قرار حاسم حكـايـات أسمـا ×2

الجزء الخامس

رجعت تقي البيت…

وكان الهدوء مالي الشقة.

دخلت وهي شايلة شنطتها، وحطتها على الكنبة.

محمود كان قاعد قدام التلفزيون.

أول ما شافها، قال من غير حتى ما يبصلها:

— فكرتي في كلامي؟

قلعت تقي جاكتها بهدوء.

وقالت:

— فكرت.

بصلها وقال:

— يبقى اعتذري للمركز، وقولي إنك مش هتشاركي.

قعدت قدامه.

وقالت بثبات:

— وأنا عندي سؤال الأول.

قطب حاجبيه.

— سؤال إيه؟

— لو إنت اللي جالك ترشيح مهم في شغلك… كنت هترفضه علشاني؟

سكت.

ماعرفش يرد.

قالت:

— ليه مستني مني أعمل حاجة إنت نفسك مش هتعملها؟

رد بعصبية:

— لأن الراجل غير الست.

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

— مين قال؟

النجاح مش له علاقة بكوني راجل أو ست.

له علاقة بالتعب.

وأنا تعبت سنين علشان أوصل للي وصلتله.

وقف محمود من مكانه.

وبدأ يتمشى في الصالة.

كان متلخبط.

هو طول عمره شايف إن الزوج هو صاحب القرار الأخير.

وده اللي اتربى عليه.

لكن لأول مرة…

حد بيواجهه بالكلام من غير خوف.

رن موبايله.

كانت أمه.

رد بسرعة.

— أيوه يا أمي.

قالت بصوت حاد:

— عملت إيه؟

— لسه بنتكلم.

صرخت فيه:

— بتتكلم إيه؟

قولها تقعد في بيتها.

هي ناقصة سفر وظهور في التلفزيون؟

الناس هتقول مرات محمود أشهر منه.

بص محمود لتقي.

كانت سامعة كل كلمة.

لأن صوت أمه كان عالي.

قفلت تقي اللابتوب اللي كانت شغالة عليه.

وقالت بهدوء:

— سلّملي عليها.

احمر وش محمود.

وقفل المكالمة بسرعة.

قال بانفعال:

— إنتِ بتعملي مشاكل بيني وبين أمي.

ردت:

— أنا؟

ولا اللي بيحاول يدخل والدته في كل قرار يخص حياته؟

سكت.

لأول مرة…

الكلام لمس حاجة جواه.

…

في اليوم التالي…

راح محمود شغله.

كان ذهنه مشغول.

زميله أحمد لاحظ إنه ساكت على غير عادته.

قال له:

— مالك؟

حكى له محمود جزء من اللي حصل.

ابتسم أحمد وقال:

— هو إنت زعلان إنها ناجحة؟

قال بسرعة:

— لا.

— أمال؟

— خايف البيت يبوظ.

ضحك أحمد.

وقال:

— البيت بيبوظ لما ميبقاش فيه احترام.

مش لما مراتك تنجح.

أنا مراتي دكتورة.

وبتسافر مؤتمرات.

وعمر ما ده نقص مني.

بالعكس…

كل ما تنجح…

بفتخر بيها.

فضل محمود ساكت.

الكلام فضل يرن في ودنه.

…

في المساء…

رجع البيت.

لقى تقي في البلكونة.

كانت بتسقي زرعتين صغيرين حطاهم بعد الجواز.

وقف جنبها.

وسأل بهدوء:

— بتحبي الشغل للدرجة دي؟

ابتسمت وهي بصّة للنباتات.

— بحبه لأنه جزء مني.

زي ما إنت بتحب شغلك.

لفت تبصله.

وقالت:

— أنا مش بطلب منك تشجعني.

لكن على الأقل…

ما تمنعنيش.

طال الصمت بينهما.

ثم قال محمود بصوت أهدأ من أي وقت فات:

— لو وافقت…

هتفضلي فاكرة إني ضعفت قدامك؟

ابتسمت لأول مرة من قلبها.

وقالت:

— لا.

هفتكر إنك اخترت تكون شريك…

مش خصم.

خفض محمود رأسه.

وكان واضح إنه بيفكر.

وفي صباح اليوم التالي…

دخل مدير الشركة اللي بيشتغل فيها محمود المكتب.

ونادى عليه.

— محمود… تعالى.

دخل وهو قلقان.

لكن المدير ابتسم وقال:

— عندي خبر حلو.

اتفضل.

فتح الظرف.

كانت فيه ورقة ترقية…

وزيادة في المرتب.

ابتسم محمود لأول مرة من أيام.

لكن المدير أكمل:

— بالمناسبة…

الترقية دي جات بعد ترشيح من حد يعرفك كويس جدًا.

استغرب محمود.

— مين؟

ابتسم المدير وقال:

— مدربة الدفاع عن النفس اللي دربت موظفينا الشهر اللي فات…

مراتك.

اتسعت عينا محمود.

لأول مرة…

اكتشف إن تقي كانت سببًا في خير وصله…

من غير ما تقول له كلمة واحدة.
الجزء السادس

خرج محمود من مكتب المدير…

والورقة لسه في إيده.

فضل يبص فيها كذا مرة.

ترقية.

وزيادة في المرتب.

وإشادة من الإدارة.

وكان السبب…

تقي.

طول الطريق للبيت، كان بيفتكر كل كلمة قالهالها.

“مرتبك كله هيبقى في إيدي.”

“إنتِ مالكيش رأي.”

“أمي هي اللي تقرر.”

وحس لأول مرة…

إنه كان بيظلمها.

…

في نفس الوقت…

كانت تقي في مركز التدريب.

البطولة قربت.

والمتدربين ملتفين حواليها.

واحدة من البنات سألتها:

— كابتن تقي… إزاي الإنسان يبقى قوي؟

ابتسمت وقالت:

— القوة مش إنك تغلب اللي قدامك.

القوة إنك تعرف تتحكم في نفسك وقت الغضب.

وتعرف تقول “لا” للغلط، من غير ما تظلم حد.

صفق لها المتدربون.

ولمحت في آخر القاعة محمود.

كان واقف بهدوء.

أول ما انتهى التدريب…

اقترب منها.

قال:

— ممكن نتكلم؟

استغربت وجوده.

لكنها وافقت.

خرجوا يتمشوا في الحديقة المجاورة للمركز.

فضل محمود ساكت شوية.

ثم مد لها ظرفًا.

قالت باستغراب:

— إيه ده؟

قال:

— افتحيه.

فتحته.

ولقت خطاب الترقية.

ابتسمت بفرحة صادقة.

— ألف مبروك.

قال وهو ينظر إليها:

— المدير قال إنك السبب.

ردت ببساطة:

— أنا قلت الحقيقة عن شغلك لما طلبوا رأيي.

بس.

نظر إليها طويلًا.

وقال:

— بعد كل اللي عملته معاكي…

ساعدتيني؟

ابتسمت.

— لأن نجاحك مش عدوي.

إحنا يا ننجح سوا…

يا نخسر سوا.

سكت محمود.

ثم قال بصوت خافت:

— أنا آسف.

كانت أول مرة يقولها.

بصراحة.

من غير تبرير.

ولا محاولة يبرر تصرفاته.

نظرت إليه تقي.

وقالت:

— الاعتذار بداية كويسة.

لكن الثقة…

بتاخد وقت.

هز رأسه.

— وأنا مستعد أستنى.

…

بعد أسبوع…

جاء يوم البطولة.

المدرجات كانت مليانة.

والمدربين من محافظات مختلفة.

وقفت تقي على البساط.

وكان محمود جالس بين الجمهور.

لأول مرة…

جاء بإرادته.

من غير ما تطلب.

وقبل بداية المنافسة…

رن هاتفه.

كانت أمه.

رد عليها.

قالت بغضب:

— إنت فين؟

قال بهدوء:

— في البطولة.

صرخت:

— بطولة إيه؟ تعالى حالًا.

رد لأول مرة بثبات:

— لا يا أمي.

أنا هفضل هنا.

مراتي تعبت علشان اليوم ده.

ومن حقي أقف جنبها.

ساد الصمت في الطرف الآخر.

ثم أغلقت الخط.

رفع محمود رأسه.

ولقى تقي بتبص له من بعيد.

ابتسم لها.

فابتسمت هي كمان.

بدأت المنافسة.

وقدمت تقي أداءً أبهر لجنة التحكيم.

وفي نهاية اليوم…

وقف المذيع على المنصة وقال:

— المركز الأول…

الكابتن تقي علام.

دوّى التصفيق في القاعة.

صعدت تقي تستلم الميدالية.

ثم طلبت الميكروفون.

وقالت:

— النجاح الحقيقي مش إنك تكسب بطولة.

النجاح إن الإنسان يحافظ على كرامته، ويحترم اللي حواليه، ويتعلم يعترف بغلطه ويصلحه.

ثم نظرت إلى محمود.

وكانت تلك أول مرة…

يشعر بالفخر بها أكثر من شعوره بالفخر بنفسه.

لكن بينما كان الجميع يحتفل…

كان هناك شخص يقف عند باب القاعة يراقبهم في صمت.

أم محمود.

كانت تنظر إلى ابنها وهو يصفق لزوجته.

وعرفت في تلك اللحظة…

أنها إما أن تتقبل حياتهما الجديدة…

أو تخسر ابنها إلى الأبد.
الجزء السابع

رجع محمود وتقي البيت في آخر اليوم.

الميدالية كانت لسه في إيد تقي.

وكل شوية تبص لها وتبتسم.

أما محمود…

فكان ساكت طول الطريق.

أول ما دخلوا الشقة…

وقف قدامها وقال:

— تقي… ممكن أقولك حاجة؟

ابتسمت وقالت:

— اتفضل.

أخذ نفسًا عميقًا.

— أنا اكتشفت إني من أول يوم جواز كنت بحاول أخليك نسخة من اللي أنا متربي عليه.

كنت فاكر إن الرجولة معناها أوامر.

وصوت عالي.

وإن الست لازم تسمع وبس.

لكن أنا كنت غلط.

سكت لحظة.

ثم أكمل:

— أنا آسف على كل كلمة جرحتك.

نظرت إليه تقي بهدوء.

وقالت:

— الاعتذار الحقيقي بيبان في الأفعال… مش الكلام.

هز رأسه.

— وأنا موافق.

…

بعد يومين…

رن جرس الباب.

فتحت تقي.

اتفاجئت بأم محمود واقفة، ومعاها شنطة كبيرة.

قالت ببرود:

— مش هتدخليني؟

تنحت تقي من قدام الباب.

— اتفضلي.

دخلت الأم وهي تبص في كل ركن من الشقة.

ثم قعدت على الكنبة.

وقالت:

— أنا جاية أتكلم.

قعد محمود قدامها.

قالت وهي باصة له:

— من ساعة البطولة وإنت اتغيرت.

رد بهدوء:

— يمكن اتعلمت.

قالت بعصبية:

— اتعلمت تعصي أمك؟

رد لأول مرة من غير انفعال:

— لا.

اتعلمت إن بر الوالدين غير ظلم الزوجة.

أنا هفضل ابنك طول عمري.

لكن تقي مراتي.

ولها حق عليّ.

سكتت الأم.

الكلام خرج منه بثقة.

من غير خوف.

ولا تردد.

قالت وهي تبص لتقي:

— وإنتِ… فرقتي بيني وبين ابني.

ردت تقي بهدوء:

— والله ما حصل.

أنا عمري ما طلبت منه يبعد عن حضرتك.

أنا طلبت بس إن بيتنا يبقى لينا.

وإن قراراتنا ناخدها إحنا.

قالت الأم:

— يعني مش هعرف أجي؟

ابتسمت تقي.

— ده بيتك.

تنوريه في أي وقت.

لكن من فضلك…

قبل أي زيارة أو عزومة نتفق كلنا.

زي أي بيت طبيعي.

ساد الصمت.

أخت محمود، نجلاء، كانت جاية ورا والدتها.

دخلت وهي مبتسمة.

وقالت:

— بصراحة… تقي معاها حق.

كلنا متجوزين.

وكل واحد ليه حياته.

بصت الأم لبنتها باستغراب.

ثم لمحمود.

ثم لتقي.

ولأول مرة…

حست إنها لو فضلت تضغط عليهم…

هتخسرهم فعلًا.

تنهدت.

وقالت بصوت أهدى:

— يمكن… أنا كنت بتدخل زيادة.

ابتسم محمود.

ومسك إيد أمه.

— وإحنا محتاجينك في حياتنا.

بس محتاجين احترام متبادل.

دمعت عيناها.

وقالت:

— حقكم عليا.

قامت تقي بسرعة.

وحضنتها.

وقالت:

— وإحنا كمان حقنا عليكي لو زعلناكي.

ابتسمت الأم لأول مرة من غير تكلف.

…

مرّت ستة أشهر.

كبر اسم تقي في مجال التدريب.

وأصبح محمود أكثر نجاحًا في عمله.

وفي مساء هادئ…

كانا جالسين في الشرفة.

قال محمود وهو يبتسم:

— فاكرة أول يوم قولتلك إن مرتبك كله هيبقى في إيدي؟

ضحكت تقي.

— أفتكر… وأنساه إزاي؟

ابتسم بخجل.

وقال:

— النهارده… بقولك حاجة تانية.

طلع ظرفًا صغيرًا من جيبه.

كان فيه مفتاح.

سألته باستغراب:

— مفتاح إيه؟

ابتسم وقال:

— مفتاح المركز الرياضي الجديد.

هنفتحه سوا.

إنتِ تدربي.

وأنا أساعد في الإدارة.

مشروع باسمنا إحنا الاتنين.

وقفت تقي وهي غير مصدقة.

دموع الفرح نزلت من عينيها.

وقالت:

— يعني بجد؟

هز رأسه.

— لأن النجاح لما بيتقسم…

بيكبر.

ابتسمت.

ومدت إيدها.

فمسكها.

وفي اللحظة دي…

كان كل واحد فيهم فاهم إن الزواج الحقيقي…

مش إن واحد يكسب والتاني يخسر.

لكن إن الاتنين يقفوا في صف واحد…

قدام الدنيا كلها.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *