نظافة شخصيه حكـايـات أسمـا السـيد ×1
“حبيبي كام بيصر إني أستحمى مرتين كل يوم… وقال إن ده شرط علشان علاقتنا تكمل. فضلت شهور فاكرة إن المشكلة فيا… لكن أول مرة دخلت بيت أهله، فهمت السبب الحقيقي… واتصدمت.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من أول ما عرفت كريم…
حسيت إن كل حاجة بينا ماشية بسهولة.
تفاهم…
واحترام…
وحب.
ولأول مرة…
تخيلت نفسي أكمل حياتي مع حد.
لكن في يوم…
قال لي حاجة قلبت حياتي.
بكل جدية قال:
— لازم تستحمي مرتين في اليوم.
افتكرت إنه بيهزر.
لكنه كان جاد.
وقال:
— بحبك… لكن دي حاجة لازم تتغير.
حسيت بإحراج شديد.
عمري ما حد اشتكى من نظافتي.
لكن خوفي أخسره…
خلاني أوافق.
بقيت أستحمى الصبح وبالليل.
وأغير هدومي باستمرار.
واشتريت صابونات…
ومزيلات عرق…
وعطور جديدة.
وروحت لدكاترة…
وعملت تحاليل.
كنت مقتنعة إن أكيد في مشكلة عندي.
لكن كل النتائج…
كانت طبيعية.
ورغم كده…
كريم كل شوية يرجع يقول:
— لسه لازم تهتمي أكتر.
كل ليلة…
كنت أنام وأنا بعيط.
مش فاهمة…
إيه الغلط اللي بعمله.
وبعد شهور…
قالي:
— النهارده هعرفك على أهلي.
قبل ما أخرج…
استحميت للمرة التانية.
ولبست هدوم نضيفة.
واتأكدت أكتر من مرة…
إني مفيش فيا أي ريحة.
ولما دخلنا بيتهم…
ابتسمت أمه أول ما شافتني.
وقالت بهدوء:
— يا بنتي… ادخلي الحمام الأول وجددي نشاطك.
حسيت إن الأرض اتشقت وابتلعتني.
مشيت وأنا مكسورة.
فتحت باب الحمام…
لكن أول ما دخلت…
وقفت مكاني مصدومة.
لأن اللي شفته جواه…
كشفلي الحقيقة…
وفهمت أخيرًا ليه كريم كان بيجبرني أستحمى مرتين كل يوم.
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
الفصل الثاني
فضلت واقفة عند باب الحمام ثواني…
مش قادرة أستوعب اللي قدامي.
الحمام كان لامع بشكل مبالغ فيه.
كل حاجة فيه جديدة…
عبوات شامبو مفتوحة بأكتر من نوع.
وصابونات طبية.
ومطهرات.
وبخاخات تعقيم.
حتى فرش الأسنان…
كل فرد في البيت ليه اتنين.
لكن اللي شد انتباهي بجد…
كانت الورقة الكبيرة المعلقة على الحيطة.
مكتوب فيها بخط واضح:
“ممنوع الجلوس على أي كرسي قبل تغيير الملابس الخارجية.”
وتحتها:
“يجب الاستحمام فور العودة للمنزل.”
وفي آخرها:
“النظافة أولًا… وإلا المرض هيقتلنا.”
حسيت بقشعريرة.
دي مش تعليمات عادية.
دي كانت أقرب لقوانين عسكرية.
خرجت بهدوء.
ولقيت أم كريم واقفة برة.
ابتسمت وقالت:
— خلصتي؟
هززت راسي.
قالت وهي بتعدل طرحتها:
— إحنا آسفين لو استغربتي… بس دي عاداتنا من سنين.
ابتسمت ابتسامة مجاملة.
لكن جوايا ألف سؤال.
دخلت الصالون.
ولاحظت إن محدش بيسلم بالأحضان.
ولا حتى بالمصافحة.
كل واحد يقعد في مكان محدد.
حتى الأطفال…
كانوا كل شوية يغسلوا إيديهم.
أخته الصغيرة قامت تشرب مية.
أمها صرخت فيها:
— غسلتي إيدك؟
البنت جريت الحمام بسرعة.
كريم بصلي وكأنه شايف استغرابي.
وهمس:
— متستغربيش… دي مجرد احتياطات.
لكن الموضوع مكانش مجرد احتياطات.
كان هوس.
وبعد الغدا…
لقيت أم كريم بتقول:
— تعالي يا بنتي… عايزة أوريكي حاجة.
دخلت معاها أوضة نومها.
فتحت درج قديم.
طلعت منه ألبوم صور.
وقالت وهي بتتنهد:
— يمكن بعد ما تعرفي الحكاية… تعذرينا.
بدأت تقلب الصور.
صورة لرجل في الأربعينات.
وشه بشوش.
شايل طفل صغير.
وقالت:
— ده جوزي.
بصيت لكريم.
ملامحه كانت شبهه جدًا.
ثم طلعت صورة تانية.
لنفس الرجل…
لكن جسمه كان هزيل جدًا.
وقالـت بصوت مكسور:
— قبل عشرين سنة… أبو كريم اتصاب بعدوى نادرة.
الدكاترة في الأول افتكروها دور برد.
لكن العدوى انتشرت.
وقعد شهور بين الحياة والموت.
والسبب…
إنه استهان بالنظافة بعد شغله في أحد المخازن.
من يومها…
وأنا بقيت أخاف من أي جرثومة.
كل كلمة قالتها…
كانت مليانة ألم.
لكن برضه…
حسيت إن رد الفعل أكبر بكتير من السبب.
سألتها بهدوء:
— والحمد لله… خف؟
سكتت.
بعدين قالت:
— خف من المرض…
لكن عقلنا عمره ما خف من الخوف.
بصيت لكريم.
لقيته منزل راسه.
كأنه حافظ الكلام ده من زمان.
رجعنا البيت.
وطول الطريق…
ما اتكلمناش.
أول ما وصلنا…
بصلي وقال:
— دلوقتي فهمتي ليه بطلب منك تستحمي؟
قلت بهدوء:
— فهمت خوفكم…
بس اللي بتعملوه مش طبيعي.
ملامحه اتغيرت.
وقال بعصبية:
— يعني أنا غلط؟
قلت:
— لما تخليني أحس إن فيا عيب وأنا سليمة… يبقى أيوة.
سكت.
وأول مرة…
ما عرفش يرد.
في الأيام اللي بعدها…
حاولت أتكيف.
لكن الطلبات زادت.
بقى لازم أغير هدومي أول ما أدخل.
وأغسل موبايلي بالكحول.
وأمسح شنطتي.
وأي حاجة أجيبها من برة…
تدخل التعقيم الأول.
كنت بحاول أرضيه.
لكن كل مرة…
كان يطلع شرط جديد.
وفي يوم…
دخلت أوضته وهو في الشغل…
علشان أدور على الشاحن.
ولما فتحت درج المكتب…
لقيت دفتر أسود قديم.
مكانش عليه اسم.
فتحته…
واتجمد الدم في عروقي.
لأن كل صفحة فيه…
كانت عبارة عن ملاحظات مكتوبة بخط كريم.
“عدد مرات استحمامها اليوم: 2.”
“غسلت إيديها قبل الأكل: نعم.”
“لمست مقبض الباب ثم لم تعقم إيديها لمدة ثلاث دقائق.”
وفي آخر صفحة…
جملة واحدة خلت قلبي يدق بعنف:
“لو بدأت تعترض… يبقى المرض ابتدى يرجع.”
قفلت الدفتر بسرعة.
وساعتها…
عرفت إن المشكلة عمرها ما كانت في نظافتي…
المشكلة كانت في خوف كريم…
الخوف اللي تحول مع السنين إلى هوس ممكن يدمر أي علاقة… وأن اللي جاي هيكون أصعب بكتير مما كنت أتخيل.
الفصل الثالث
فضلت ماسكة الدفتر…
وإيديا بتترعش.
كنت كل ما أقلب صفحة…
ألاقي تاريخ.
وملاحظات.
وأوقات مكتوبة بالدقيقة.
“رجعت من الشغل الساعة 4:17.”
“لم تغسل إيديها إلا بعد دقيقتين.”
“لمست شعرها بعد ما فتحت باب العمارة.”
“احتضنتني قبل ما تغير هدومها.”
كل حاجة…
كانت متسجلة.
حتى تفاصيل أنا نفسي ناسيّاها.
قفلت الدفتر بسرعة.
ورجعته مكانه.
لكن من اللحظة دي…
بقيت أبص لكريم بطريقة مختلفة.
مش كحبيب.
ولا حتى كخطيب.
بقيت ببصله كواحد محتاج مساعدة.
لما رجع من الشغل…
اتعاملت معاه عادي.
كنت مستنية هو اللي يتكلم.
وبالفعل…
أول ما دخل.
قال:
— غيرتي هدومك؟
قلت:
— أيوه.
— استحميتي؟
— لا… كنت مستنياك.
اتغير لون وشه.
وقال بسرعة:
— إزاي يعني لا؟
قلت بهدوء:
— لسه راجعة من ساعة.
قرب مني خطوة.
ولأول مرة…
شفت الرعب الحقيقي في عينه.
مش العصبية.
الرعب.
قال بصوت عالي:
— ادخلي الحمام دلوقتي.
قلت:
— بعد شوية.
وفجأة…
مسك إيدي بقوة.
وقال وهو بيتنفس بسرعة:
— قلت دلوقتي.
سحبت إيدي منه.
وقلت بحزم:
— كريم… إنت بتوجعني.
وقف مكانه.
وبص لإيده.
كأنه لسه واخد باله إنه ضغط عليها.
قعد على الكنبة.
وحط راسه بين إيديه.
وبدأ يعيط.
أول مرة أشوف راجل بيعيط بالشكل ده.
كان بيقول بين شهقاته:
— أنا مش عايز أخسرك.
قعدت جنبه.
وقلت:
— يبقى متخلينيش أعيش مرعوبة كل يوم.
رفع عينه ناحيتي.
وقال:
— إنتِ مش فاهمة.
قلت:
— فهمني.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— وأنا عندي عشر سنين…
أبويا رجع البيت تعبان.
كان عنده حرارة بسيطة.
ماما قالتله يستحمى.
قالها:
“بعدين.”
في اليوم اللي بعده…
حرارته زادت.
وبعد أسبوع…
دخل العناية المركزة.
ولمدة ست شهور…
كنت كل يوم أروح أشوفه.
جسمه مليان أجهزة.
مش بيتكلم.
ولا بيتحرك.
كنت فاكر إنه هيموت.
ومن يومها…
ماما بقت تغسل كل حاجة.
وبعد كام سنة…
أنا بقيت أعمل زيها.
وبعدين…
بقيت أزود.
كل مرة خوفي يزيد…
كنت أضيف قاعدة جديدة.
سألته بهدوء:
— يعني القوانين دي…
إنت اللي عاملها؟
هز راسه.
— أيوه.
— والدفتر؟
— علشان أطمن.
قلت:
— لا يا كريم…
الدفتر ده مش بيطمنك.
الدفتر ده بيسجنك.
بصلي وسكت.
في اليوم اللي بعده…
قررت أعمل حاجة.
حجزت مع دكتور نفسي.
ولما قولتله…
اتنرفز.
وقال:
— يعني شايفة إني مجنون؟
قلت بسرعة:
— لا.
شايفة إنك تعبان.
وفي فرق كبير.
قام وقف.
وقال:
— أنا مش رايح.
قلت:
— براحتك.
بس أنا مش هكمل العلاقة بالشكل ده.
اتجمد مكانه.
قال:
— بتهدديني؟
قلت:
— لا.
بحمي نفسي.
أنا بقالى شهور بصدق إن المشكلة فيا.
عملت تحاليل.
ولفيت على دكاترة.
وبقيت بخاف من نفسي.
رغم إن كل الناس كانت بتقول إني طبيعية.
وسكت شوية.
وبعدين كملت:
— الحب مش معناه إني أفقد ثقتي في نفسي.
خرج من البيت…
وقفل الباب بعنف.
عدى يوم.
واتنين.
وثلاثة.
مكلمنيش.
كنت فاكرة إن كل حاجة انتهت.
لكن في الليلة الرابعة…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت كريم واقف.
وشه مرهق.
وعينه حمرا.
وفي إيده ورقة.
ناولها لي.
بصيت فيها.
كانت إيصال حجز عند استشاري علاج نفسي متخصص في اضطرابات الوسواس القهري.
وقال بصوت مكسور:
— أنا روحت.
سألته بدهشة:
— لوحدك؟
ابتسم لأول مرة من شهور.
وقال:
— الدكتور قالي أول خطوة في العلاج…
إني أعترف إن المشكلة مش في الناس…
المشكلة في خوفي.
ثم مد إيده ناحيتي وقال:
— مش بطلب منك تسامحيني النهارده… بس بطلب فرصة أحارب خوفي بدل ما أحاربك.
وقفت أبصله…
وأدركت أن أصعب معركة في حياتنا…
لم تكن ضد الجراثيم…
بل ضد الخوف الذي عاش داخله سنوات طويلة وتحول إلى سجن له ولمن أحبهم.
الفصل الرابع
وقفت قدامه…
ومعرفتش أرد.
كان أول مرة أشوف كريم…
ضعيف بالشكل ده.
مش بيبرر.
ولا بيجادل.
ولا بيقول إني مكبرة الموضوع.
كان واقف…
وكأنه أخيرًا شايف نفسه بعيوني.
قلت بهدوء:
— العلاج مش هيكون سهل.
هز راسه.
وقال:
— عارف.
— وممكن ياخد شهور.
— حتى لو سنين.
— وممكن تقع وترجع تاني.
ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال:
— المهم كل مرة أقع… أقوم.
وافقت أديه فرصة.
لكن حطيت شرط.
قلت:
— أي قرار يخص حياتي أو جسمي… مش هيتاخد بالخوف.
وافق فورًا.
وبدأ العلاج.
في أول جلسة…
الدكتور طلب مني أحضر.
قال إن الوسواس القهري مش بيتعب صاحبه بس…
بيتعب كل اللي حواليه.
ولما دخلنا…
الدكتور سأل كريم سؤال بسيط.
— إيه اللي هيحصل لو خطيبتك استحمت مرة واحدة بس؟
رد بسرعة:
— ممكن تتعب.
— إيه الدليل؟
سكت.
— حصل قبل كده؟
سكت أكتر.
الدكتور ابتسم.
وقال:
— الخوف أحيانًا بيقنعنا إن الاحتمال…
حقيقة.
خرجنا من الجلسة…
وأول مرة أشوف كريم بيفكر.
مش بيرد.
كان ساكت طول الطريق.
وبدأت خطة العلاج.
اليوم الأول…
استحميت مرة واحدة.
كريم كان ماشي في البيت رايح جاي.
كل شوية يبص عليا.
ثم يبص للساعة.
واضح إنه بيقاوم نفسه.
قبل النوم…
قال:
— حاسة بأي تعب؟
ابتسمت.
وقلت:
— لأ.
نام وهو قلقان.
وفي الصبح…
صحيت كويسة.
بصلي بدهشة.
وكأنه كان مستني يلاقيني مريضة.
بعد أسبوع…
الدكتور طلب منه يبطل يسألني عن الاستحمام.
كانت أصعب مهمة.
كل مرة كان السؤال يوصل لحد لسانه…
ويسكته.
ولما ينجح…
كان يحكي للدكتور بفخر.
لكن بعد شهر…
حصل موقف رجعنا خطوات لورا.
كنا في مول.
ولد صغير عطس جنبنا.
كريم اتجمد.
مسك إيدي.
وقال:
— يلا نمشي.
قلت:
— ليه؟
قال:
— بسرعة.
ركبنا العربية.
وفجأة…
بدأ يعقم إيده.
وبعدين عجلة القيادة.
وبعدين الموبايل.
وبعدين طلب مني أعقم شنطتي.
بصيتله.
وقلت بهدوء:
— كريم…
إنت رجعت.
وقف.
وبص للحاجات اللي حواليه.
ثم بدأ يبكي.
قال:
— كنت فاكر إني خفيت.
قلت:
— العلاج مش خط مستقيم.
فيه أيام صعبة.
رجع للدكتور تاني.
والدكتور قاله جملة غيرت فيه كتير.
قال:
— الانتكاسة مش معناها إنك فشلت…
معناها إنك لسه بتتعلم.
بدأ كريم يقتنع.
ومع الوقت…
بقى يعتذر كل ما يغلط.
وفي يوم…
كنت عند بيت أهله.
أمه أول ما شافتني قالت تلقائيًا:
— يا بنتي… ادخلي اغسلي إيدك الأول.
قبل ما أرد…
اتفاجأت بكريم بيبتسم ويقول:
— يا ماما…
سيبيها براحتها.
أمه استغربت.
وقالت:
— يعني إيه؟
قال بهدوء:
— إحنا بنعالج الخوف…
مش بنكبره.
أمه سكتت.
لكن ملامحها كانت رافضة.
بعد الغدا…
سمعتها بتقوله في المطبخ:
— الدكتور لعب في دماغك.
إنت هتضيع نفسك.
رد عليها لأول مرة بثبات:
— لا يا أمي…
أنا بحاول أعيش.
وقفت أسمع الحوار…
وعرفت قد إيه القرار اللي أخده كان صعب.
لأنه مش بيواجه نفسه بس…
كان بيواجه أفكار عاش عليها من وهو طفل.
ولما رجعنا البيت…
بصلي وقال بابتسامة هادئة:
— النهارده حسيت إني انتصرت أول انتصار حقيقي.
ابتسمت.
لكن في داخلي…
كنت عارفة إن المعركة لسه ما انتهتش.
لأن تغيير إنسان عاش سنوات طويلة تحت سيطرة الخوف…
لا يحدث في يوم واحد.
لكنه يبدأ بخطوة…
وكان كريم قد بدأ يخطوها بالفعل.
يتيع