وجع صامت حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث
ظل أحمد ممسكًا بالظرف البني، بينما أخذت أنفاسه تتسارع.
أخرج أول ورقة.
كانت تقريرًا طبيًا يعود إلى ثمانية أشهر مضت، باسم سارة.
سبب الزيارة: آلام شديدة أسفل الظهر وإجهاد عضلي.
وفي خانة الملاحظات كتب الطبيب:
“يُنصح بمنع الطفلة من حمل أي أوزان، وإجراء فحص إذا استمرت الآلام.”
لكن التقرير لم يُعرض عليه يومًا.
ثم وجد تقريرًا ثانيًا بعده بثلاثة أشهر.
كدمات متفرقة في الكتف والذراع.
والتوصية نفسها…
“يجب سؤال الطفلة عن سبب الإصابات.”
أغمض أحمد عينيه للحظة.
لقد كان يظن أن سارة تصاب أثناء اللعب في المدرسة، كما كانت ندى تخبره دائمًا.
لكن الحقيقة…
أن كل شيء كان يُخفى عنه بعناية.
بين الأوراق ظهر دفتر صغير آخر.
لم يكن دفتر سارة.
بل مفكرة تخص ندى.
في إحدى الصفحات كتبت بخط واضح:
“أحمد لا يشك في أي شيء… طالما البيت مرتب وسارة ساكتة.”
وفي صفحة أخرى:
“البنت بقت تعرف تعمل كل حاجة… أحسن من أي مربية.”
شعر أحمد بالغثيان.
كيف يمكن لإنسان أن يتحدث عن طفلة في السابعة وكأنها خادمة؟
في اليوم التالي، بدأ رجال الشرطة سؤال الجيران.
كانت المفاجأة أن الجميع لاحظ شيئًا.
لكن كل واحد منهم ظن أن الآخر أبلغ.
قالت إحدى الجارات:
— كنت بشوف سارة كل يوم شايلة أخوها وهي طالعة تنشر الغسيل.
وقال رجل يسكن في المنزل المقابل:
— أكتر من مرة شفتها ترمي كيس الزبالة الكبير لوحدها.
وأضافت سيدة مسنة:
— سألتها مرة: “فين مامتك؟”
قالتلي: “نايمة… وأنا لازم أخلص الشغل قبل ما تصحى.”
لكن أكثر شهادة هزت أحمد جاءت من حارس المجمع.
قال:
— حضرتك فاكر الكلب رعد؟
أحمد أومأ برأسه.
قال الحارس:
— كل يوم تقريبًا كان يقعد قدام باب البيت من بره… وينبح.
كنت مستغرب.
دلوقتي فهمت.
كان حاسس إن في حاجة غلط.
بعد يومين…
استقرت حالة عمر الصحية.
أما سارة، فكانت تتحسن ببطء.
لكنها أصبحت تخاف من النوم وحدها.
وفي إحدى الليالي، استيقظ أحمد على صوت بكائها.
دخل غرفتها بسرعة.
وجدها جالسة على السرير وهي ترتجف.
قال:
— مالك يا حبيبتي؟
همست وهي تبكي:
— حلمت إن عمر بيعيط… وأنا مش قادرة أشيله.
جلس بجانبها.
قالت وهي تنظر إلى الأرض:
— أنا وحشة؟
تجمد مكانه.
— ليه بتقولي كده؟
قالت بصوت منكسر:
— ندى كانت بتقول إن أي حاجة تحصل لعمر تبقى بسببي… وإن أنا فاشلة.
احتضنها أحمد بقوة.
وقال:
— اسمعيني كويس…
الطفل اللي عمره سبع سنين…
مش مسؤول عن تربية طفل رضيع.
إنتِ كنتِ ضحية.
ولستِ مذنبة.
في الأسبوع التالي، استدعت الشرطة ندى مرة أخرى.
كانت لا تزال تنكر كل شيء.
وقالت بثقة:
— سارة بتكدب عشان تغيرني.
عندها وضع الضابط جهازًا صغيرًا على الطاولة.
وضغط زر التشغيل.
خرج صوت لم تكن تتوقعه.
كان تسجيلًا صوتيًا التقطته كاميرا المطبخ.
صوت عمر يبكي.
ثم صوت سارة تقول:
— ضهري بيوجعني… مش قادرة أشيله.
ثم جاء صوت ندى ببرود:
— اسكتي… ولو وقع منك هتعرفي اللي هيحصلك.
ساد الصمت.
اختفى لون وجه ندى.
ولم تجد هذه المرة أي كلمة تقولها.
وفي نهاية الجلسة…
قال الضابط لأحمد:
— يبدو أن القض*ية أكبر مما تصورنا.
رفع أحمد رأسه باستغراب.
أكمل الضابط:
— أثناء مراجعة التحويلات البنكية اكتشفنا أن هناك مبالغ كانت تُحوَّل شهريًا إلى شخص مجهول.
وعندما عرفنا هويته…
اتضح أنه ليس غريبًا عن عائلتكم.
بل شخص من أقرب الناس إليكم.
شخص كان يعرف ما يحدث داخل المنزل…
وكان يحصل على المال مقابل صمته.
تبادل أحمد والضابط النظرات.
وسأل بصوت خافت:
— مين؟
أجاب الضابط وهو يدفع أمامه صورة من الملف:
— شقيق ندى.
وهنا أدرك أحمد أن المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن كشف الحقيقة كاملة سيقوده إلى أسرار أخفاها هذا الشخص لسنوات.
الفصل الرابع
ظل أحمد ينظر إلى الصورة الموضوعة أمامه فوق المكتب.
كان الرجل الذي يظهر فيها هو سامح، شقيق ندى.
لم يكن غريبًا عن العائلة.
بل كان يدخل البيت ويخرج منه بحرية، ويجلس مع الأطفال، ويمازح سارة وكأنه عمها المحب.
رفع أحمد رأسه نحو الضابط وسأل بصوت ثابت:
— إيه علاقته بالموضوع؟
أجاب الضابط وهو يفتح ملفًا جديدًا:
— خلال آخر سنة، ندى حولت له مبالغ مالية بشكل دوري. ولما راجعنا مكالماتهم، لقينا إنها كانت بتكلمه تقريبًا كل يوم بعد ما حضرتك تخرج للشغل.
أضاف الضابط:
— والأغرب… إنه كان بيزور البيت في أوقات كتير وإنت مش موجود.
شعر أحمد بقشعريرة تسري في جسده.
لم يعد يعرف أي الذكريات كانت حقيقية، وأيها كانت مجرد تمثيل.
استدعت الشرطة سامح للتحقيق.
دخل بثقة، وجلس واضعًا ساقًا فوق الأخرى.
قال بابتسامة ساخرة:
— خير؟ أنا مالي؟
وضع الضابط أمامه صورًا من كاميرات المراقبة.
ظهر فيها وهو يدخل المنزل، بينما كانت ندى تغادر بعد دقائق.
ثم ظهرت سارة تحمل عمر، وتحاول تهدئته، بينما يجلس سامح في غرفة المعيشة ممسكًا بهاتفه، غير مبالٍ ببكاء الطفلين.
اختفت الابتسامة من وجهه.
قال مرتبكًا:
— كنت فاكرها موجودة جوه.
رد الضابط:
— التسجيل مدته ثلاث ساعات.
ولا مرة قمت تساعد البنت أو تطمن على الطفل.
بل خرجت وسيبتهم لوحدهم.
خفض سامح رأسه.
في تلك الأثناء، كانت سارة تخضع لجلسات مع أخصائية نفسية.
في أول جلسة لم تتحدث.
وفي الثانية قالت كلمات قليلة.
أما في الثالثة…
فقالت شيئًا جعل الأخصائية تطلب مقابلة أحمد فورًا.
جلست أمامه وقالت بهدوء:
— بنتك كانت مقتنعة إنها لو مرضت أو تعبت، يبقى ده ذنبها لأنها مش قادرة تخدم البيت.
أغمض أحمد عينيه بألم.
أكملت الأخصائية:
— والأخطر… إنها كانت تمنع نفسها من الأكل أحيانًا.
نظر إليها أحمد في ذهول.
— ليه؟
قالت:
— لأن ندى كانت بتقولها إن عمر أولى بالأكل منها.
وإن البنت الكبيرة لازم تضحي.
شعر أحمد بأن صدره يضيق.
كيف تحملت طفلته كل هذا دون أن تنطق؟
بعد أسبوع، بدأت سارة تستعيد شيئًا من طفولتها.
خرجت إلى الحديقة لأول مرة.
ركضت خلف رعد، فضحك الكلب وقفز حولها، وكأنه هو الآخر شعر بأنها عادت طفلة بعد أن سُرقت منها سنوات من عمرها.
جلس أحمد يراقبهما من بعيد.
وفجأة جاءت سارة وجلست بجواره.
قالت بخجل:
— بابا…
— نعم يا حبيبتي؟
— ينفع ألعب؟
ابتسم أحمد، لكن دموعه سبقته.
قال:
— ده حقك يا سارة.
اللعب مش جائزة…
اللعب طفولتك.
ركضت الصغيرة نحو الأرجوحة وهي تضحك.
وكانت تلك أول ضحكة حقيقية يسمعها منذ شهور.
في المقابل، بدأت الأدلة تتراكم ضد ندى.
تقارير المستشفى.
تسجيلات الكاميرات.
شهادات الجيران.
التحويلات البنكية.
ورسائلها التي كانت ترسلها لسارة، تأمرها فيها بالأعمال المنزلية.
لم يعد هناك مجال للإنكار.
لكن قبل موعد الجلسة بيوم واحد…
حدث أمر لم يكن أحد يتوقعه.
رن هاتف أحمد.
كان الرقم مجهولًا.
فتح الخط.
جاءه صوت امرأة مسنة تبكي.
قالت:
— أنا والدة ندى.
سكتت لحظة ثم أضافت:
— لازم أقابلك… لأن عندي حاجة مخبياها من سنين، ولو ما قلتهاش دلوقتي، هتفضل الحقيقة ناقصة.
سألها أحمد بقلق:
— أي حقيقة؟
أجابته بصوت مرتجف:
— ندى… ما كانتش بتكره سارة من غير سبب.
في حاجة حصلت يوم وفاة أمها الحقيقية…
وحان الوقت تعرفها.
ساد الصمت.
وشعر أحمد أن بابًا جديدًا من الأسرار قد فُتح…
وأن الحقيقة التي يبحث عنها قد تكون أكثر تعقيدًا مما تخيل.
الفصل الخامس

لم ينم أحمد تلك الليلة.

ظل صوت والدة ندى يتردد في رأسه:

“الحقيقة ناقصة…”

في صباح اليوم التالي، ذهب إلى العنوان الذي أرسلته إليه.

كان منزلًا قديمًا في أحد أحياء الإسكندرية الهادئة. فتحت له امرأة تجاوزت السبعين من عمرها، بدت عليها علامات التعب والندم.

قالت وهي تشير إليه بالدخول:

— كنت مستنية اليوم ده من زمان.

جلس أحمد بصمت، بينما وضعت أمامه صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

فتحته ببطء.

في داخله صور قديمة، وخطابات، ومذكرة جلدية باهتة.

قالت المرأة بصوت مكسور:

— ندى كانت عندها أربعة عشر سنة لما ماتت أمها. من يومها وهي شايفة إن الدنيا ظلمتها. لكن اللي ما تعرفوش… إنها كانت بتغير من أي طفل يحظى بحنان افتقدته هي.

تنهدت وأكملت:

— لما اتجوزتها، كنت فاكرة إنها هتبدأ حياة جديدة. كنت فاكرة إنها هتعوض اللي اتحرمت منه… مش إنها تعيده في غيرها.

فتح أحمد إحدى الصور.

كانت ندى صغيرة، تقف بجوار والدتها، لكنها كانت تنظر إلى الأرض بينما تحتضن الأم طفلًا آخر.

همست المرأة:

— أخوها الصغير كان مريض، وكل اهتمام أمها كان بيكون ليه. ندى فضلت شايلة الإحساس ده طول عمرها.

سألها أحمد بهدوء:

— وهل ده يبرر اللي عملته؟

أجهشت بالبكاء.

— أبدًا… وعلشان كده أنا جيت أقول الحقيقة. الألم اللي عاشته ما يديهاش الحق تصنع ألم أكبر لطفلة بريئة.

—

في اليوم نفسه، بدأت جلسة المحكمة الأولى.

حضرت ندى وهي تحاول أن تبدو قوية.

لكنها عندما رأت سارة تدخل القاعة ممسكة بيد والدها، ارتبكت لأول مرة.

اقترب القاضي من الطفلة بلطف.

وقال:

— يا سارة… مش لازم تقولي غير الحقيقة.

نظرت الصغيرة إلى أحمد.

ابتسم لها مشجعًا.

فقالت بصوت هادئ:

— كنت فاكرة إن كل البنات في سني بيغيروا الحفاضات ويطبخوا ويشيلوا البيبي.

ساد الصمت داخل القاعة.

وأكملت:

— كنت كل يوم بدعي بابا يرجع بدري… بس ما كنتش بقول له حاجة عشان كنت خايفة.

رفع القاضي رأسه نحو ندى.

كانت تبكي.

لكن دموعها هذه المرة لم تمحُ شيئًا من الأدلة.

—

بعد انتهاء الجلسة، خرج أحمد مع طفليه.

كان عمر يضحك في عربته الصغيرة.

أما سارة، فتوقفت فجأة أمام محل ألعاب.

نظرت إلى دمية صغيرة خلف الزجاج.

ابتسم أحمد.

دخل المحل واشترى لها الدمية.

احتضنتها بقوة، ثم سألته:

— هي بقت بتاعتي؟

ضحك وهو يمسح دمعة سالت من عينه.

— أيوه يا حبيبتي… ومن النهارده كل حاجة تخص طفولتك هترجعلك.

ابتسمت لأول مرة دون خوف.

لكن في اللحظة التي هموا فيها بالانصراف، أوقفهم أحد رجال الشرطة.

وقال لأحمد:

— في مستند جديد وصل النيابة من البنك.

فتح أحمد الظرف بسرعة.

كانت فيه تفاصيل حساب مصرفي باسم ندى.

لكن المفاجأة لم تكن في الرصيد…

بل في اسم الشخص الذي كان يحول إليه الأموال بانتظام.

لم يكن شقيقها سامح.

بل شخص يحمل اسمًا جعل أحمد يتجمد في مكانه…

والده هو.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *