لعبه بلاستيك حكـايـات أسمـا السـيد ×2
الجزء الثالث
بصيت للممرضة وأنا حاسة إن قلبي هيقف.
قلت بسرعة:
— فين الراجل؟
قالت:
— مستني برا قسم الطوارئ… وقال إنه مش هيقعد كتير.
خرجت أنا وأحمد مع الظابط.
لقينا راجل في أواخر الخمسينات، لابس جلابية بسيطة، وماسك فلاشة صغيرة في إيده.
قال:
— أنا اسمي عم حسن… ساكن في البيت اللي قصاد بيت الحاج محمود.
سلّم الفلاشة للظابط وقال:
— دي نسخة من تسجيل كاميرات المراقبة عندي. يوسف صور جزء من الفيديو، لكن التسجيل الأصلي عندي كامل.
الظابط أخدها وسأله:
— ليه ما جبتهاش من الأول؟
تنهد عم حسن وقال:
— لأن الحاج محمود جهلي بعد اللي حصل بنص ساعة، وطلب مني أمسح التسجيل. ولما رفضت… عرض عليا فلوس، وقال إن الموضوع هيبوظ مستقبل بنته.
اتسعت عينا أحمد.
قال بصدمة:
— بابا عمل كده؟
هز عم حسن رأسه بحزن.
— أيوه… ولما رفضت، قالي: “اللي بين العيلة يفضل جوه العيلة.”
سكت لحظة، ثم أضاف:
— لكن اللي شوفته النهارده مش خلاف عائلي… دي طفلة اتحرقت.
أخد الظابط الفلاشة، وطلب من أحد أفراد المباحث يراجع التسجيل فورًا.
بعد أقل من نصف ساعة…
رجع الضابط، وملامحه تغيرت تمامًا.
قال:
— التسجيل واضح جدًا.
ثم نظر إلى أحمد وقال:
— للأسف… الفيديو بيثبت إن أختك تعمدت سكب القهوة على الطفلة.
خفض أحمد رأسه ولم ينطق.
لكن الضابط لم ينتهِ.
قال:
— وفيه حاجة تانية.
رفعنا رؤوسنا جميعًا.
— بعد الواقعة مباشرة، والدك جمع الموجودين، وكان واضح من التسجيل إنه بيتكلم معاهم، وبعدها كل واحد بدأ يلتقط الكوباية من مكانها ويحرك الألعاب… يعني مكان الحادث تم العبث بيه.
شهقت.
قلت:
— يعني حاولوا يغيروا مسرح الواقعة؟
أجاب:
— ده اللي ظاهر في التسجيل.
في صباح اليوم التالي…
انتشر الخبر بين أفراد العيلة.
وبدأت الاتصالات تنهال علينا.
واحد يقول:
— سامحوها… دي كانت متعصبة.
وواحدة تقول:
— هتدخلوا أختكم السجن علشان غلطة؟
أما أغرب اتصال…
فكان من خال أحمد.
قال له:
— أمك عندها الضغط عالي، وأبوك تعبان من اللي حصل… اقفلوا الموضوع.
رد أحمد لأول مرة بقوة:
— وبنتي؟ مين هيرجع لها وجعها؟
وأغلق الهاتف.
بعد الظهر…
وصل استدعاء رسمي لسماح للحضور للتحقيق.
لكنها لم تحضر.
وبعد ساعات…
عرفنا أنها تركت البيت واختفت.
بدأت الشرطة تبحث عنها.
أما حماتي…
فكانت تدور على كل قريب ومعارف العائلة وهي تردد نفس الجملة:
— سارة خربت بيتنا.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
اللي خرب البيت…
هو الشخص اللي اختار يحمي الظالم بدل الطفل.
في المساء…
دخل يوسف غرفة ليان.
كانت نايمة بعد تغيير الضمادات.
اقترب منها، وحط جنبها دبدوب صغير.
وقال وهو يبكي:
— والله يا ليان… حقك هيرجع.
ثم التفت نحوي وقال:
— في حاجة لازم تعرفيها.
قلت:
— إيه؟
قال:
— يوم الحادث… آدم نفسه كان بيعيط بعد اللي حصل.
قلت باستغراب:
— ليه؟
قال:
— لأنه فضل يقول لمامته: “إنتي حرقتي ليان.”
وسماح زعقت فيه وقالت:
“اسكت… وإلا هقول إنك إنت اللي وقعتها.”
ساد الصمت في الغرفة.
أحمد أغلق عينيه بقهر.
أما أنا…
فأدركت أن الطفل الوحيد الذي كان يستطيع قول الحقيقة…
كان يتم إسكاتُه بالخوف.
يتبع…
الجزء الرابع
عدّت ثلاثة أيام…
وليان لسه في المستشفى.
كل يوم تغيير ضمادات.
وكل مرة كانت تمسك إيدي الصغيرة وتقول بصوت مكسور:
— ماما… الست زعلت مني ليه؟
السؤال كان بيقتلني.
إزاي أشرح لطفلة عندها سنتين إن فيه ناس ممكن تؤذي طفل بريء؟
كنت أضمها وأقول:
— إنتِ معملتيش حاجة يا حبيبتي… إنتِ أشطر بنت في الدنيا.
في اليوم الرابع…
اتصل الضابط بأحمد.
قال:
— لقينا سماح.
اتقبض عليها وهي مستخبية في شقة صاحبتها.
لكن قبل ما تتحول للنيابة…
طلبت تشوف أخوها.
أحمد بصلي.
قلت:
— القرار قرارك.
راح يقابلها.
ولما رجع…
كان وشه شاحب.
قلت:
— قالت إيه؟
قعد على الكرسي وقال:
— أول كلمة قالتها…
“أنا ما كنتش أقصد تحرقها بالشكل ده.”
بصيتله.
يعني اعترفت.
كمل:
— قالت إنها كانت عايزة تخوف ليان بس… وإن القهوة كانت أسخن مما توقعت.
لكن التسجيل…
كان بيقول غير كده.
حركتها كانت عنيفة.
ومقصودة.
بعدها بيوم…
بدأ التحقيق مع كل أفراد العيلة.
حماتي دخلت وقالت:
— البنت شدت الكوباية بنفسها.
لكن لما واجهوها بالفيديو…
سكتت.
ثم قالت:
— يمكن أنا ما شفتش كويس.
أما حمايا…
فأنكر إنه طلب من حد يكذب.
لكن الظابط شغل له جزء من التسجيل.
كان صوته واضح وهو بيقول:
— الكل هيقول إنها وقعت الكوباية بنفسها… مفهوم؟
ساد الصمت.
ولأول مرة…
الحاج محمود ما عرفش يرد.
يوسف دخل بعدهم.
وقال الحقيقة كاملة.
حكى كل اللي شافه.
وقال كمان:
— أنا كنت خايف أتكلم… بس لما شوفت ليان بتصرخ، عرفت إن السكوت هيخليني شريك.
النيابة سجلت شهادته.
وبقت واحدة من أهم الأدلة.
لكن المفاجأة…
ما كانتش من يوسف.
كانت من آدم.
ابن سماح.
الأخصائية الاجتماعية طلبت تسمع كلامه لوحده.
كان عنده أربع سنين.
ومحدش علمه يقول حاجة.
أول سؤال سألته له:
— إيه اللي حصل لليان؟
رد بكل براءة:
— ماما زعلت عشان ليان لمست العربية.
— وبعدها؟
— ماما رشت عليها القهوة.
— وليه؟
سكت شوية…
ثم قال:
— قالت لها… “اتعلمي.”
الكلمة نفسها…
اللي كلنا سمعناها.
ولأنها خرجت من طفل صغير…
كانت أقوى من أي محاولة للكذب.
بعد أسبوع…
خرجت ليان من المستشفى.
لكن آثار الحروق كانت لسه واضحة.
وأول ليلة في البيت…
صحيت من النوم وهي بتصرخ.
كانت بتستخبى ورايا وتقول:
— لا… القهوة… لا…
الدكتور قال إن ده طبيعي بعد الصدمة.
لكن بالنسبة لي…
كل صرخة منها كانت بتأكد إن اللي حصل عمره ما كان مجرد “غلطة”.
في المقابل…
العيلة بدأت تنقسم.
فيه ناس وقفت معانا.
وناس قاطعتنا.
وبعض الأقارب قالوا:
— مهما كان… دي أخت جوزك.
فرد أحمد لأول مرة قدام الجميع:
— ومهما كان… دي بنتي.
ومن النهارده…
أي حد يدافع عن اللي عملته…
مالوش مكان في حياتنا.
الكلمات دي…
كانت بداية نهاية سنوات طويلة من السكوت.
لكننا ما كناش نعرف…
إن الجلسة الأولى في المحكمة هتكشف سرًا قديمًا جدًا…
سرًا يخلي كل اللي حصل يبدو جزءًا من حكاية أكبر بكثير.
يتبع…
الجزء الخامس
بعد شهر تقريبًا…
كان أول يوم جلسات.
دخلت المحكمة وأنا ماسكة إيد أحمد.
وليان كانت مع أمي.
لسه آثار الحروق باينة على رقبتها وخدها، لكنها بدأت تضحك تاني.
ودي كانت أكبر نعمة.
دخلت سماح القاعة.
أول مرة أشوفها من يوم الحادث.
كانت لابسة أسود.
وبتحاول تتجنب تبص ناحيتنا.
لكن أول ما عينيها وقعت على صور إصابات ليان الموجودة في ملف القض*ية…
وشها اصفر.
القاضي بدأ يسمع الشهود.
الدكتور شرح التقرير الطبي.
وأكد إن الحروق ناتجة عن سكب سائل شديد السخونة بشكل مباشر.
بعده…
اتعرض تسجيل الكاميرا.
القاعة كلها سكتت.
محدش اتكلم.
الفيديو كان واضح.
سماح بتقوم.
بتمسك الكوب.
وبترمي القهوة.
ولما انتهى العرض…
القاضي رفع عينه وقال:
— هل عند المتهمة ما تضيفه؟
وقفت سماح.
وقالت وهي بتبكي:
— أنا كنت متعصبة… ما كنتش متخيلة إنها هتتحرق بالشكل ده.
كان أول اعتراف رسمي منها.
لكن المفاجأة…
ما كانتش في اعترافها.
المفاجأة كانت لما محاميها قال:
— عندنا شاهد جديد.
دخلت ست كبيرة في السن.
عرفتها فورًا.
كانت الجارة القديمة اللي كانت ساكنة جنب بيت حماتي من سنين.
قالت للقاضي:
— أنا جيت مش علشان أدافع عن حد… أنا جيت لأن ضميري تعب.
القاضي سمح لها بالكلام.
قالت:
— اللي حصل مع ليان أول مرة الناس تعرفه…
لكن مش أول مرة أشوف سماح تؤذي طفل.
كل الناس بصتلها.
كملت:
— من حوالي خمس سنين… شفتها بتشد ابنها آدم بعنف وترميه على الأرض لأنه كسر موبايلها.
ولما حاولت أتكلم…
الحاج محمود قالي:
“متدخليش… دي بتربي ابنها.”
وأضافت:
— ومن بعدها بقيت أشوف نفس الأسلوب كل شوية.
المحكمة سجلت شهادتها.
لكن القاضي وضح إن القض*ية الحالية هتعتمد على الأدلة الخاصة بواقعة ليان، بينما الشهادة دي قد تكون مفيدة لفهم السياق فقط.
بعد انتهاء الجلسة…
خرجنا من المحكمة.
ولقينا صحفيين مستنيين بره.
بدأت الكاميرات تتجمع.
وأول سؤال اتوجه لي كان:
— حضرتك هتسامحي سماح؟
بصيت ناحية باب المحكمة.
قلت بهدوء:
— المسامحة حاجة بين الإنسان وربه…
لكن حق بنتي مش هسيبه.
في نفس اليوم…
وصلنا البيت.
لقينا ظرف أبيض تحت الباب.
من غير اسم.
من غير عنوان.
فتحه أحمد.
كان فيه صورة قديمة جدًا.
صورة عائلية.
أحمد طفل صغير.
يوسف طفل رضيع.
وسماح واقفة جنبهم.
لكن اللي لفت انتباهنا…
طفلة صغيرة واقفة في آخر الصورة.
قلت:
— مين دي؟
أحمد عقد حاجبيه.
وقال:
— غريبة…
أنا فاكر الصورة دي…
بس مش فاكر البنت دي خالص.
وقلب الظرف…
لقينا ورقة مكتوب عليها بخط اليد:
“اسألوا الحاج محمود عن البنت اللي اختفت من العيلة… وقتها هتعرفوا ليه الكل كان بيخاف من سماح.”
أنا وأحمد بصينا لبعض.
ما فهمناش المقصود.
لكن كان واضح…
إن لسه فيه أسرار مدفونة من سنين.
وإن الحقيقة الكاملة…
لسه ما ظهرتش.
يتبع…