كل ليله حكـايـات أسمـا السـيد
كل ليلة جوزها يقفل على نفسه مع بنتهم في الحمام لأكتر من ساعة… ولما الطفلة قالت: “بابا قالي ألعاب الحمام سر”… الأم فتحت الباب بالراحة، ومسكت موبايلها فورًا.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
ليان كانت عندها ست سنين، طفلة هادية، خجولة، وبتخاف من أي صوت عالي.
من فترة، جوزي كريم بقى مصر إنه هو اللي يحمّيها كل ليلة.
كان دايمًا يقول:
“دي طقوس بيني وبين بنتي، بتخليها تهدى قبل النوم.”
وكل اللي حوالينا كانوا شايفين إنه أب مثالي.
حتى أنا…
في الأول كنت ممتنة إنه بيشاركني المسؤولية.
لكن بعد شوية…
بدأت آخد بالي من حاجة غريبة.
الحمام ماكانش بياخد عشر دقايق.
ولا ربع ساعة.
كانوا بيفضلوا جواه ساعة كاملة…
وأوقات أكتر.
كل ما أخبط على الباب، كان يرد بنفس النبرة الهادية:
“خلاص… دقيقة ونخرج.”
لكن أول ما ليان كانت تطلع…
ماكنتش باينة عليها الراحة.
كانت باينة مرهقة.
تلف الفوطة حوالين نفسها بسرعة.
وتفضل باصة في الأرض.
وفي مرة…
لما حاولت أنشف لها شعرها…
بعدت عني فجأة.
ساعتها…
أول مرة الخوف دخل قلبي.
وفي يوم، وأنا بلم الغسيل…
لقيت فوطة مستخبية ورا السلة.
كان عليها آثار غريبة، وريحتها مختلفة.
وقفت أبصلها شوية…
لكن ماقدرتش أوصل لتفسير.
في نفس الليلة…
بعد ما خلصوا الحمام، قعدت جنب ليان وهي حضنة الدبدوب بتاعها.
قلت لها بهدوء:
“يا حبيبتي… إنتِ وبابا بتعملوا إيه كل الوقت ده في الحمام؟”
وشها اتغير.
نزلت عينيها.
ودموعها بدأت تنزل.
مسكت إيديها وقلت:
“احكيلي… أنا عمري ما هزعل منك.”
همست بصوت ضعيف:
“بابا قال إن ألعاب الحمام… سر.”
اتجمدت مكاني.
وسألتها:
“يعني إيه ألعاب؟”
لكنها هزت راسها وهي بتعيط.
وقالت:
“قال لو قلتلك… هتزعلي مني.”
حضنتها بقوة.
وقلت لها:
“أنا مستحيل أزعل منك أبدًا.”
لكنها ماقالتش أي كلمة تانية.
الليلة دي…
ماعرفتش أنام.
فضلت بصّة لكريم وهو نايم بكل هدوء، وكأن مافيش أي حاجة غريبة بتحصل.
كنت نفسي ألاقي تفسير يطمني.
لكن الصبح…
عرفت إن الشك لوحده ما بقاش كفاية.
لازم أعرف الحقيقة.
تاني ليلة…
أخد ليان وطلع بيها الحمام كعادته.
استنيت لحد ما سمعت صوت المية.
ومشيت بهدوء في الطرقة.
قلبي كان بيدق بعنف.
الباب كان موارب سنة بسيطة.
بصيت من الفتحة…
ولأول مرة…
شفت كريم قاعد جنب البانيو، وفي إيده مؤقت مطبخ، وكوب ورقي، وبيكلم ليان بصوت هادي جدًا.
في اللحظة دي…
من غير ما أدخل أو أتكلم…
طلعت موبايلي.
وطلبت رقم الشرطة.
يتبع…
وصل صوت الموظف من الطوارئ:
“شرطة النجدة، اتفضلي.”
همست وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي:
“أنا… مش متأكدة فيه إيه، لكني قلقت على بنتي. محتاجة حد يساعدني.”
طلب مني الموظف ما أقتحمش المكان، وأحافظ على هدوئي، وقال إن دورية هتتحرك، وإنه لو حسيت إن فيه خطر مباشر أفتح الباب فورًا.
وقفت مكاني…
وبصيت تاني من فتحة الباب.
كريم كان بيشاور لليان على المؤقت.
وقال لها بابتسامة:
“لسه خمس دقايق… وبعدها نقفل المية.”
ليان كانت ماسكة الكوب الورقي، وبتحاول تملاه من الدش، وكل شوية المية تقع منه.
قال لها:
“برافو… المرة دي أحسن من امبارح.”
حسيت بحيرة.
المشهد قدامي ماكانش بالشكل اللي مخيلاني الأسوأ.
لكن برضه…
ساعة كاملة في الحمام مع طفلة صغيرة؟
وليه السر؟
بعد دقائق…
خبطت الشرطة على الباب.
كريم فتح وهو متفاجئ.
دخل الضابط بهدوء، وعرّف نفسه، وقال إن فيه بلاغًا وصل بوجود شك يخص سلامة طفلة.
اتغير لون كريم.
وبصلي بصدمة.
قال:
“إيه اللي حصل؟”
رديت وأنا دموعي نازلة:
“أنا خفت على بنتي.”
الضابط طلب يتكلم مع ليان لوحدها، بحضور أخصائية اجتماعية وصلت بعد وقت قصير.
واتكلم معايا أنا وكريم كل واحد لوحده.
ليان، بهدوء الأطفال، قالت:
“بابا علمني ألعاب بالمية.”
“ونعد بالدقيقة.”
“ونملى الكوباية.”
“ونعمل فقاقيع.”
الأخصائية سألتها بلطف:
“ولما قالك ده سر، كان يقصد إيه؟”
قالت ليان:
“قال دي مفاجأة لماما.”
“كان بيقول لما أبقى أعرف أستحمى لوحدي، ماما هتفرح.”
سكتت الأوضة كلها.
بصيت لكريم، وقلت بغضب:
“وليه تقولها ما تقوليش لماما؟”
نزل رأسه وقال:
“كنت فاكرها مفاجأة حلوة.”
“ليان كانت بتخاف جدًا من المية، والطبيب نصحنا نستخدم اللعب والتدريب التدريجي.”
“كنت بعمل جلسات طويلة علشان ما تتوترش.”
“ولما بدأت تتحسن، قلتلها نخليها مفاجأة.”
الأخصائية هزت رأسها وقالت بحزم:
“حتى لو النية سليمة، مينفعش أبدًا نطلب من طفل يحتفظ بأسرار عن أحد والديه.”
“دي رسالة ممكن تعرضه للخطر في المستقبل.”
سكت كريم طويلًا.
وبعدين مشى ناحية ليان، وجثا قدامها.
وقال:
“أنا آسف يا حبيبتي.”
“من النهارده، مفيش أسرار بينك وبين ماما.”
“ولو أي حد، حتى أنا، قالك اخفي حاجة عن ماما… تقولي لها على طول.”
حضنتني ليان وهي بتبكي.
وقالت:
“أنا كنت فاكرة إني هزعلك.”
حضنتها بقوة.
وقلت:
“إنتِ عمرك ما هتزعليني لما تحكيلي الحقيقة.”
قبل ما الضابط يمشي، قال جملة فضلت محفورة في ذهني:
“البلاغ اللي يطلع بسبب خوف على طفل، أهون ألف مرة من إن حد يسكت وهو قلقان.”
ومن اليوم ده، اتفقنا في بيتنا على قاعدة واحدة:
لا يوجد سر بين طفل ووالديه. وإذا طلب أي شخص من طفل أن يخفي شيئًا عن أمه أو أبيه، فعليه أن يخبر شخصًا بالغًا يثق به فورًا.
وأدركت أن حماية الأطفال تبدأ دائمًا بالحوار، وتعليمهم أن أجسادهم وحدودهم ومشاعرهم تستحق الاحترام، وأن طلب المساعدة ليس خطأ أبدًا.
بعد اللي حصل…
افتكرت إن القصة خلصت.
لكن الحقيقة…
كانت لسه في بدايتها.
بعد أسبوع تقريبًا…
الأخصائية الاجتماعية اتصلت بيا.
وقالت:
“إحنا بنعمل متابعة روتينية للأطفال بعد أي بلاغ من النوع ده.”
وافقت فورًا.
ليان راحت الجلسة وهي ماسكة إيدي.
ولما رجعت…
كانت مبتسمة لأول مرة من أيام.
قالتلي:
“الدكتورة قالت إن جسمي ملكي.”
“وإن من حقي أقول لا لو حاجة ضايقتني.”
حضنتها وأنا حاسة إن الجملة دي لازم كل طفل يسمعها.
أما كريم…
فكان شكله مختلف.
بقى يسيب باب الحمام مفتوح لو كان بيساعدها في الاستحمام.
ولو احتاج يساعدها في أي حاجة…
كان يناديني.
وقاللي:
“أنا فهمت غلطتي.”
“حتى لو نيتي كانت كويسة… السر بيني وبينها كان أكبر غلطة.”
ومن يومها…
بقينا نتكلم مع ليان كل فترة.
نسألها:
“فيه حد قالك تخبي حاجة عن ماما أو بابا؟”
وكان ردها ثابت:
“لأ… ولو حد قال… هقولكم.”
بعد شهرين…
كان عندهم في المدرسة نشاط عن الأمان الشخصي.
المُعلمة سألت الأطفال:
“لو حد قالكم: ده سر بينا… تعملوا إيه؟”
ليان رفعت إيدها.
وقالت بثقة:
“لو السر يخليني أخاف أو يخليني أخبيه عن ماما… لازم أحكي.”
المُعلمة ابتسمت.
وقالت:
“إجابة ممتازة.”
لما رجعت البيت…
حكتلي وهي فرحانة.
ساعتها حسيت إن كل لحظة خوف عشتها…
كان ليها معنى.
وفي نفس الليلة…
بصيت لكريم.
وقلت:
“أنا سامحتك.”
“لكن أوعدني…”
“أي قرار يخص بنتنا… هنكون إحنا الاتنين عارفينه.”
هز راسه وقال:
“وعد.”
ومن وقتها…
اختفت كلمة “سر” من بيتنا.
واستبدلناها بكلمة واحدة…
“احكي.”
لأن الأطفال لا يحتاجون إلى أسرار مع الكبار…
بل يحتاجون إلى أبواب مفتوحة، وآذان تسمعهم، وقلوب تصدّقهم وتحميهم.
تمت.