذ نفسًا عميقًا.
وقال:
“آدم…
ماكانش أول واحد حاول يقرب منك.”
ليان عقدت حاجبيها.
“قبله كان في اتنين غيره.
رفضتهم.
لأن تحرياتي كشفت إنهم تابعين لنفس الشبكة.”
نبيل تمتم:
— إذن كانوا بيدوروا عليها من زمان…
أكمل والدها:
“لما آدم ظهر…
كان أذكى منهم.
اشتغل سنين…
عشان يكسب ثقتك.
ويكسب ثقتي.”
ليان أغمضت عينيها.
افتكرت كل لحظة.
كل وردة.
كل هدية.
كل كلمة حب.
كل مرة قال لها:
“إنتِ أغلى حاجة في حياتي.”
طلعت كلها…
كذبة.
وفجأة…
رن جهاز الإنذار في البيت الريفي.
قفز ياسين ناحية الشاشات.
قال بقلق:
— في عربيات جاية.
ريم فتحت كاميرات المراقبة.
ظهر موكب من خمس سيارات سوداء.
لكن الغريب…
إنها مكانش عليها أي لوحات.
نبيل قال:
— دول وصلوا.
ليان سألت:
— رجال فؤاد؟
ياسين دقق في الشاشة.
ثم تغيرت ملامحه.
— لا…
دول مش رجالة فؤاد.
توقفت السيارات أمام البيت.
نزل منها رجال بملابس عسكرية سوداء.
ثم نزلت امرأة في الستين من عمرها.
شعرها أبيض.
ملامحها قوية.
كانت تمشي بثقة.
أول ما شافتها ليان…
شهقت.
الصورة كانت مألوفة جدًا.
لأنها شافتها قبل دقائق داخل ملفات والدها.
همست:
— دي…
نبيل نظر للشاشة.
واتسعت عيناه.
— مستحيل…
دي نادية المنصور…
الشريكة المؤسسة للشبكة.
الكل كان فاكر إنها ماتت من خمسة عشر سنة.
المرأة رفعت رأسها ناحية الكاميرا.
وابتسمت ابتسامة غامضة.
ثم قالت بصوت سمعوه عبر مكبر خارجي:
— يا ليان…
أنا مش جاية أقتلك.
أنا جاية أنقذك…
من آدم…
ومن المستشار فؤاد.
ساد صمت ثقيل داخل البيت.
لم يعرف أحد…
هل يقف خلف الباب ويستعد للقتال…
أم يفتح لها…
ليكتشف أن الحقيقة أخطر بكثير مما تخيلوا.
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *