ام متعبه حكايات اسما 3
الفصل السابع
مرّت ستة شهور.
وكريم…
ما بطلش يلتزم.
كل جمعة…
في نفس المعاد.
ولو البنات احتاجوا دكتور…
كان أول واحد يوصل.
ولو احتاجوا دوا…
كان يجيبه قبل ما أطلب.
لكن الغريب…
إنه عمره ما قال:
“ارجعي.”
ولا مرة استخدم البنات علشان يضغط عليا.
وده كان جديد عليه.
وفي يوم…
كنت في الشغل.
بعد ما بدأت أشتغل نص يوم في شركة صغيرة.
رن تليفوني.
الرقم كان حضانة البنات.
رديت بسرعة.
المديرة قالت وهي متوترة:
— أستاذة… متقلقيش.
بس ملك وقعت وهي بتلعب.
إحنا في المستشفى.
قلبي وقع.
جريت من الشغل.
وأنا في الطريق…
افتكرت إن كريم لازم يعرف.
اتصلت بيه.
رد في أول ثانية.
قلت:
— ملك…
ما كملتش الجملة.
سمع صوت بكايا.
وقال:
— أنا جاي.
وصلت المستشفى.
اتفاجئت إن كريم سبقني.
كان شايل ملك.
وبيحاول يضحكها.
وركبته متبهدلة بالتراب.
واضح إنه جري من غير ما يفكر.
أول ما شافني…
ناولني ملك.
وقال:
— الدكتور قال مجرد كدمة بسيطة.
الحمد لله.
حضنتها.
ودموعي نزلت.
من الخوف.
مش من الوجع.
الدكتور خرج بعد الكشف.
وقال بابتسامة:
— الحمد لله… مفيش كسر.
لكن خلوا بالكم.
البنات في السن ده…
بيحتاجوا عين عليهم طول الوقت.
بصيت أنا وكريم لبعض.
وفي نفس اللحظة…
افتكرنا أول ست شهور.
لما كنت لوحدي…
بشيل كل ده.
بعد يومين…
كان عيد ميلاد ملك وليان الأول.
كنت ناوية أعمل احتفال صغير.
أنا.
وأخويا.
وأمي.
وبس.
لكن قبل الحفلة بساعتين…
خبط الباب.
فتحت.
لقيت كريم.
واقف.
شايل تورتة صغيرة.
وعلبة هدايا.
قال بهدوء:
— لو وجودي هيضايقك…
همشي.
أنا بس…
كنت عايز أقولهم كل سنة وهم طيبين.
سكت.
بصيت للبنتين.
كانوا بيضحكوا أول ما شافوه.
ليان مدت إيديها ناحيته.
وشالها.
أما ملك…
فزحفت لحد رجله.
ومسكت البنطلون.
ابتسمت من غير ما أحس.
وقلت:
— اتفضل.
دخل.
وقعد بعيد.
ما حاولش يتصرف كأنه صاحب البيت.
ولا فرض نفسه.
ولما جه وقت التورتة…
طلبت من أخويا يصورنا.
وقفنا كلنا.
أنا.
وكريم.
وملك.
وليان.
وأول ما الكاميرا هتلقط الصورة…
ليان رفعت إيديها الصغيرة.
ومسكت صباعي بإيد…
وصباع كريم بالإيد التانية.
وسحبتنا ناحية بعض.
الكل ضحك.
لكن أنا وكريم…
وقفنا ساكتين.
البنت الصغيرة…
عملت في ثانية…
اللي المحامين والجلسات معرفوش يعملوه.
بعد ما الضيوف مشيوا…
وقف كريم عند الباب.
وقال:
— شكراً.
قلت:
— على إيه؟
قال:
— إنك سمحتِ لي أكون موجود في أول عيد ميلاد ليهم.
سكت شوية.
وبعدين طلع من جيبه ظرف.
وقال:
— افتحيه بعد ما أمشي.
ومشي.
قفلت الباب.
فتحت الظرف.
كان فيه ورقة واحدة.
مش شيك.
ولا عقد.
ولا طلب رجوع.
كان مكتوب فيها:
“أنا مش هطلب منك ترجعي. لأن الرجوع مش بالكلام. لو في يوم حسيتِ إن أفعالي تستحق فرصة… القرار هيكون بإيدك. ولو ما حصلش… هفضل أبو ملك وليان طول عمري، وده شرف يكفيني.”
فضلت ماسكة الورقة.
وبعد سنين من الجواز…
كانت دي أول مرة…
أحس إن كريم بدأ يفهم…
أن الحب الحقيقي…
مش سيطرة…
ولا أوامر…
ولا وعود كبيرة.
الحب الحقيقي…
مسؤولية… قبل أي شيء.
الفصل الثامن
مرت سنة كاملة.
السنة دي…
علمتني حاجات كتير.
إن الست…
ممكن تقع.
لكن تقدر تقوم.
وإن الراجل…
ممكن يغلط.
لكن التغيير الحقيقي…
بيبان في الأفعال.
مش في الكلام.
كريم…
ما فاتش ولا زيارة.
ولا عيد ميلاد.
ولا كشف دكتور.
ولا تطعيم.
حتى لما الشغل كان يضغط عليه…
كان يخلص اللي وراه.
وييجي.
ولو اتأخر خمس دقايق…
يبعت رسالة قبلها.
“أنا في الطريق.”
الجملة البسيطة دي…
كانت زمان مستحيلة.
في يوم…
كنت قاعدة براجع مصاريف الشهر.
إيجار.
حضانة.
لبن.
حفاضات.
كل حاجة بقت غالية.
وفجأة…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت مندوب شركة أثاث.
قال:
— أستاذة… فيه شحنة باسم حضرتك.
استغربت.
— أنا ما طلبتش حاجة.
قال:
— الفاتورة مدفوعة.
دخل العمال.
وركبوا سريرين جديد للبنتين.
ودولاب صغير.
وترابيزة رسم.
وفي الآخر…
سلموني ظرف.
فتحته.
كان فيه فاتورة باسم كريم.
وجواب صغير.
“أنا وعدت نفسي… إن أي جنيه كنت بصرفه على رفاهيتي… يبقى مكانه دلوقتي مع بناتي. متقلقيش… مش مستني منك كلمة شكر.”
قفلت الظرف.
ولأول مرة…
ما حسيتش إنه بيحاول يشتريني.
حسيت…
إنه بيحاول يصلح اللي فات.
بعد أسبوع…
الحضانة عملت يوم مفتوح للأهالي.
كل طفل…
لازم ييجي مع حد من أسرته.
دخلت وأنا ماسكة إيد ملك.
وكريم ماسك إيد ليان.
كان أول مرة…
نمشي إحنا الأربعة جنب بعض…
من يوم ما سبت البيت.
واحدة من الأمهات بصت لنا.
وقالت بابتسامة:
— ربنا يخليهملك… واضح إنكم عيلة جميلة.
أنا وكريم بصينا لبعض.
ولا واحد صحح لها.
ولا واحد أكد كلامها.
اكتفينا بابتسامة هادئة.
لأن الحقيقة…
كانت أعقد من أي شرح.
وفي آخر اليوم…
الأطفال كانوا بيرسموا.
المُدرسة طلبت من كل طفل يرسم بيته.
طبعًا…
ملك وليان كانوا لسه صغيرين.
فالمُدرسة ساعدتهم.
ولما خلصوا…
نادت علينا.
وقالت:
— بصوا البنات رسموا إيه.
مسكت الورقة.
كان فيها بيت صغير.
وشمس.
وأربع أشخاص ماسكين إيد بعض.
أنا.
وكريم.
وملك.
وليان.
سكت.
وكريم أخد الورقة.
فضل يبص لها دقيقة كاملة.
وبعدين نزل على ركبته…
وباس رأس ملك.
وقال بصوت واطي:
— أوعدك…
عمري ما هكسر الصورة دي تاني.
سمعته.
لكن ما علقتش.
لأن الوعود…
اتعلمت إنها سهلة.
أما تنفيذها…
فهو اللي بيثبت كل شيء.
في طريق الرجوع…
وقف كريم قدام العربية.
وقال بهدوء:
— ممكن أطلب طلب؟
قلت:
— اتفضل.
قال:
— مش عايز أرجع جوزك دلوقتي.
ولا هضغط عليكي.
لكن…
ممكن نبدأ نتكلم؟
مش عننا.
عن البنات.
عن حياتهم.
ومن غير محامين.
بصيت له.
افتكرت الليلة اللي قالي فيها:
“إنتِ اللي كنتِ عايزة تبقي أم… استحملي بقى.”
وافتكرت كمان…
ليالي السهر.
والوحدة.
والوجع.
لكن افتكرت أيضًا…
السنة الأخيرة.
كل موقف أثبت فيه إنه بيتغير بالفعل.
أخدت نفسًا عميقًا.
وقلت بهدوء:
— نتكلم…
لكن خطوة خطوة.
الثقة اللي اتكسرت في يوم…
مش بترجع في يوم.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال:
— وأنا مستعد أفضل أبنيها…
مهما أخدت وقت.
ثم فتح باب العربية للبنتين أولًا…
قبل ما يركب هو.
وكانت دي أول مرة…
أحس إن كريم بقى يعرف…
إن الأبوة…
مش لقب.
الأبوة…
اختيار بيتجدد كل يوم.