حامل ولكن حكـايـات أسمـا السـيد ×2

وقف آدم مكانه وكأن أحدهم انتزع الهواء من رئتيه.

المارة كانوا يتحركون حوله.

السيارات تمر.

أصوات الباعة تملأ الشارع.

لكن كل شيء بدا بعيدًا.

بعيدًا جدًا.

لم يكن يرى سوى ظهر ياسمين وهي تمسك يد الطفل وتبتعد.

والطفل…

الطفل الذي كان نسخة مصغرة منه.

نفس طريقة المشي.

نفس ميل الرأس عندما ينظر حوله.

حتى الغمازة الخفيفة التي ظهرت للحظة عندما ابتسم لشيء قالته أمه.

تحرك آدم أخيرًا.

وقال بصوت مرتفع:

“ياسمين… استني.”

لكنها لم تتوقف.

زاد خطواته حتى أصبح خلفها مباشرة.

ثم قال:

“لو بتكرهيني أنا أستحق ده… لكن متعمليش كأنك متعرفنيش.”

توقفت هذه المرة.

استدارت ببطء.

وعيناها كانتا باردتين بشكل لم يره فيهما من قبل.

قالت:

“حضرتك غلطان في الشخص.”

ثم نظرت إلى الطفل.

“يلا يا عمر.”

تجمد آدم.

شعر بالأرض تميد تحته.

عمر.

لا يعرف لماذا هزّه الاسم بهذا الشكل.

ربما لأنه لأول مرة يسمع اسم ابنه.

رغم أنه لم يكن متأكدًا بعد.

أو ربما لأنه كان متأكدًا أكثر مما ينبغي.

اقترب أكثر.

وقال بصوت خافت:

“عمر ابني؟”

ارتعشت أصابع ياسمين للحظة.

مجرد لحظة صغيرة.

لكنها كانت كافية.

رآها.

لاحظها.

وفهم.

أما الطفل فرفع رأسه وسأل ببراءة:

“ماما… مين الراجل ده؟”

شعرت ياسمين وكأن سكي..نًا غُرس في صدرها.

سبع سنوات كانت تستعد لهذا السؤال.

ومع ذلك لم تكن مستعدة له.

قالت وهي تجبر نفسها على الابتسام:

“حد متعرفوش يا حبيبي.”

لكن آدم ركع أمام الطفل دون أن يشعر.

كانت عيناه تمتلئان بالدموع لأول مرة منذ سنوات طويلة.

نظر إلى الصغير.

وقال:

“اسمك عمر؟”

هز الطفل رأسه.

“آه.”

“عندك كام سنة؟”

“سبعة.”

أغلق آدم عينيه.

سبعة.

بالضبط.

سبعة.

نفس المدة التي اختفت فيها ياسمين.

لم يعد هناك مجال للشك.

رفع رأسه إليها.

وكان وجهه شاحبًا.

“ليه؟”

لم ترد.

“ليه يا ياسمين؟”

صمتت.

“ليه حرمتي ابني مني؟”

وهنا انفجرت.

سبع سنوات من الصمت.

وسبع سنوات من الوجع.

وسبع سنوات من محاولة التظاهر بالقوة.

كلها خرجت دفعة واحدة.

قالت بصوت مرتجف:

“حرمتك منه؟”

ضحكت ضحكة قصيرة مؤلمة.

“إنت فاكر إني صحيت يوم وقررت أهرب؟”

بدأ المارة يلتفتون إليهم.

لكنها لم تهتم.

لأول مرة لم تهتم.

قالت:

“أنا جيتلك يومها.”

تجمد آدم.

“كنت جاية أقولك إنك هتبقى أب.”

ارتجفت شفتاه.

أما هي فأكملت:

“كنت شايلة اختبار الحمل في شنطتي.”

دمعة نزلت من عينها.

“وشايلة صورة الأشعة.”

ثم أخرجت نفسًا مرتعشًا.

“وشايلة حذاء طفل أصفر صغير.”

شعر آدم بقلبه ينكمش.

لأنه فهم ما سيأتي.

فهمه قبل أن تقوله.

قالت:

“وبعدين سمعتك.”

أغمض عينيه.

“سمعت كل كلمة.”

لم يستطع النظر إليها.

“سمعتك وإنت بتقول إني مجرد علاقة عابرة.”

سقط رأسه للأسفل.

“سمعتك وإنت بتضحك مع عيلتك.”

بدأت دموعها تنهمر.

“سمعتك وإنت بتقول إني لازم أعرف حجمي.”

أغلق آدم عينيه بقوة.

وكأن الكلمات ما زالت تضربه بعد سبع سنوات.

قال بصوت مكسور:

“كنت غبي.”

“لأ.”

رفعت رأسها.

“كنت جبان.”

سكت.

لأنه لم يكن يملك حق الاعتراض.

قالت:

“كنت مستعد تبيعني عشان ترضي عيلتك.”

ثم أشارت إلى عمر.

“وأنا أقسمت إن ابني عمره ما هيعيش الإهانة اللي عشتها.”

كان عمر ينظر بينهما بحيرة.

لا يفهم شيئًا.

لكنّه يشعر أن شيئًا كبيرًا يحدث.

اقترب من أمه.

وأمسك يدها.

فانحنت وقبّلت رأسه.

أما آدم فكان يراقبهما وكأن قلبه يتمزق.

ثم قال بصوت خافت:

“كنت هتجوزك.”

ضحكت ياسمين مرة أخرى.

لكن هذه المرة كانت ضحكة ساخرة.

“بعد ما عرفت إني حامل؟”

لم يرد.

“بعد ما اضطريت؟”

ظل صامتًا.

فهمت الإجابة.

وفهم هو أيضًا.

مرت لحظات طويلة.

ثم قال:

“أنا آسف.”

كانت أول مرة تسمعها منه.

وأغرب ما في الأمر أنها لم تشعر بأي شيء.

لا راحة.

ولا انتصار.

ولا حتى غضب.

فقط تعب.

تعب شديد.

قالت بهدوء:

“أنا قضيت سبع سنين مستنية الجملة دي.”

نظر إليها.

“ودلوقتي؟”

أجابت:

“دلوقتي مبقتش تفرق.”

ثم أمسكت يد عمر.

واستدارت لتغادر.

لكن هذه المرة لم يوقفها.

لأنه أدرك أخيرًا أن بعض الخسائر لا يمكن إصلاحها باعتذار.

إلا أن عمر توقف فجأة.

التفت إلى آدم.

ونظر إليه طويلًا.

ثم قال ببراءة:

“إنت زعلان؟”

ارتجف آدم.

وأومأ برأسه.

“آه.”

فكر الطفل لثوانٍ.

ثم أخرج من جيبه الصغير قطعة شوكولاتة نصف مذابة.

ومدها له.

قائلًا:

“خد دي.”

توقفت ياسمين مكانها.

أما آدم فشعر أن روحه كلها انهارت في تلك اللحظة.

لأن الطفل الذي لم يربّه يومًا…

كان أول شخص يحاول مواساته.

نظر آدم إلى قطعة الشوكولاتة الصغيرة في يد عمر.

كانت ذائبة قليلًا بسبب حرارة الجو.

ومغلفة بورق ملون رخيص.

شيء بسيط جدًا.

لكنها كانت أثمن شيء أمسكه في حياته.

مد يده ببطء وأخذها.

ثم قال بصوت مبحوح:

“شكرًا يا بطل.”

ابتسم عمر ابتسامة واسعة.

تلك الابتسامة نفسها.

ابتسامته هو عندما كان طفلًا.

شعر آدم بوخزة حادة داخل صدره.

أما ياسمين فكانت تراقب المشهد بصمت.

كانت تعرف أن عمر طيب القلب.

يعطي ألعابه للأطفال.

ويقاسم طعامه مع زملائه.

ويعود إلى المنزل أحيانًا دون مصروفه لأنه أنفقه على قطة جائعة أو طفل نسي نقوده.

لكنها لم تتوقع أن يمنح جزءًا من قلبه للرجل الذي تسبب في كل هذا الألم.

قال عمر فجأة:

“ماما… إحنا هنتأخر.”

هزت رأسها.

“عندك حق.”

ثم نظرت إلى آدم للمرة الأخيرة.

وقالت بهدوء:

“خلي بالك من نفسك.”

واستدارت.

وغادرت.

هذه المرة فعلًا.

وبقي آدم واقفًا وحده تحت المطر.

يحمل قطعة شوكولاتة صغيرة.

وينظر إلى الطريق الفارغ.

في تلك الليلة لم ينم.

جلس في جناحه بالفندق المطل على البحر.

والشوكولاتة موضوعة أمامه على الطاولة.

كأنها دليل مادي على أن ما حدث لم يكن حلمًا.

ابنه موجود.

ابنه حي.

كبر.

وتعلم المشي والكلام والضحك.

وتعرض للحمى.

وسقط أثناء اللعب.

ودخل المدرسة.

وفقد أول سن من أسنانه.

وكل ذلك حدث بدونه.

سبع سنوات كاملة.

سبع سنوات لن تعود أبدًا.

عند الثالثة فجرًا اتخذ قرارًا.

في الصباح التالي اتصل بمحاميه.

ثم ألغى جميع اجتماعاته.

ثم بدأ البحث.

لكن هذه المرة لم يكن يبحث عن ياسمين.

كان يبحث عن الحقيقة.

بعد أسبوع عرف كل شيء تقريبًا.

عرف عنوان شقتها.

وعرف المدرسة التي يدرس فيها عمر.

وعرف المستشفى الذي وُلد فيه.

وعرف أن ياسمين كانت تعمل ليلًا ونهارًا حتى توفر له حياة كريمة.

وعرف شيئًا آخر.

شيئًا جعله ينهار للمرة الثانية.

ففي ملف المستشفى كانت هناك خانة باسم الأب.

فارغة.

خط مستقيم فقط.

لا اسم.

لا توقيع.

لا وجود.

ظل ينظر إلى الورقة دقائق طويلة.

ثم أغمض عينيه.

لأن هذا الخط الفارغ كان أكبر حكم صدر ضده في حياته.

مرت أسابيع.

ثم شهر.

ثم شهران.

لم يقترب من عمر.

لم يذهب إلى المدرسة.

لم يحاول مفاجأته.

ولم يرسل محامين.

لأنه فهم أخيرًا أن الأبوة ليست حقًا قانونيًا فقط.

الأبوة ثقة.

والثقة كانت الشيء الوحيد الذي دمّره بيديه.

لكنّه بدأ يرسل شيئًا آخر.

كل شهر.

بشكل مجهول.

تبرعات لمكتبة المدرسة.

أجهزة كمبيوتر جديدة.

منح للأطفال المحتاجين.

رحلات مدرسية مجانية.

دون أن يحمل أي شيء اسمه.

فقط لأنه عرف أن ابنه يدرس هناك.

وفي أحد الأيام عادت ياسمين من العمل لتجد عمر متحمسًا بشكل غير طبيعي.

قال وهو يقفز:

“ماما! المدرسة جابت مكتبة جديدة!”

ابتسمت.

“حلو.”

“وفي راجل متبرع بكل ده.”

تجمدت يدها للحظة.

لكنها لم تقل شيئًا.

ثم أضاف عمر:

“والمدير بيقول إنه مش عايز حد يعرف اسمه.”

هنا فقط فهمت.

وأغمضت عينيها.

مرت شهور أخرى.

حتى جاء يوم عيد ميلاد عمر الثامن.

كانت حفلة صغيرة.

في مطعم هادئ على البحر.

أصدقاؤه.

بعض الأقارب.

ومريم التي أصبحت بالنسبة له خالة حقيقية.

وكان كل شيء يسير طبيعيًا.

حتى دخل أحد العاملين.

وسلم عمر صندوقًا صغيرًا.

وقال:

“حد طلب أوصله ليك.”

فتح عمر الصندوق بحماس.

فوجد داخله سيارة سباق مصغرة نادرة.

كان قد شاهدها في الإنترنت قبل أشهر.

وتمنى امتلاكها.

لكن ثمنها كان كبيرًا.

وتحتها بطاقة صغيرة.

مكتوب عليها:

“إلى البطل عمر…

استمر في الابتسام.

من صديق.”

تجمدت ياسمين.

لأنها عرفت الخط.

عرفته فورًا.

بعد ثماني سنوات ما زالت تعرفه.

أما عمر فكان سعيدًا جدًا.

قال:

“مين الصديق ده؟”

أجابت بهدوء:

“مش عارفة.”

لكن قلبها كان يعرف.

وفي تلك الليلة.

بعد أن نام عمر.

خرجت إلى الشرفة.

وكان البحر هادئًا.

والهواء باردًا.

وفجأة وجدت رسالة على هاتفها.

رقم غير محفوظ.

لكنها عرفت صاحبها قبل أن تفتحها.

آدم.

لم تكن الرسالة طويلة.

سطران فقط.

“أنا مش بطلب أسامحيني.”

“أنا بس بطلب فرصة أبقى أب.”

وقفت ياسمين طويلًا تنظر إلى الشاشة.

بينما أمواج البحر تتكسر في الظلام.

ولأول مرة منذ سبع سنوات…

لم تحذف الرسالة.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *