بعيد ميلاد امي حكـايـات أسمـا السـيد ×3

الفصل الخامس عشر
ارتجفت أصابعي وأنا أقلب الورقة.
كان ختم المحكمة باهتًا…
لكن الاسم واضحًا بصورة لا تحتمل الشك.
توقفت أنفاسي.
همست لنفسي:
— مستحيل…
الراجل ده؟
هو نفسه…
اللي كان بيزور أمي كل شهر.
وكل مرة كانت تقول:
— ده راجل طيب… وقف جنبنا بعد وفاة أبوكي.
ضغطت على الورقة بقوة.
وفي أسفلها…
كان مكتوب بخط اليد:
“القض..ية اغلقت لعدم كفاية الأدلة.”
لكن بجوار الجملة…
علامة حمراء كبيرة.
وكأن أحدهم كتب بعدها:
“الملف الحقيقي عند أمينة.”
مين أمينة؟
وأين هي؟
لم أجد فرصة للتفكير.
فجأة…
دوى إطلاق نار في الخارج.
ثم انفتح الباب بعنف.
دخل ثلاثة رجال ملثمين.
وأحدهم صاح:
— فتشوا المكان… لازم البنت متخرجش من هنا!
جريت بكل قوتي ناحية باب جانبي كان نصف مفتوح.
قدماي بالكاد تحملاني.
لكن الخوف…
كان أسرع من المرض.
دخلت ممرًا ضيقًا.
وفي آخره نافذة مكسورة.
قفزت منها.
وسقطت على أرض ترابية.
أحسست بألم حاد في كاحلي.
لكنني لم أتوقف.
خلفي…
بدأت الأصوات تقترب.
— أمسكوها!
الفصل السادس عشر
في الوقت نفسه…
كان الرائد يوسف يتلقى اتصالًا عاجلًا.
— يا فندم… لقينا مكان احتجاز الآنسة هند.
قفز من مقعده.
— القوة كلها تتحرك فورًا.
آدم كان واقفًا بجواره.
قال بسرعة:
— أنا جاي معاكم.
رد يوسف بحزم:
— لا.
لكن آدم قال بإصرار:
— لو حالتها ساءت في أي لحظة… هتحتاج دكتور.
نظر إليه يوسف ثواني.
ثم قال:
— اركب.
بعد عشرين دقيقة…
وصلت سيارات الشرطة.
لكن المكان كان شبه خالٍ.
أبواب مكسورة.
وأوراق متناثرة.
وآثار اشتباك واضحة.
دخل آدم يجري بين الغرف.
وهو ينادي:
— هند!
لم يجبه أحد.
لكن في إحدى الغرف…
وجد القيود مقطوعة.
والسرير فارغًا.
وعلى الأرض…
بقعة دم صغيرة.
انحنى آدم ولمسها.
ثم قال:
— دي لسه جديدة…
هي كانت هنا من دقائق.
الفصل السابع عشر
كنت أجري وسط أرض زراعية.
قدماي تغوصان في الطين.
والهواء يحرق صدري.
وفجأة…
لمحت بيتًا صغيرًا قديمًا.
طرقت الباب بكل قوتي.
مرة.
واثنتين.
وثلاثًا.
فتح الباب رجل عجوز.
نظر إليّ بذهول.
وقال:
— مين؟
قلت وأنا ألهث:
— بالله عليك… خبيني… هيقتلوني.
قبل أن يرد…
سمعنا صوت سيارات بعيدة.
ثم طلقات نار.
نظر العجوز إلى الطريق…
ثم إليّ.
وقال بسرعة:
— ادخلي.
أغلق الباب.
وأدخلني إلى غرفة صغيرة.
وبينما كنت أحاول استعادة أنفاسي…
خرج من درج قديم صورة صفراء.
نظر إليها طويلًا.
ثم نظر إليّ.
وسقطت الصورة من يده.
همس وهو يكاد يبكي:
— يا نهار أبيض…
إنتِ…
بنت سلوى!
تجمدت في مكاني.
قلت بارتباك:
— تعرف أمي؟
رفع عينيه نحوي.
وقال:
— مش بس أعرفها…
أنا كنت شاهد على اللي حصل ليلة ولادتك.
واللي الناس كلها فاكراه حادث…
كان في الحقيقة…
جر..يمة قتل مدبرة.
وفي تلك اللحظة…
ارتفع صوت طرق عنيف على باب البيت.
وصوت رجل يهتف من الخارج:
— افتح يا حاج…
إحنا عارفين إن البنت عندك!
الفصل الثامن عشر
تجمّد الحاج سالم في مكانه.
ثم أطفأ المصباح الوحيد في الغرفة.
وغرقت الجدران في شبه ظلام.
عاد ينظر إليّ، ووضع إصبعه على شفتيه.
همس:
— ولا كلمة… مهما سمعتي.
ازدادت الطرقات على الباب.
ثم جاء صوت غليظ من الخارج:
— افتح يا حاج… وإلا هنكسر الباب!
أخذ الحاج سالم نفسًا عميقًا.
وتقدم بخطوات ثابتة.
فتح الباب نصف فتحة.
وقال بهدوء:
— خير يا ولاد؟
وقف ثلاثة رجال.
وجوههم قاسية.
وأحدهم يحمل سلا..حًا تحت الجاكيت.
قال أطولهم:
— بنت هربت من عندنا… دخلت الناحية دي.
هز الحاج سالم رأسه.
— من ساعة المغرب وأنا لوحدي.
دفعه الرجل بيده.
— هنفتش.
رد الحاج سالم بغضب:
— بيتي مش وكالة.
لكن الرجل لم ينتظر.
دفع الباب بقوة.
ودخلوا جميعًا.
الفصل التاسع عشر
كنت أختبئ خلف دولاب خشبي قديم.
قلبي يخبط في صدري بعنف.
وكل خطوة أسمعها…
كنت أشعر أنها الأخيرة.
بدأ الرجال يفتشون البيت غرفة غرفة.
فتحوا الدولاب الأول.
ثم الثاني.
وقلبوا الأسرة.
اقترب أحدهم من الغرفة التي أختبئ فيها.
مد يده نحو مقبض الباب.
وفي اللحظة نفسها…
وقع كوب زجاجي في المطبخ.
التفت الرجال جميعًا ناحية الصوت.
صرخ أحدهم:
— هناك!
جروا كلهم.
أما الحاج سالم…
فاستغل اللحظة.
فتح بابًا صغيرًا خلف الدولاب.
وقال بسرعة:
— انزلي.
نظرت إليه باستغراب.
— فين؟
— سرداب قديم… كان بيتعمل أيام الحرب.
نزلت بسرعة.
وأغلق الباب فوق رأسي.
بعد ثوانٍ…
دخل الرجال الغرفة.
سمعت أحدهم يقول:
— فتشوا كل شبر.
وقفوا فوق رأسي مباشرة.
لكنهم لم يكتشفوا الباب السري.
الفصل العشرون
بعد دقائق طويلة…
هدأت الأصوات.
فتح الحاج سالم الباب السري.
وقال:
— طلعوا.
خرجت وأنا ألهث.
قلت:
— ليه بتساعدني؟
جلس على كرسي خشبي.
وأخرج صندوقًا صغيرًا من أسفل السرير.
كان الصندوق مغطى بالغبار.
فتح الغطاء ببطء.
وفي داخله…
صور قديمة.
وخاتم ذهبي.
ورسالة صفراء.
ناولني الصورة الأولى.
كانت لسيدة جميلة تحمل رضيعًا.
عرفتها فورًا.
رغم أنني لم أرها من قبل.
قلت والدموع تملأ عيني:
— دي… سلوى؟
هز رأسه.
— أمك.
ثم أشار إلى الرجل الواقف بجوارها.
— وده جوزها… أبوك الحقيقي.
أخذت الصورة بيد مرتعشة.
ثم سألته:
— هما ماتوا؟
أطرق برأسه.
وقال:
— أمك ماتت فعلًا.
أما أبوك…
فكل الناس اتقال لهم إنه دخل السجن.
لكن الحقيقة مختلفة.
ابتلعت ريقي.
— يعني إيه؟
فتح الرسالة القديمة.
وقال:
— لأنه…
اختفى قبل تنفيذ الحكم بيوم واحد.
الفصل الحادي والعشرون
في هذه الأثناء…
كان الرائد يوسف وآدم يراجعان كل ما جمعاه من أدلة.
قال آدم وهو ينظر إلى لوحة التحقيق:
— في حاجة مش راكبة.
رفع يوسف رأسه.
— إيه؟
— لو أمها بالتربية كانت عايزة تتخلص منها…
ليه حاولت تخبي الحقيقة كل السنين؟
سكت يوسف لحظة.
ثم قال:
— يمكن كانت خايفة من شخص.
رن هاتفه فجأة.
رد بسرعة.
وبدأت ملامحه تتغير.
أنهى المكالمة.
ثم نظر إلى آدم.
وقال:
— لقينا الخدامة.
وقف آدم بسرعة.
— عايشة؟
أجاب يوسف بصوت ثقيل:
— أيوه…
بس في المستشفى.
قبل ما نفقدها…
قالت جملة واحدة.
— قالت إيه؟
تنهد يوسف.
ثم قال:
— قالت…
“أنا ما كنتش عايزة أعمل كده… الست الكبيرة قالتلي لو هند عاشت… كلنا هنموت.”
ساد الصمت.
أما آدم…
فبدأ يشعر أن الحقيقة أكبر بكثير من مجرد محاولة قتل.
كان هناك سر قديم…
ظل مدفونًا خمسةً وعشرين عامًا…
وحان الوقت ليخرج إلى النور.
الفصل الثاني والعشرون
جلست أمام الحاج سالم…
والرسالة ترتجف بين أصابعي.
كان الورق قديمًا.
والحبر باهتًا.
لكن الكلمات ما زالت واضحة.
فتحتها ببطء.
وكان أول سطر فيها:
“إذا وصلت هذه الرسالة إلى ابنتي هند… فاعلمي أن كل ما قيل لك عن أبيك كذب.”
توقفت أنفاسي.
تابعت القراءة.
“أبوك لم يكن قاتلًا… ولم يكن مجرمًا… بل كان الشاهد الوحيد على جر..يمة كبيرة.”
شهقت.
ورفعت عيني إلى الحاج سالم.
قال بصوت مبحوح:
— كملي.
عدت أقرأ.
“في الليلة التي وُلدتِ فيها… حضر أربعة رجال إلى بيتنا… كانوا يريدون ملفًا احتفظ به والدك… ملفًا يدين رجلًا له نفوذ كبير.”
ازدادت ضربات قلبي.
“رفض والدك تسليم الملف… فأطلقوا النار.”
دموعي بدأت تنزل دون أن أشعر.
“أصيبت أمك… وبعد ساعات فارقت الحياة… أما أنا… فقد هربت وأنا أحملك… لكنهم لحقوا بي… فاضطررت أن أسلمك لصديقتنا الوحيدة… التي وعدتني أن تخفيك مهما كان الثمن.”
أغلقت الرسالة.
ونظرت للحاج سالم.
قلت بصوت مرتجف:
— تقصد…
أمي…
كانت بتحاول تحميني؟
أغمض عينيه.
وقال:
— أيوه…
لكنها غلطت لما خافت أكتر من اللازم.
الفصل الثالث والعشرون
في قسم الشرطة…
كانت أمينة النيابة تستجوب أمي.
وضعت أمامها الصور.
والتسجيلات.
وتقرير السم.
ثم سألتها:
— ليه حاولتي تقتليها؟
بكت طويلًا.
ثم قالت:
— ما كنتش عايزة أموتها.
نظر إليها الرائد يوسف بغضب.
— كل الأدلة بتقول غير كده.
هزت رأسها بعنف.
— كنت عايزة أخوفها…
وأبعدها عن الحقيقة.
لكن…
اللي حط السم…
مش أنا.
رفع الجميع رؤوسهم.
قال يوسف:
— يعني إيه؟
تنهدت.
ثم قالت:
— أنا شلت حقنة الحساسية.
وأنا اللي خليت الخدامة تحط اللوز في التورتة.
لكن…
العصير…
أنا معرفش مين حط فيه السم.
ساد صمت ثقيل.
لأول مرة…
أدرك الجميع…
أن هناك شخصًا آخر…
كان يتحرك داخل البيت.
الفصل الرابع والعشرون
رن هاتف الرائد يوسف.
كان تقرير الطب الشرعي.
فتح الملف بسرعة.
ثم اتسعت عيناه.
قال آدم بقلق:
— خير؟
رد يوسف:
— بص.
أخذ آدم التقرير.
وقرأ آخر سطر.
ثم قال بدهشة:
— مستحيل.
قال يوسف:
— السم اتحط في العصير…
بعد ما خرج من المطبخ.
يعني…
واحد من الضيوف.
رفع آدم رأسه.
وقال:
— يبقى القاتل…
كان موجود وسطنا…
وبيمثل إنه جاي يحتفل بعيد الميلاد.
الفصل الخامس والعشرون
وفي بيت الحاج سالم…
قطع حديثنا صوت سيارة توقفت أمام المنزل.
اقترب الحاج سالم من الشباك.
نظر بسرعة.
ثم تغير لون وجهه.
همس:
— وصلوا.
قلت بخوف:
— مين؟
قال:
— مش الشرطة.
جريت إلى النافذة الثانية.
رأيت ثلاث سيارات سوداء.
نزل منها رجال مسلحون.
لكن…
الشخص الذي نزل من السيارة الأخيرة…
جعل الحاج سالم يتراجع خطوة كاملة.
قلت:
— تعرفه؟
ابتلع ريقه بصعوبة.
وقال:
— للأسف…
أعرفه كويس.
— مين هو؟
نظر إليّ وعيناه ممتلئتان بالرعب.
ثم قال:
— ده…
أبوك.
شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي.
قلت بصوت مخنوق:
— مستحيل…
أبويا مات…
أو هرب…
مش كده؟
هز الحاج سالم رأسه ببطء.
وقال:
— لا…
أبوك عايش.
لكن…
مش هو الشخص اللي كنت أتمنى تقابليه أبدًا.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *