امي وجوزها حكـايـات أسمـا ×2
بعد ما قفلت الباب…
فضلت واقفة مكاني دقيقة كاملة.
كنت سامعة صوت أمي وهي بتعيط برا.
وأبويا ما قالش ولا كلمة.
سابني أنا اللي أقرر.
بعد شوية، الصوت اختفى.
بصيت من العين السحرية…
لقيتهم مشيوا.
تنهدت، لكن جوايا كان في إحساس غريب.
مش شفقة…
ولا فرحة.
كان إحساس إن صفحة طويلة جدًا أخيرًا اتقفلت.
عدت ست شهور.
حياتي بدأت تستقر.
اتخرجت من العلاج الطبيعي، وبقيت أمشي من غير عكاز.
ورشة أبويا كبرت، وبقينا نحلم نفتتح معرض أثاث صغير.
وفي يوم…
جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت بنت واقفة، عمرها حوالي 16 سنة.
أول ما شفتها افتكرتها.
هنا…
بنت شريف.
كانت هي نفسها اللي كانت كل ما تزورنا تاخد أوضتي.
لكن المرة دي…
شكلها كان مختلف.
وشها شاحب، وهدومها بسيطة.
قالت وهي باصة في الأرض:
— ممكن أدخل خمس دقايق؟
بصيت لأبويا.
هز راسه وقال:
— القرار قرارك.
دخلت.
قعدت على الكنبة.
وفضلت ساكتة شوية.
بعدين قالت:
— أنا جيت أعتذر.
استغربت.
قالت وهي بتمسح دموعها:
— زمان كنت صغيرة، وكل اللي كانوا بيقولوه كنت بصدقه… كانوا يقولولي إنك مدلعة، وإن مامتك بتستحملك بالعافية.
سكتت لحظة.
وأضافت:
— لما كبرت… فهمت إنهم ظلموكي.
طلعت ظرف صغير من شنطتها.
وقالت:
— ده كان عند مامتك.
فتحته.
كان فيه عشرات الخطابات.
كلها من أبويا.
ولا واحد منهم وصلني.
كل جواب عليه تاريخ مختلف.
وفي آخر كل واحد…
كان مكتوب نفس الجملة:
“لو قريتي الرسالة دي يومًا… اعرفي إن بابا عمره ما نسيكي.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
حضنت أبويا.
وهو لأول مرة انهار من البكاء.
بعد أسبوع…
رن تليفوني.
رقم غريب.
رديت.
كان مستشفى حكومي.
الموظفة قالت:
— حضرتك الآنسة ليلى؟
قلت:
— أيوه.
قالت:
— والدتك تعبانة جدًا، ومفيش حد معاها غير حضرتك مسجلة كأقرب شخص.
قفلت التليفون.
وقعدت أبص فيه.
أبويا سألني:
— هتروحي؟
قلت بعد تفكير طويل:
— هروح… مش علشان أنسى اللي حصل.
لكن علشان أبقى أحسن منها.
دخلت المستشفى.
لقيت أمي على السرير.
كانت ضعيفة جدًا.
أول ما شافتني…
بكت.
وقالت:
— كنت فاكرة إنك مش هتيجي.
قلت بهدوء:
— أنا جيت أطمن عليكي… مش علشان الماضي اختفى.
مدت إيدها تمسك إيدي.
وقالت بصوت متقطع:
— أنا خسرت كل حاجة… جوزي سابني، والناس بعدت عني… وحتى إنتِ.
رديت وأنا باصة في عينيها:
— أنا ما بعدتش… إنتِ اللي سيبتيني يوم كنت محتاجالك.
سكتت.
وما عرفتش ترد.
خرجت من الأوضة.
لقيت أبويا مستنيني برا.
ابتسم وسأل:
— خلصتي؟
هزيت راسي.
ومشينا سوا.
وأنا ماشية…
حسيت إني أخيرًا اتحررت.
مش لأن اللي ظلمني اتعاقب…
لكن لأني بطلت أعيش أسيرة للوجع اللي سابه جوايا.
ومن يومها…
قررت أبدأ حياتي من جديد، مع الشخص الوحيد اللي أثبت بالأفعال، مش بالكلام، إنه عمره ما بطل يكون أبويا.
بعد سنة…
كانت حياتي اتغيرت تمامًا.
اتخرجت من الجامعة بتقدير ممتاز.
وأبويا كان أول واحد واقف يصفقلي وأنا باخد شهادة التخرج.
لف عليّا قدام الناس كلها، وقال بفخر:
— دي بنتي… وأكبر نعمة ربنا رجعهالي.
وقتها حسيت إن كل وجع السنين اللي فاتت بدأ يختفي.
بعد الاحتفال بأسبوع…
وصلني اتصال من محامي.
قال:
— في حاجة تخص والدتك، ولازم حضرتك تحضري.
استغربت.
رحت مكتبه.
فتح ملف قدامي وقال:
— والدتك كتبت وصية قبل وفاتها بشهر.
شهقت.
قلت:
— توفت؟
هز راسه بأسف.
— للأسف… حصلت لها أزمة قلبية مفاجئة.
سكت مكاني.
رغم كل اللي عملته فيا…
الخبر وجعني.
في الآخر…
كانت أمي.
فتح المحامي الوصية.
وكان فيها جملة واحدة هزت قلبي.
“أنا ظلمت بنتي، ولو الزمن رجع بيا، كنت هختارها هي، مش أي حد تاني.”
وكمان كانت سايبة جواب مكتوب بإيدها.
قرأته بصوت مرتعش.
“يا ليلى…
عارفة إن الاعتذار متأخر.
وعارفة إن مفيش كلام يصلح اللي عملته.
أنا خفت أبقى لوحدي بعد طلاقي من أبوكي، ولما اتجوزت شريف كنت فاكرة إن سعادتي معاه أهم من أي حاجة.
كل مرة كنت بكسرك فيها…
كنت بقنع نفسي إنك هتسامحيني.
لكن اكتشفت متأخر إن الأم اللي بتكسر بنتها… بتكسر نفسها قبلها.
سامحيني لو قدرتي.”
قفلت الجواب.
وماقدرتش أمنع دموعي.
رجعت البيت.
لقيت أبويا قاعد في الجنينة الصغيرة بيسقي الورد.
قالي:
— مالك؟
اديته الجواب.
قرأه كله.
وبعدين سابه على الترابيزة.
وقال بهدوء:
— ربنا هو اللي يحاسب.
أما إحنا…
فنعيش.
ابتسمت.
وقلت:
— أنا مسامحاها… لكن عمري ما هنسى.
قال:
— وده حقك.
بعد ثلاث سنين…
افتتحنا أكبر معرض أثاث في المدينة.
وعلقنا على أول حائط صورة كبيرة.
مش ليا.
ولا لأبويا.
لكن صورة قديمة وأنا طفلة، قاعدة على كتفه وأنا بضحك.
الصورة دي كانت النسخة الوحيدة اللي احتفظ بيها طول 11 سنة وهو محروم مني.
كل زبون كان يسأل:
— دي بنت مين؟
كان يبتسم بنفس الفخر كل مرة ويقول:
— دي بنتي… وأجمل حاجة رجعتلي في الدنيا.
وكل مرة كنت أسمعه يقولها…
كنت أحمد ربنا إن الحقيقة، مهما اتدفنت سنين، بتلاقي طريقها للنور في النهاية.