توفي زوجي اسما السيد
توفي زوجي قبل أن يتمكن حتى من رؤية ابنتنا.
تم تشخيص إصابته بمرضٍ خطير بينما كنت في الشهر الثالث من حملي، لكن عندما اكتشف الأطباء مدى خطورة حالته، كان الوقت قد فات بالفعل. فقد اختطفه مرض نادر في الدماغ قبل أن تتاح له فرصة حمل طفلته بين ذراعيه.
قضيت الأشهر الأخيرة من حملي محطمة تمامًا، أحاول التعايش مع حزني بينما أحمل بداخلي آخر جزءٍ متبقٍ منه.
بذلت عائلتي وأصدقائي كل ما في وسعهم لدعمي.
لكن حماتي، أم مصطفى، قررت أن تجعلني أنا المذنبة.
كانت تقول باستمرار:
«لو كنتِ انتبهتِ مبكرًا أن هناك شيئًا خطيرًا، لكان مصطفى ما زال حيًا.»
«كنتِ معه كل يوم، فكيف لم تلاحظي ما كان يحدث له؟»
«كان لديكِ الوقت لكل مواعيدك الطبية أثناء الحمل، لكن لم يكن لديكِ وقت للاهتمام بزوجك؟»
كانت تكرر تلك الكلمات بلا رحمة، وكأنني اخترت ما حدث.
وكأنني لم أفقد زوجي أنا أيضًا.
في جنازته، بالكاد تحدثت إليها.
كنت منهكة من الحزن، ومثقلة بالحمل، ومكسورة القلب.
وعندما وضعت طفلتي أخيرًا، لم تأتِ أم مصطفى لزيارتنا.
لم تتصل حتى لتسأل:
«هل الطفلة بخير؟»
وفي صباح اليوم التالي للولادة، سُمِع طرق خفيف على باب غرفتي في المستشفى.
دخلت ممرضة تحمل مجموعة من البالونات السوداء.
وكانت هناك علبة هدية صغيرة مربوطة بخيوطها.
أعلم أن الأمر قد يبدو غريبًا…
لكن شعورًا سيئًا اجتاحني فور رؤيتها.
فبعد كل ما مررت به، بدت البالونات السوداء داخل جناح الولادة وكأنها مزحة قاسية.
أخبرتني الممرضة أن الهدية أُرسلت باسمي.
ضممت طفلتي الصغيرة إلى صدري، وظللت أحدق في العلبة لعدة ثوانٍ، غير قادرة حتى على لمسها.
ثم وضعت ابنتي برفق في المهد المجاور للسرير.
ومدت يدي المرتجفة نحو العلبة.
فتحتها ببطء…
وما إن رأيت ما بداخلها…
حتى انفجرت بالبكاء.لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الثاني
ما إن فتحت العلبة…
حتى شعرت أن الهواء اختفى من حولي.
في الداخل…
كانت هناك بدلة أطفال صغيرة.
بيضاء…
وعليها تطريز أزرق بسيط.
لكنها لم تكن أي بدلة.
عرفتها في اللحظة الأولى.
دي كانت أول قطعة هدوم اشتراها مصطفى لبنته.
قبل ما المرض يشتد عليه.
وقبل ما يدخل المستشفى بأيام.
يومها كان ماسكها بإيده ويضحك وهو بيقول:
“لو طلعت بنت… هلبسها دي وأنا أول واحد يشيلها.”
فضلت أبص للبدلة وأنا برتعش.
وتحتها…
كان فيه ظرف أسود.
فتحته.
ولقيت ورقة مكتوب عليها بخط أعرفه كويس…
خط حماتي.
“دي كانت أمنية ابني…
بس انتي حرمتيه منها.
البنت دي هتكبر وهي تعرف إن أمها السبب في موت أبوها.”
شهقت بقوة.
والدموع نزلت من غير ما أقدر أسيطر عليها.
الممرضة أول ما شافت وشي جريت عليا.
قالت بقلق:
“فيه حاجة حصلت؟”
ناولتها الورقة.
قريتها…
واتغير لون وشها.
قالت بانفعال:
“مين اللي عمل كده؟!”
ماقدرتش أتكلم.
كنت ضامة بنتي بقوة.
وخايفة…
خايفة حتى أبص عليها.
كأن الكلمات دي حاولت تسرق مني آخر حاجة باقيالي.
بعد دقائق…
دخل مدير التمريض بنفسه.
وأخد الورقة.
وقال إن إدارة المستشفى هتراجع الكاميرات.
لأن ممنوع أي حد يبعت هدايا بالشكل ده داخل جناح الولادة.
بعد ساعتين…
عرفوا الحقيقة.
الهدية دخلت مع مندوب توصيل.
لكن اللي استلمها عند البوابة…
كانت أم مصطفى بنفسها.
هي اللي كتبت البطاقة.
وهي اللي طلبت من المندوب يسلمها بعد الولادة مباشرة.
رجعت البيت بعد يومين.
حاملة بنتي…
وقلبي مليان خوف.
كنت كل ما أبصلها…
أفتكر كلام مصطفى.
“لو حصلي حاجة…
إوعي تسمحي لحد يكسر قلب بنتنا.”
لكن الحياة مكانتش هتسيبني أرتاح.
بعد أسبوع…
وأنا برضع الصغيرة.
سمعت جرس الباب.
فتحت.
لقيت حماتي.
وراها محامي.
قالت وهي واقفة بكل برود:
“جايين ناخد حق ابننا.”
بصيتلها بعدم فهم.
قال المحامي:
“السيدة أم مصطفى رفعت دعوى تطالب بحضانة الطفلة.”
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
قلت:
“إيه؟!”
قالت وهي رافعة راسها:
“إنتِ مش مؤهلة تربي بنت ابني.”
“إنتِ السبب في موته.”
“وأنا مش هسيب حفيدتي تضيع مع واحدة قتلت أبوها بالإهمال.”
ضحكت.
ضحكة كلها وجع.
وقلت:
“عندك دليل؟”
قالت بثقة:
“هجيب.”
وقفلت الباب في وشهم.
لكن من اللحظة دي…
بدأت الحرب الحقيقية.
الفصل الثالث
بعد أسبوعين…
وصلني أول استدعاء من المحكمة.
الدعوى كانت مليانة اتهامات.
إنني أهملت مصطفى.
وإنني تجاهلت أعراض مرضه.
وإن انشغالي بالحمل هو اللي أدى لتأخر علاجه.
قريت الورق كله…
وحسيت إني بقرأ قصة عن ست تانية.
مش عني.
لأن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
مصطفى…
كان أكتر واحد بيخبي تعبه.
كل ما أقوله:
“وشك أصفر.”
يرد:
“إرهاق شغل.”
كل ما أقول:
“إنت بتنسى كتير.”
يضحك:
“الحمل خلاكي تقلقي على أي حاجة.”
ولما بدأت النوبات تيجي له…
كان يرفض يروح المستشفى.
لحد ما وقع مرة فجأة.
وساعتها بس…
عرفنا الحقيقة.
لكن الورم كان انتشر.
والأطباء قالوا إن الجراحة بقت مستحيلة.
أنا كنت معاه…
في كل جلسة.
وفي كل تحليل.
وفي كل ليلة كان يصحى فيها من الألم.
كنت بنام على كرسي المستشفى.
وأصحى على صوته.
ولما شعري بدأ يقع من التوتر…
كان هو اللي يواسيني.
رغم إنه المريض.
كل ده…
حماتي كانت تعرفه.
لكنها اختارت تنساه.
أول جلسة في المحكمة…
دخلت وهي لابسة أسود.
وكأنها لسه في العزاء.
أول ما شافتني…
بصت لبنتي اللي في العربية الصغيرة.
وقالت بصوت عالي:
“دي نسخة من أبوها.”
“حرام إنه مات قبل ما يشوفها.”
كل الناس بصتلها.
ثم بصتلي.
أنا ما رديتش.
لكن المحامية بتاعتي…
كانت هادية بشكل غريب.
قالتلي:
“سيبيها تتكلم.”
“كل كلمة زيادة…
هتبقى ضدها.”
وبالفعل…
لما القاضي سألها:
“هل عندك دليل إن الأم أهملت زوجها؟”
قالت:
“أنا أمه… وإحساسي بيقول كده.”
القاضي رفع حاجبه.
وقال:
“المحكمة لا تحكم بالإحساس.”
لكنها ما سكتتش.
فضلت تتكلم.
وتتهم.
وتبكي.
وفي الآخر…
طلب القاضي ملف مصطفى الطبي بالكامل.
وقال:
“الحقيقة هتظهر من الأوراق.”
خرجت من المحكمة وأنا لأول مرة أحس إن ربنا ممكن ينصفني.
لكن…
ماكنتش أعرف إن المفاجأة الأكبر…
لسه مستخبية في الملف الطبي نفسه.
يتبع…
الفصل الرابع
بعد أسبوع…
اتحدد موعد الجلسة التانية.
لكن قبلها بيومين…
رن موبايلي.
كان رقم المستشفى.
رديت بسرعة.
جالي صوت الدكتور سامح… استشاري المخ والأعصاب اللي كان متابع حالة مصطفى.
قال بهدوء:
“مدام ريم… محتاج أشوفك ضروري.”
قلبي وقع.
افتكرت للحظة إن فيه حاجة ناقصة في الملف.
أو إن المحكمة طلبت مستندات جديدة.
روحت المستشفى الصبح.
استقبلني الدكتور بنفسه.
كان ماسك ملف أزرق سميك.
وقال:
“فيه حاجة اكتشفناها وإحنا بنراجع الأوراق للمحكمة.”
بصيتله باستغراب.
فتح الملف…
وطلع ورقة.
وقال:
“دي موافقة رفض العلاج.”
أخدتها بإيدي.
كان عليها توقيع مصطفى.
بصيت للدكتور وأنا مش فاهمة.
قال:
“قبل وفاته بثلاثة أشهر… عرضنا عليه يدخل المستشفى فورًا ويبدأ بروتوكول علاجي مكثف.”
“لكن العلاج كان هيعرض الجنين لخطر كبير… لأن زوجته كانت حامل في الشهور الأولى، وكان محتاج وجودها معاه بشكل مستمر.”
وقتها افتكرت.
اليوم ده.
مصطفى خرج من عند الدكتور.
وكان ساكت طول الطريق.
سألته ميت مرة:
“قالك إيه؟”
ابتسم وقال:
“شوية أدوية وهبقى كويس.”
كذب عليا.
علشان ما أقلقش.
الدكتور كمل كلامه:
“إحنا حاولنا نقنعه.”
“لكنه قال جملة عمرها ما هتطلع من دماغي.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“قال… لو العلاج هيأذي بنتي أو يرهق مراتي وهي حامل… أنا مش موافق.”
حطيت إيدي على بقي.
وانفجرت في البكاء.
الدكتور نزل رأسه.
وقال:
“زوجك اختار يحميكم.”
“وما قالكيش الحقيقة.”
فضلت أبكي دقائق.
ثم سألته:
“ليه ما قلتوليش وقتها؟”
رد بأسف:
“هو طلب مننا.”
“وقال إنك لو عرفتي… هتلومي نفسك باقي عمرك.”
خرجت من المستشفى وأنا حاسة إن قلبي بيتكسر للمرة التانية.
لكن لأول مرة…
عرفت إن مصطفى مات وهو بيحاول يحمينا.
الفصل الخامس
الجلسة التانية كانت مليانة ناس.
حماتي دخلت بثقة.
ولما شافتني…
ابتسمت ابتسامة انتصار.
كانت فاكرة إن الق\ضية انتهت.
القاضي طلب الملف الطبي.
وبدأ يقلب فيه.
ثم وقف عند الورقة.
وسأل:
“السيدة أم مصطفى… هل كنتِ على علم إن ابنك رفض العلاج بإرادته؟”
اتلخبطت.
وقالت:
“رفض إيه؟”
القاضي رفع الورقة.
وقرأ جزءًا منها.
ثم طلب من الدكتور سامح يشهد.
وقف الدكتور.
وحكى كل حاجة.
حكى إن مصطفى عرف إن فرص نجاته ضعيفة.
وحكى إنه رفض أي علاج ممكن يسبب مضاعفات للحمل.
وحكى إنه قال بالنص:
“لو ربنا كتبلي أموت… أهم حاجة بنتي تنزل الدنيا بخير.”
قاعة المحكمة كلها سكتت.
أما حماتي…
فوشها اصفر.
قالت وهي بتصرخ:
“ابني مستحيل يعمل كده!”
رد الدكتور بمنتهى الهدوء:
“ده توقيعه.”
“وده تسجيل صوتي لموافقته… محفوظ في ملفه الطبي.”
القاضي طلب تشغيل التسجيل.
وانطلق صوت مصطفى داخل القاعة.
كان صوته ضعيف…
لكنه واضح.
قال:
“أنا مصطفى محمود.”
“بكامل إرادتي… برفض أي إجراء ممكن يضر الجنين.”
“ولو حصل لي حاجة…”
“محدش يلوم مراتي.”
“هي عملت كل اللي تقدر عليه.”
“ولو سمحتوا… بلغوها بعد ما أموت إني كنت فخور بيها.”
أول ما سمعت صوته…
انهرت.
حضنت بنتي وأنا ببكي.
حتى موظفي المحكمة كانت عيونهم مليانة دموع.
أما حماتي…
ففضلت تبص للأرض.
لأول مرة…
ما لقتش كلمة تقولها.
لكن اللي حصل بعد انتهاء الجلسة…
كان أكبر صدمة في حياتها كلها.
الفصل السادس
بعد انتهاء الجلسة…
القاضي أجل الحكم أسبوعين.
لكن قبل ما الناس تخرج…
وقف رجل كبير في آخر القاعة.
كان لابس بدلة رمادية.
وشعره كله أبيض.
وقال:
“حضرة القاضي… لو سمحت.”
الكل بصله.
قال:
“أنا المحامي الشخصي للمرحوم مصطفى.”
التفتُّ له بدهشة.
أنا عمري ما شوفته.
فتح حقيبة جلدية.
وأخرج ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال:
“الموكل سلمني الظرف ده قبل وفاته.”
“وطلب مني ما افتحوش… إلا بعد ولادة بنته.”
“ولو حصل أي نزاع بينها وبين والدته.”
حماتي اتجمدت مكانها.
أما أنا…
حسيت إن قلبي هيقف.
المحامي سلم الظرف للقاضي.
القاضي فتحه ببطء.
وكان بداخله…
رسالة مكتوبة بخط مصطفى.
وصية…
غيرت مصير الجميع.
يتبع…
الفصل السابع
ساد الصمت داخل قاعة المحكمة.
حتى صوت المراوح القديمة كان واضحًا.
القاضي أخرج الرسالة من الظرف بحذر.
كانت عدة صفحات.
مكتوبة بخط مصطفى.
نفس الخط اللي كنت أشوفه كل يوم في ورق شغله.
ونفس الخط اللي كتب بيه أول جواب حب ليا بعد خطوبتنا.
بلعت ريقي.
وإيدي كانت بترتعش.
بدأ القاضي يقرأ:
“بسم الله الرحمن الرحيم…
لو الرسالة دي بتتقرأ، يبقى أنا خلاص بقيت عند ربنا.
وأول حاجة عايز أقولها… يا ريم… سامحيني.
سامحيني إني خبيت عليكي حقيقة مرضي.
أنا كنت عارف من أول يوم إن فرصتي ضعيفة… لكن كنت كل ما أبص في عيونك وأشوف فرحتك بالحمل… ماكنتش أقدر أقولك.”
انهمرت دموعي.
وأنا أسمع اسمي بصوته في الكلمات.
القاضي أكمل القراءة.
“أنا اللي رفضت العلاج.
وأنا اللي وقعت على كل الأوراق.
ومراتي بريئة من أي ذنب.
ولو أمي حاولت في يوم تحملها مسؤولية موتي… يبقى هي ظلمتها.”
بدأت الهمسات تنتشر في القاعة.
حماتي كانت قاعدة ورأسها لأسفل.
لكن القاضي أكمل.
“أمي…
أنا بحبك.
لكن لو كنتي بتقري الرسالة دي… يبقى أرجوكي تبطلي تعذبي ريم.
هي كانت الزوجة اللي أي راجل يتمناها.
سابت شغلها علشاني.
وباعت دهبها علشان تكمل علاجي لما التأمين وقف.
وكانت بتسهر بالأيام جنبي وأنا بتألم.”
رفعت حماتي رأسها فجأة.
ملامحها بدأت تنهار.
لأول مرة…
بان عليها الذهول.
القاضي قلب الصفحة الأخيرة.
وسكت ثواني.
ثم قال:
“دي آخر فقرة.”
وأخذ يقرأ بصوت هادئ:
“ولو ربنا رزقني ببنت…
فأنا أوصي إنها تفضل مع أمها.
لأن محدش هيحبها قدها.
وأوصي بكل ممتلكاتي وحقوقي القانونية باسم بنتي، وتكون ريم هي الوصية الوحيدة عليها حتى تبلغ سن الرشد.
وأرجو من أمي… متحاولش تاخدها من حضن أمها.
لأن ده آخر طلب بطلبه قبل ما أموت.”
انتهت الرسالة.
وساد صمت ثقيل.
ثم…
سمعنا صوت بكاء.
لم يكن صوتي.
كان صوت حماتي.
كانت تبكي لأول مرة منذ وفاة مصطفى.
لكن دموعها جاءت متأخرة جدًا.
الفصل الثامن
بعد أسبوع…
صدر الحكم.
رفضت المحكمة دعوى الحضانة بالكامل.
وأكدت أن كل التقارير الطبية وشهادة الأطباء ورسالة مصطفى تثبت أنني لم أرتكب أي إهمال.
بل وأشارت المحكمة في حيثيات الحكم إلى أن الاتهامات التي وُجهت لي كانت بلا دليل.
خرجت من المحكمة وأنا أحمل ابنتي.
أشعة الشمس كانت دافئة.
لأول مرة منذ شهور…
شعرت أنني أتنفس.
وأثناء نزولي درجات المحكمة…
سمعت صوتًا خلفي.
“ريم…”
التفت.
كانت حماتي.
ملامحها لم تعد كما كانت.
كبرت عشر سنوات في أسابيع قليلة.
اقتربت ببطء.
وقالت وهي تبكي:
“سامحيني.”
نظرت إليها بصمت.
أكملت بصوت مكسور:
“كنت فاكرة إني لما ألاقي مذنب… هيرجعلي ابني.”
“ماكنتش قادرة أصدق إن ربنا اختاره.”
“فاخترت ألومك.”
“لأن لومك كان أسهل من مواجهة الحقيقة.”
كانت تبكي بحرقة.
لكن الجرح داخلي…
كان أعمق من أن يلتئم بكلمة.
قلت بهدوء:
“أنا مسامحاكي لوجه الله.”
“لكن اللي اتكسر… عمره ما يرجع زي الأول.”
ثم حملت ابنتي ومشيت.
لم تمنعني.
ولم تنادِ عليّ.
اكتفت بالنظر إلينا حتى اختفينا من آخر الشارع.
الفصل الأخير
مرت خمس سنوات.
كبرت ابنتي “ليان”.
كانت نسخة من مصطفى.
نفس الابتسامة.
ونفس العينين.
وفي أول يوم لها في المدرسة…
سألتني وهي تمسك صورة أبيها:
“ماما… بابا كان بيحبني؟”
ابتسمت رغم الدموع.
وضممتها إلى صدري.
وقلت:
“يا حبيبتي…”
“أبوك حبك قبل ما يشوفك.”
“وضحى بآخر أمل ليه في الحياة… علشان تتولدي سالمة.”
كبرت ليان وهي تعرف أباها من رسائله وصوره ومواقفه.
ولم أسمح أبدًا أن تحمل في قلبها كراهية تجاه جدتها.
أما أم مصطفى…
فبعد سنوات…
كانت تزورنا أحيانًا.
لا لتأخذ حفيدتها…
بل لتجلس معها ساعة أو ساعتين، ثم تغادر.
كانت تحاول أن تعوض ما أضاعه الغضب.
لكنها كانت تعرف أن بعض الفرص…
لا تعود.
وفي عيد ميلاد ليان السادس…
أخرجت الرسالة التي كتبها مصطفى.
وأعطيتها لابنتنا.
قلت لها:
“دي أول هدية من بابا.”
فتحتها بيديها الصغيرتين.
وقرأت أول سطر بصوت متقطع بعدما ساعدتها:
“إلى ابنتي التي لم أستطع أن أحملها… لكنني حملتها في قلبي حتى آخر نفس.”
احتضنت الرسالة.
ثم رفعت رأسها إلى السماء.
وقالت بابتسامة بريئة:
“أنا بحبك يا بابا.”
وفي تلك اللحظة…
شعرت أن مصطفى…
رغم رحيله…
عاد إلينا بطريقة لم يستطع الموت أن يمنعها.
تمت.