صندوق خشبي حكـايـات أسمـا ×2
الجزء الثاني: بعد خمس سنوات
مرت خمس سنين…
ومحدش في البلد بقى يناديني “ست الليمون”.
بقيت بالنسبة للناس…
“الحاجة أم ملك.”
مركز عبدالله للرحمة بقى بيعالج مئات المرضى كل شهر.
والكشك الخشب…
فضل في مكانه.
كل صباح أفتحه بنفسي، وأعمل أول كوباية عصير، وأحط صورة عبدالله قدامي وأقول:
— صباح الخير يا أبو ملك… لسه وعدك بحافظ عليه.
وفي يوم…
دخلت عليا بنت صغيرة، عمرها حوالي عشر سنين.
هدومها بسيطة، وشكلها مرهق.
قالت بخجل:
— هو… ممكن أشرب كوباية عصير؟ معيش غير خمسة جنيه.
ابتسمت وناولتها أكبر كوباية عندي.
قلت:
— اشربي يا حبيبتي… والفلوس خليها معاكي.
لكن البنت مدتلي ظرف أبيض.
وقالت:
— ماما قالت أسلمهولك بإيدي.
فتحت الظرف…
واتجمد الدم في عروقي.
كان فيه صورة قديمة جدًا.
الصورة كانت لعبدالله…
واقف جنب راجل ما شفتوش قبل كده.
وعلى ضهر الصورة مكتوب:
“لو وصلت الصورة دي لأم ملك… يبقى الحقيقة لازم تتقال.”
فضلت أبص للصورة وأنا مش فاهمة.
قلت للبنت:
— فين مامتك؟
نزلت دموعها وقالت:
— في المستشفى… وقالت لو لحقت حضرتك… حياتنا كلها هتتغير.
ركبت العربية أنا وفؤاد، وروحنا المستشفى بسرعة.
دخلنا أوضة بسيطة.
كانت فيها ست في أواخر الخمسينيات.
أول ما شافتني…
بكت.
وقالت:
— سامحيني… أنا السبب إن عبدالله خبى عنك سر عمره كله.
قلبي دق بعنف.
قلت:
— سر إيه؟
قالت وهي بتتنفس بصعوبة:
— قبل وفاة عبدالله بشهور… أنقذ حياة شاب في حادث كبير.
الشاب ده كان ابني الوحيد.
ولما حاول يردله الجميل…
عبدالله رفض أي فلوس.
وطلب منه طلب واحد بس…
لو حصله حاجة…
يفضل يدور عليكي ويحميكي من بعيد.
بصيت لفؤاد.
قال بهدوء:
— الشاب ده… أنا.
شهقت.
قالت الست وهي بتبتسم:
— أنا أم فؤاد… وكنت شاهدة على الوعد.
ثم مدت يدها بصندوق معدني صغير.
وقالت:
— ده آخر أمانة.
فتحت الصندوق…
ولقيت مفتاحًا قديمًا…
ومعاه ورقة مكتوب فيها:
“المفتاح ده يفتح باب المكان اللي خبّيت فيه آخر مفاجأة ليكي… لكن أوعي تروحي لوحدك.”
نظرت إلى فؤاد.
ونظر إليّ في صمت.
ثم قال:
— أظن… رحلتنا لسه ما بدأتش.
يتبع…
الجزء الثالث
فضلت أبص للمفتاح في إيدي.
كان قديم، تقيل، وعليه حرفين محفورين:
“ع . م”
قلت لفؤاد:
— عبدالله عمره ما قالي على مكان زي ده.
رد وهو بيبتسم:
— لأنه كان ناوي يحكيلك… لكن القدر سبقه.
في اليوم التاني…
ركبنا العربية، ومعانا المحامي القديم اللي كان صاحب عبدالله.
فضلنا نمشي أكتر من ساعتين.
لحد ما وصلنا لقرية صغيرة، في طرفها بيت مهجور.
البيت كان مقفول من سنين.
الشبابيك كلها تراب.
والجنينة بقت مليانة حشائش.
وقف فؤاد قدام الباب وقال:
— هنا بدأ كل شيء.
بصيت له باستغراب.
قال:
— ده أول مشروع اشتغل فيه عبدالله معايا.
دخلت المفتاح في القفل.
بصعوبة… الباب اتفتح.
ريحة الخشب القديم ماليّة المكان.
دخلنا بهدوء.
وفجأة…
لمحت صندوقًا حديديًا كبيرًا تحت السلم.
عليه نفس الحرفين.
فتحناه…
لقينا عشرات الدفاتر.
كل دفتر مكتوب عليه سنة.
بدأت أقلب فيها.
واتصدمت…
كانت يوميات عبدالله.
من أول يوم اتجوزنا.
كان كاتب كل حاجة.
أول مرة شافني.
أول جنيه كسبه.
يوم ولادة بنتنا.
حتى أيام مرضها.
وفي آخر دفتر…
لقيت رسالة مكتوبة ليا.
“يا أم ملك… لو وصلتي هنا، يبقى عرفتي إني كنت بخطط لمستقبل أكبر من اللي شفتيه. الفلوس بتخلص… لكن الخير ما بيخلصش.”
تحت الرسالة…
كان فيه ملف كبير.
فتحناه.
لقينا خرائط ورسومات.
وفوقها عنوان واحد:
“مدينة عبدالله الخيرية.”
كان حلمه يبني مستشفى، ومدرسة، ودار أيتام في نفس المكان.
أنا ما قدرتش أتكلم.
قلت وأنا ببكي:
— كان شايل كل الأحلام دي لوحده؟
فؤاد هز رأسه وقال:
— وكان واثق إنك إنتِ اللي هتكمليها.
وأثناء ما إحنا بنقلب في الورق…
سمعنا صوت عربية وقفت برا البيت.
وبعدين صوت باب بيتفتح بعنف.
دخل تلات رجالة.
واحد منهم قال وهو بيبص للصندوق:
— أخيرًا لقينا الملفات…
دي اللي بندور عليها من سنين.
بصيت لفؤاد.
فهمت من ملامحه إن الناس دي مش جاية للخير.
مسك إيدي وقال بهدوء:
— اقفلي الصندوق…
ومهما حصل، ما تسيبيهوش.
يتبع…
الجزء الرابع
قفلت الصندوق بسرعة، وضمّيته لصدري.
الراجل اللي كان واقف قدامنا ابتسم ابتسامة باردة وقال:
— متتعبيش نفسك… إحنا جايين ناخد الورق وبس.
وقف فؤاد قدامي، وقال بثبات:
— الورق ده ملك أم ملك… ومحدش هيلمسه.
ضحك واحد من الرجالة وقال:
— يعني هتمنعونا؟
في اللحظة دي…
طلع المحامي تليفونه، وقال بهدوء:
— أول ما دخلتوا البيت شغلت البث المباشر لمكتب المحاماة. أي اعتداء هيتسجل.
اتوترت ملامحهم.
لكن زعيمهم قرب خطوة، وقال وهو بيبصلي:
— إنتِ عارفة الورق ده يساوي كام؟
قلت:
— ما يهمنيش يساوي كام.
اللي يهمني إنه كان حلم جوزي.
سكت لحظة…
وبعدين قال:
— يبقى لازم تعرفي الحقيقة.
فتح شنطة جلد كانت معاه.
وطلع عقد قديم.
وقال:
— عبدالله ما كانش لوحده في المشروع.
كان معاه أربعة شركاء.
ثلاثة منهم ماتوا…
والرابع اختفى.
وفجأة…
بص لفؤاد مباشرة.
— والرابع ده… هو فؤاد.
لفيت أبص لفؤاد بصدمة.
قلت:
— الكلام ده صحيح؟
نزل فؤاد رأسه.
وسكت.
ثواني مرت كأنها ساعات.
وبعدين قال:
— أيوه… صحيح.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
قلت بصوت مكسور:
— ليه مخبيت عليا؟
قال وهو باصص في عيني:
— لأن عبدالله هو اللي طلب مني.
كان خايف لو عرفتي كل التفاصيل وقتها، الناس تطمع فيكي.
فضلنا نحميكي من بعيد لحد ما تبقي قوية وتقفي على رجلك.
مد لي ملف صغير.
وقال:
— افتحيه.
فتحته…
لقيت عقد شراكة موقع من عبدالله وفؤاد، ومكتوب فيه بخط عبدالله:
“في حالة وفاتي، تنتقل كل حصتي إلى زوجتي أم ملك، ويتولى فؤاد مساعدتها حتى يكتمل المشروع.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
بصيت لفؤاد.
قلت:
— يعني… طول السنين دي كلها كنت بتنّفذ وصيته؟
ابتسم لأول مرة.
وقال:
— ولا يوم خالفت وعد قطعته لعبدالله.
في اللحظة دي…
الرجالة بصوا لبعض.
زعيمهم طوى العقد اللي في إيده، وقال:
— واضح إننا اتأخرنا.
لف ومشي.
وقبل ما يركب عربيته، قال:
— بس افتكروا… حلم كبير زي ده هيبقى ليه أعداء كتير.
بعد ما مشوا…
خرجت أنا وفؤاد قدام البيت القديم.
بصيت للأرض الواسعة اللي حوالينا.
وتخيلت مستشفى باسم عبدالله.
ومدرسة مليانة أطفال.
ودار أيتام يلاقي فيه كل طفل بيتًا آمنًا.
ابتسمت لأول مرة من سنين.
وقلت:
— المرة دي… مش هحقق حلم عبدالله لوحدي.
هنحققه كلنا.
يتبع…
الجزء الخامس
عدّى ست شهور…
وكل يوم كان حلم عبدالله بيقرب خطوة.
الأرض اللي كانت زمان مهجورة…
بقى فيها عمال ومهندسين وونشات.
الناس كانت تقف من بعيد تتفرج وتقول:
— دي الأرض اللي كان الكل فاكر إنها ملهاش لازمة.
وأنا كنت كل صباح أعدّي على الكشك الأول.
أعمل أول كوباية عصير ليمون.
وأحطها قدام صورة عبدالله.
وأقول:
— النهارده كمان وفّيت بجزء من وعدي.
وفي يوم…
وأنا راجعة من موقع البناء، لقيت عربية إسعاف واقفة قدام المركز.
الدكاترة بيجروا.
والممرضات متوترين.
دخلت بسرعة.
لقيت فؤاد واقع على الأرض، وماسك صدره.
جريت عليه وأنا بصرخ:
— فؤاد!
فتح عينيه بالعافية.
وقال:
— متخافيش… دي مش أول أزمة قلب.
الدكتور بصلي وقال:
— لازم يدخل عمليات حالًا.
فضلت قاعدة قدام أوضة العمليات خمس ساعات.
كل دقيقة كانت أطول من اللي قبلها.
وأنا قاعدة…
جت ممرضة وقالت:
— يا حاجة… الأستاذ فؤاد طلب نسلمك الظرف ده لو دخل العمليات.
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الظرف.
ولقيت رسالة بخطه.
“يا أم ملك… لو بتقري الرسالة دي، يبقى يمكن أكون في مكان بين الحياة والموت. فيه سر أخير لازم تعرفيه.”
قلبي دق بعنف.
كملت القراءة.
“عبدالله ما أنقذنيش مرة واحدة… أنقذني مرتين. أول مرة من السجن. وتاني مرة… من نفسي.”
وقفت القراءة لحظة.
دموعي نزلت.
رجعت أكمل.
“لما خسرت كل حاجة، كنت ناوي أنهي حياتي. عبدالله قعد معايا طول الليل. وقالي كلمة واحدة عمري ما نسيتها: (ربنا بيدي الإنسان فرصة جديدة… بس لازم يصدق إنه يستحقها.)”
حضنت الرسالة.
وأول مرة فهمت ليه فؤاد فضل وفيًا لعبدالله بالشكل ده.
بعد ساعات…
خرج الدكتور من العمليات.
ابتسم وقال:
— الحمد لله… العملية نجحت.
سجدت على الأرض وأنا ببكي من الفرحة.
بعد أسبوع…
خرج فؤاد من المستشفى.
وأول مكان طلب يروحه…
ماكانش بيته.
ولا شركته.
قال للسواق:
— ودّيني الكشك.
وصلنا.
نزل بصعوبة.
وقعد على الكرسي الخشب القديم.
شرب كوباية عصير ليمون.
وبص لصورة عبدالله المعلقة.
وقال وهو بيبتسم:
— يا صاحبي… وعدك قرب يكتمل.
وفي نفس اللحظة…
وقف قدام الكشك شاب في أواخر العشرينات.
كان لابس بدلة أنيقة.
وبإيده حقيبة جلد.
قرب منّا وقال:
— السلام عليكم…
أنا اسمي يوسف عبدالله.
وسكت لحظة…
ثم قال:
— وجاي أقول لحضرتكم… إن أنا ابن عبدالله.
ساد صمت ثقيل…
وسقط كوب العصير من يد فؤاد على الأرض.
يتبع…
الجزء السادس
اتجمدت في مكاني.
بصيت للشاب… ثم بصيت لفؤاد.
قلت وأنا صوتي بيترعش:
— إيه اللي إنت بتقوله ده؟
الشاب نزل عينيه وقال بهدوء:
— عارف إن كلامي صعب يتصدق… وعارف إنكم ممكن تفتكروني نصاب.
فتح حقيبته الجلد.
وطلع ملف قديم.
وحطه قدامي.
فتحت الملف بإيد مرتعشة.
لقيت شهادة ميلاد.
اسم الأب…
عبدالله محمود.
لكن اسم الأم…
كان أول مرة أشوفه.
حسيت الدنيا اسودت قدام عيني.
قلت:
— مستحيل… عبدالله عمره ما خانّي.
رفع الشاب إيده بسرعة وقال:
— والله ما جيت أوجع قلبك.
أنا نفسي فضلت سنين فاكر إن أبويا مات قبل ما أولد.
من شهر واحد بس…
أمي وهي على فراش الموت ادتني الملف ده، وقالت:
“دور على الست أم ملك… وهي هتفهم كل حاجة.”
فؤاد أخد نفسًا طويلًا وقال:
— احكي من الأول.
جلس يوسف وقال:
— أمي كانت ممرضة في مستشفى ميداني من أكتر من ثلاثين سنة.
كان فيه طفل رضيع أهله ماتوا في حادث.
محدش عرف يوصّل لعيلته.
عبدالله كان موجود وقتها.
ولما شاف الطفل…
رفض يسيبه يضيع.
راح سجله مؤقتًا باسمه لحد ما يلاقوا أهله الحقيقيين.
لكن بعدها بأيام…
أسرة من أقارب الطفل ظهرت.
وأخدوه يربوه.
قبل ما يمشوا…
اضطروا يسيبوا اسم عبدالله في الأوراق لحد ما الإجراءات القانونية تخلص.
لكن بعدها…
سافروا بره مصر.
واتقطعت الأخبار.
سكت يوسف، ثم قال والدموع في عينيه:
— أنا الطفل ده.
وأمي اللي ربتني عمرها ما خبت عني الحقيقة…
لكنها قالتلي: “عبدالله كان سبب إنك تعيش.”
اتنفست براحة لأول مرة.
حسيت إن الحمل اللي كان فوق قلبي اتشال.
قلت وأنا ببتسم وسط دموعي:
— يعني… إنت مش ابنه بالدم.
ابتسم يوسف وقال:
— لا…
لكن طول عمري كنت بتمنى أناديه “أبويا”.
فؤاد ابتسم لأول مرة من وقت طويل.
وقال:
— والله دي كانت من صفات عبدالله.
كان يعتبر أي طفل يتيم ابنه.
مد يوسف ظرفًا صغيرًا وقال:
— فيه حاجة كمان.
فتحت الظرف…
ولقيت صورة قديمة.
أنا وعبدالله.
وبنتنا وهي رضيعة.
وعلى ظهر الصورة بخط عبدالله:
“لو الأيام جمعتكم، اعتبروا يوسف واحد من العيلة… لأن الإنسان مش بأصله، الإنسان بأفعاله.”
لم أتمالك نفسي.
قمت واحتضنت يوسف.
وبكى هو الآخر.
وفي تلك اللحظة…
شعرت أن عبدالله، رغم غيابه، ما زال يجمع القلوب كما كان يفعل دائمًا.
لكن بينما كنا واقفين…
دخل أحد موظفي المشروع يجري وهو يلهث.
وقال:
— يا حاجة أم ملك… لازم تيجي بسرعة!
قلت بقلق:
— خير… حصل إيه؟
رد وهو يحاول يلتقط أنفاسه:
— وإحنا بنحفر أساس المستشفى… لقينا غرفة تحت الأرض… وفيها صندوق حديدي ضخم مقفول… وعليه اسم عبدالله محفور بالنار!
يتبع…
الجزء السابع
ركبت العربية أنا وفؤاد ويوسف، وكل واحد فينا ساكت.
قلبي كان بيدق بسرعة.
طول الطريق كنت بفكر…
إيه اللي ممكن يكون مستخبي تحت الأرض كل السنين دي؟
لما وصلنا موقع البناء…
لقيت العمال واقفين في دايرة كبيرة.
أول ما شافوني، واحد منهم قال:
— والله يا حاجة، ما لمسنا حاجة. أول ما لقينا الصندوق وقفنا الشغل.
نزلت درجات خرسانية كانت ظهرت تحت الأساسات.
في آخرها…
كانت أوضة صغيرة مبنية بالطوب الأحمر.
وفي نصها…
صندوق حديدي كبير، عليه طبقة صدأ.
وفوق الغطا لوحة نحاس مكتوب عليها:
“لا يُفتح إلا بعد اكتمال أول مستشفى مجاني.”
بصيت لفؤاد باستغراب.
قال:
— أنا أول مرة أشوف ده.
لكن المهندس قرب وقال:
— يا حاجة… الصندوق قفلُه اتآكل مع الزمن، ولو سيبناه ممكن يبوظ اللي جواه.
وقفت محتارة.
أفتحه…
ولا أنفذ وصية عبدالله؟
وفجأة…
لاحظ يوسف ظرفًا صغيرًا لازقًا تحت الغطا.
نزله بحذر.
كان مكتوب عليه:
“لو اضطررتوا تفتحوا الصندوق قبل معاده… اقرأوا الجواب الأول.”
فتحت الظرف.
وكان فيه رسالة بخط عبدالله.
“يا أم ملك… لو الظروف خلتكم تفتحوا الصندوق، يبقى أكيد ربنا أراد كده. اللي جواه مش كنز… الكنز الحقيقي هو الناس اللي هيتعالجوا في المكان ده.”
طلبت من العمال يفتحوا الصندوق.
وبعد دقائق…
اتفتح الغطا ببطء.
كل الناس كانت مستنية تشوف ذهب…
أو فلوس…
لكن اللي كان جواه خلانا كلنا نسكت.
كان فيه عشرات الملفات.
ورسومات هندسية.
وصور لأطفال ومرضى.
ودفتر كبير مكتوب عليه:
“أحلام لم تكتمل.”
فتحت أول صفحة.
لقيت أسماء مئات المرضى.
قدام كل اسم…
نوع المرض.
وتكلفة العلاج.
وفي آخر الصفحة كتب عبدالله:
“لو ربنا وسع عليكم يومًا… ابدأوا بالأسماء دي. يمكن أكون مقدرتش أساعدهم وأنا عايش.”
ما قدرتش أمنع دموعي.
لكن المفاجأة الأكبر…
كانت في قاع الصندوق.
علبة مخمل زرقا.
فتحتها…
فلقيت مفتاحًا ذهبيًا صغيرًا.
ومعاه ورقة واحدة.
مكتوب فيها:
“المفتاح ده مش لباب… ده لخزنة في بنك. والخزنة دي ما فيهاش فلوس… فيها الحقيقة اللي عمري ما قدرت أقولها.”
بصيت لفؤاد.
وبص يوسف للمفتاح.
وقبل ما حد فينا ينطق…
رن تليفون فؤاد.
رد…
وفجأة اتغير لون وشه.
قلت بقلق:
— في إيه؟
قال وهو بيبصلي بصدمة:
— البنك اتصل… وقال إن الخزنة هتتقفل نهائيًا بكرة الساعة 12 ظهرًا… ولو محدش استلم محتوياتها، هتنتقل للدولة.
عرفت وقتها…
إننا قدام آخر سر من أسرار عبدالله.
يتبع…
الفصل الأخير
في صباح اليوم التالي…
صحيت قبل الفجر.
لبست هدومي، وأخدت المفتاح الذهبي.
أنا، وفؤاد، ويوسف… طلعنا على البنك.
وصلنا قبل الساعة 12 بساعة.
الموظف كان مستنينا.
بص للمفتاح، ثم قال:
— الخزنة دي متقفلة من أكتر من عشرين سنة… وصاحبها أوصى إنها ما تتفتحش إلا بالمفتاح ده.
نزلنا بدروم البنك.
وقف قدام خزنة حديد ضخمة.
دخل المفتاح…
ودار القفل ببطء.
اتفتح الباب.
جوا الخزنة…
ما كانش فيه ذهب.
ولا ملايين.
كان فيه ظرف كبير، وألبوم صور، وفلاشة، ومصحف صغير.
أخدت الظرف، وفتحته.
كانت آخر رسالة من عبدالله.
بدأت أقرأ بصوت مرتعش:
“يا أم ملك…
لو وصلتي لآخر رسالة، يبقى الحمد لله إن ربنا جمعك بكل الأمانات.
يمكن تستغربي إنك ما لقيتيش كنوز ولا فلوس.
لكن أنا كنت مؤمن إن الفلوس لوحدها مش بتبني حياة.
اللي بيبني الحياة… الإنسان.”
كان مع الرسالة عقد رسمي.
قرأه المحامي بسرعة، ثم ابتسم.
قال:
— عبدالله نقل كل حقوق اسمه التجاري، وأي أرباح مستقبلية من مشاريعه الخيرية، باسم المؤسسة اللي أنتم أسستوها.
يعني…
كل جنيه هيدخل بعد النهارده…
هيروح لعلاج المرضى وتعليم الأيتام.
ثم فتحت الألبوم.
كان مليان صور.
أنا وعبدالله.
بنتنا وهي صغيرة.
الكشك وهو لسه بيتبني.
أول عربية اشتراها فؤاد بعد ما وقف على رجليه.
وصورة أخيرة…
عبدالله واقف قدام قطعة الأرض الفاضية.
وعلى ضهر الصورة كتب:
“الناس هتشوف أرض فاضية… وأنا شايف مستشفى هتنقذ آلاف الأرواح.”
أما الفلاشة…
فكان عليها فيديو.
شغلناه.
ظهر عبدالله…
قاعد على نفس الكرسي الخشب اللي كان في الكشك.
ابتسم للكاميرا وقال:
— يا أم ملك…
لو بتشوفيني دلوقتي…
يبقى ربنا كرمني، وخلاكي تكملي اللي أنا مقدرتش أكمله.
أنا مش زعلان إني همشي.
اللي يريح قلبي…
إنك عمرك ما بعتي ضميرك.
ولا بعتي الكشك.
خلي الكشك مكانه…
علشان كل واحد يفتكر إن البداية الصغيرة…
ممكن تعمل أعظم حكاية.
ولو جه يوم وسألك حد:
“إيه أعظم ميراث سابه عبدالله؟”
قولي له:
“ولا جنيه…
ساب ناس بتساعد ناس.”
انتهى الفيديو…
ومافيش حد فينا قدر يمسك دموعه.
بعد سنة…
افتتحنا المستشفى.
وحضر الافتتاح مئات الناس.
أول مريض دخل يتعالج مجانًا…
كان طفل صغير بيعاني من الفشل الكلوي.
وقفت أبص له…
وافتكرت بنتي.
وقلت في سري:
“الحمد لله… تعبها ما راحش هدر.”
أما يوسف…
بقى مدير المؤسسة.
وفؤاد…
تبرع بمعظم ثروته لاستكمال المدارس ودار الأيتام.
وأنا…
رغم كل اللي بقيت أملكه…
كنت كل صباح أفتح الكشك.
أعصر الليمون بإيدي.
وأبيع أول كوباية بجنيه واحد.
ولما الناس كانت تستغرب…
كنت أبتسم وأقول:
— الرزق مش في تمن الكوباية…
الرزق في البركة.
وفي يوم، وقفت بنت صغيرة قدام الكشك، وقالت:
— يا تيتة… هو صحيح الكشك ده هو اللي بدأ منه كل الخير؟
ابتسمت، وبصيت لصورة عبدالله المعلقة على الحائط.
وقلت:
— أيوه يا بنتي…
حكاية كبيرة أوي…
بدأت من كشك صغير…
ومن راجل طيب آمن إن الخير عمره ما بيضيع.
تمت القصة.