بنتي باعت حكـايـات أسمـا السـيد
بنتي باعت آخر حاجة فاضلة من أمها المتوفية علشان تسافر مصيف… ولما كلمت محل الرهن أرجعها، اللي لقوه جوه القلادة قلب حياتي كلها.
من أول ما صحيت الصبح…حسيت إن في حاجة ناقصة في البيت…فتحت درج الكومودينو اللي جنب سريري…
ولقيته فاضي.قلادة منى… مراتي الله يرحمها… اختفت.
كانت سلسلة فضة بسيطة، متعلقة فيها ميدالية بيضاوية صغيرة.
طول ستة وعشرين سنة جواز…ما كانتش بتقلعها أبدًا.
ولما السرطان خطفها مني…
لفيت القلادة في منديل أزرق كانت محتفظة بيه من أول مرة خرجنا فيها سوا، وحطيتها في الدرج…مكنتش أغلى حاجة تملكها…لكن كانت آخر حاجة باقية ريحتها فيها.
قلبت الأوضة كلها…فتشت الدولاب.
حتى صندوق الصور القديمة اللي تحت السرير فتحته.
وفجأة…لقيت بنتي ريم واقفة على باب الأوضة.
إيديها متشابكة، ومش قادرة تبصلي.
سألتها بهدوء: ريم… فين سلسلة أمك؟
ردت بمنتهى البرود: بعتها.
افتكرت إني ما سمعتش كويس.قلتلها: بعتيها؟!
قالت: كنت محتاجة فلوس علشان أسافر مع صحابي.
الكلمتين وقعوا عليّا كأن حد خبطني في صدري.
قلادة أمها…اتبدلت بتذكرة سفر وفندق.
قلت وأنا مش مصدق: إنتِ عملتي كده بجد؟
قالت وهي بترفع كتفها:أنا عندي 23 سنة… ومن حقي أعيش حياتي.
قلت:دي ما كانتش ملكك.
ردت بعصبية: ماما ماتت يا بابا… وإنت كل يوم تفضل تبص للسلسلة .. السلسله مش هترجعها تاني.
سكت.
لأن لو فضلت واقف ثانية كمان…كنت هقول كلام أندم عليه طول عمري…خرجت من البيت.
وفضلت أكلم كل محلات الرهن اللي حواليا.
أول محل…مفيش.
التاني..لأ.
التالت..برضه لأ.
لكن رابع محل رد عليا صاحبه وقال:حضرتك تقصد ميدالية فضة بيضاوية، عليها وردة صغيرة محفورة من ورا؟
اتسندت على الحيطة.
وقلت بسرعة: أيوه… أرجوك ما تبيعهاش. هدفع ضعف اللي أخدته بنتي.
سكت الراجل لحظة…وبعدين قال بصوت غريب: في حاجة لازم تعرفها الأول.
قلت بقلق: خير؟
قال: إحنا وإحنا بنفحصها اكتشفنا إن الميدالية بتتفتح.
اتجمدت..قلت: بتتفتح؟!
رد: حضرتك ماكنتش تعرف؟
قلت: لأ… عمرها ما قالتلي.
قال:لقينا جواها مفتاح صغير جدًا، وورقة مطوية عليها اسم واحد.
قلبي بدأ يدق بسرعة..سألته:
اسم مين؟قال: يوسف الشاذلي.
الاسم وقع عليّا كالصاعقة.
لأن يوسف الشاذلي…كان أول زوج لمراتي.
واللي هي قالتلي إنه مات قبل ما أعرفها.
لكن…أنا كنت عارف إنها كذبة…لأن بعد جنازة منى بثلاثة أسابيع…
الراجل ده بنفسه وقف على باب بيتي.
كان هزيل، وخايف، وبيبص حواليه باستمرار.
وأول سؤال سأله كان: منى سابتلك اللي جوه القلادة؟
وقبل ما ألحق أستوعب أي حاجة…اختفى.
رجعت بصيت لبنتي.
كانت واقفة، والصدمة مرسومة على وشها.
وقالت بصوت مرتعش:
— هو… ماما كانت مخبية إيه؟لكن…
ما عرفتش أرد…لأني لأول مرة منذ وفاة منى…
بدأت أخاف من الحقيقة اللي أخدتها معاها وهي ماشية..
ياتري مني مخبيه ايه؟؟ يالا لايك وسيب تعليق بتم والصلاه علي محمد وهيوصلك اشعار بباقي القصه ..
حكايات أسما السيد حصري
@أبرز المعجبينالجزء الثاني
فضلت واقف مكاني…
والاسم لسه بيرن في ودني.
يوسف الشاذلي.
الراجل اللي منى قالتلي من سنين إنه مات.
والراجل اللي ظهر بعد جنازتها وسألني عن القلادة.
وصاحب محل الرهن مستني ردي على التليفون.
قلتله بسرعة:
— المفتاح والورقة لسه عندك؟
رد:
— أيوه، أنا ما لمستش حاجة بعد ما لقيتهم.
— اقفل المحل، وما تسلمش القلادة لحد.
سكت شوية وقال:
— حضرتك جاي دلوقتي؟
— في الطريق.
قفلت المكالمة.
بصيت لريم.
كانت واقفة قدامي ووشها فقد لونه.
قالت بصوت ضعيف:
— بابا… أنا ما كنتش أعرف إن فيها حاجة.
ما رديتش.
خدت مفاتيحي وخرجت.
لكن قبل ما أقفل الباب، سمعتها بتقول:
— أنا جاية معاك.
لفيت لها.
— لأ.
— أنا اللي بعتها، ومن حقي أعرف.
رديت لأول مرة بعصبية:
— من حقك؟ إنتِ بتتكلمي عن الحق دلوقتي؟
نزلت عينيها في الأرض.
— أنا غلطت.
قلت بمرارة:
— الغلطة إنك تكسري كوباية… مش إنك تبيعي آخر حاجة من أمك علشان مصيف.
قربت مني.
— أنا ما كنتش فاهمة قيمتها عندك للدرجة دي.
ضحكت ضحكة قصيرة، مفيهاش فرحة.
— وإمتى كنتِ ناوية تفهمي؟ بعد ما تتباع؟
سكتت.
كنت هخرج لوحدي.
لكن بصيت لوشها…
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
مش خوف من زعلي.
خوف من الاسم اللي سمعته.
يوسف الشاذلي.
قلت:
— انزلي.
ركبنا العربية.
طول الطريق…
محدش فينا اتكلم.
ريم كانت ماسكة إيديها ببعض.
وأنا كنت بحاول أفتكر كل تفصيلة حصلت يوم ما يوسف جه بعد الجنازة.
كان لابس قميص رمادي قديم.
وشه شاحب.
وفي جرح صغير جنب حاجبه.
فضل واقف على الباب أقل من دقيقة.
قال:
— منى سابتلك اللي جوه القلادة؟
سألته:
— إنت مين؟
قال:
— اسمي يوسف.
ساعتها عرفت الاسم.
لكن قبل ما أواجهه…
لف ناحية الشارع.
وكان واضح إن في عربية واقفة بعيد.
اتوتر.
وقال:
— لو لقيت المفتاح… ما تروحش لوحدك.
وبعدين مشي بسرعة.
حاولت ألحقه.
لكن اختفى بين العربيات.
من وقتها…
افتكرت إن الحزن لعب بعقلي.
وإن الراجل ده يمكن نصاب.
لكن دلوقتي…
المفتاح كان موجود فعلًا.
وصلنا محل الرهن.
صاحبه كان راجل في أواخر الخمسينات، اسمه عم نبيل.
أول ما شافنا…
قفل الباب من جوه.
طلع القلادة من صندوق صغير.
حطها قدامي بحذر.
إيدي اترعشت وأنا بشوفها.
نفس الخدوش الصغيرة.
نفس الوردة المحفورة من ورا.
فتحت الميدالية.
كان فيها تجويف ضيق.
وجواه مفتاح نحاس صغير جدًا.
وورقة مطوية أربع مرات.
فتحتها.
مكتوب بخط منى:
“يوسف الشاذلي — محطة الرمل — خزنة 214.”
ريم بصتلي.
— دي خزنة فين؟
عم نبيل قال:
— ممكن تكون خزنة أمانات قديمة في محطة قطار، أو بنك، أو فندق.
قلت:
— ومحطة الرمل دي في إسكندرية.
عم نبيل هز راسه.
— الخزنة رقم 214 غالبًا لها مكان محدد.
قلبت الورقة.
كان في ظهرها جملة تانية، أصغر:
“لو أنا ما رجعتش… يوسف عارف يعمل إيه.”
حسيت إن نفسي اتقطع.
منى كتبت الجملة وهي مستنية إنها ممكن ما ترجعش.
ريم همست:
— ماما كانت خايفة من حد؟
قبل ما أرد…
عم نبيل قرب القلادة من النور.
وقال:
— في حاجة تانية.
بصيت له بسرعة.
— إيه؟
أشار لجنب الميدالية.
كان فيه خط رفيع محفور.
لف الجزء المعدني بإيده.
وطلع جزء صغير جدًا، شبه أنبوبة.
جواها…
قطعة ورق ملفوفة.
فتحناها.
كان فيها تاريخ.
قبل ما أعرف منى بأسبوعين.
وتحت التاريخ رقم تليفون قديم.
ريم قالت:
— نكلمه؟
قلت:
— الخط ده أكيد اتلغى من سنين.
عم نبيل قال:
— ممكن الرقم كان تابع لجهة أو مكتب.
بصيت للتاريخ تاني.
اليوم ده…
كان قبل أول لقاء بيني وبين منى بأربعتاشر يوم.
يعني كل السر بدأ قبل ما تدخل حياتي.
أخدت القلادة والمفتاح.
دفعت لعم نبيل أكتر من المبلغ اللي خدتُه ريم.
لكنه رفض الزيادة.
قال:
— رجّع الحاجة لصاحبتها… حتى لو صاحبتها مش موجودة.
نزلنا من المحل.
وقبل ما نركب العربية…
وقف قدامنا راجل طويل لابس كاب أسود.
بص للقلادة اللي في إيدي.
وقال:
— أخيرًا لقيتوها.
ريم قربت مني بخوف.
سألته:
— إنت مين؟
رفع عينه.
وكان عنده نفس الجرح القديم جنب حاجبه.
قال:
— أنا يوسف.
—
الجزء الثالث
حسيت إن الزمن رجع بيا سنين.
نفس الملامح…
بس أكبر.
أضعف.
وشعره بقى أغلبه أبيض.
لكن ماكانش في شك.
هو نفس الراجل اللي وقف قدام بيتي بعد جنازة منى.
قلت وأنا باصص له:
— إنت كنت عارف إن القلادة هتتباع؟
رد:
— لأ. كنت مراقب البيت.
ريم قالت بحدة:
— مراقبنا ليه؟
يوسف بص لها طويلًا.
وبعدين قال:
— علشان إنتِ بنت منى.
ريم اتوترت.
— وإنت مالك بيا؟
رد بهدوء:
— أكتر مما تتخيلي.
مسكته من ياقة قميصه.
— اتكلم واضح.
ما قاومش.
قال:
— مش هنا.
— هنتكلم هنا.
بص ناحية عربية رمادي واقفة آخر الشارع.
قال بصوت منخفض:
— الناس اللي كانوا بيدوروا على منى زمان… رجعوا يدوروا على القلادة.
لفيت ناحية العربية.
زجاجها غامق.
والموتور شغال.
يوسف قال:
— لو فضلنا واقفين، هيعرفوا المفتاح مع مين.
فتحت باب عربيتي.
— اركب.
ركبنا التلاتة.
مشيت بسرعة.
يوسف كان باصص في المراية كل شوية.
ريم كانت في الكنبة الخلفية، وشها مليان أسئلة.
قلت:
— أول حاجة… منى ما كانتش مراتك؟
رد بعد صمت:
— كانت.
— وقالتلي إنك مت.
— كان لازم تقول كده.
— ليه؟
— علشان ما تدورش ورايا.
قبضت على الدركسيون.
— ستة وعشرين سنة وأنا متجوزها. ما قالتليش الحقيقة.
يوسف قال:
— قالتلك الجزء اللي يحميك.
— يحميني من إيه؟
بص ناحية ريم.
— من اللي قتل أبوها.
العربية انحرفت مني للحظة.
وقفت على جنب فجأة.
ريم شهقت.
أنا لفيت له.
— إنت قولت إيه؟
يوسف بص لريم.
— أبوكي الحقيقي مات قبل ما أمك تعرف والدك اللي رباكي.
ريم بصتلي.
ببطء.
كأنها مستنية مني أنكر.
لكن أنا نفسي ما كنتش فاهم.
قالت:
— بابا… هو بيقول إيه؟
قلت ليوسف:
— اخرس.
لكنه كمل:
— لازم تعرف.
صرخت:
— قولت اخرس!
ريم قالت بصوت مكسور:
— بابا… أنا مش بنتك؟
لفيت لها بسرعة.
— إنتِ بنتي.
— لكن هو بيقول…
— إنتِ بنتي من يوم ما اتولدتي، ومحدش يقدر يغير ده.
يوسف قال:
— أنا مش جاي أخدها منك.
بصيت له بغضب.
— يبقى جاي ليه؟
— علشان منى ماتت، والسر اللي خبته بقى مكشوف.
سألته:
— مين أبوها؟
يوسف نزل عينه.
— أخويا.
الصمت نزل على العربية.
ريم كانت بتتنفس بصعوبة.
قلت:
— يعني إنت مش زوج منى الأول؟
— كنت زوجها رسميًا لثلاث شهور بس.
— وأخوّك؟
— كان الشخص اللي بتحبه.
أنا ما فهمتش.
قال يوسف:
— أخويا اسمه ياسين. كان بيشتغل محاسب في شركة كبيرة. اكتشف إن أصحاب الشركة بيغسلوا فلوس من خلال جمعيات خيرية مزيفة.
ريم سألت:
— وماما كانت تعرفه؟
— كانت شغالة في نفس الشركة.
كمل يوسف:
— ياسين جمع ملفات تثبت كل حاجة. لكن قبل ما يسلمها للنيابة… اتقتل.
قلت:
— منى قالتلي إن جوزها مات في حادث.
— الحادث كان مدبر.
— وإنت اتجوزتها ليه؟
— علشان أحميها.
بصيت له بعدم تصديق.
قال:
— بعد موت ياسين، عرفت إنها حامل. والناس اللي قتلوه كانوا بيدوروا على أي دليل عندها. عملنا جواز رسمي بسرعة، علشان اسم الطفل يبقى بعيد عن اسم ياسين، ونقدر نهربها.
ريم حطت إيدها على بطنها.
— يعني ماما كانت حامل بيا؟
يوسف هز راسه.
— آه.
— وإنت طلقتها؟
— بعد ما خرجنا من إسكندرية. كنت مفروض أسافر بيها بره مصر.
بصلي.
— لكنها قابلتك.
افتكرت أول مرة شوفت منى.
كانت قاعدة في مكتبة صغيرة.
هادية.
خايفة.
كل ما باب المكان يفتح، تبص بسرعة.
افتكرت إنها شخصية خجولة.
لكن يمكن كانت مرعوبة.
يوسف قال:
— منى قالت إنك أول شخص حسّت معاه بالأمان.
قلت بمرارة:
— ومع ذلك فضلت تكذب عليا.
يوسف رد:
— هي ما كذبتش علشان تستغلك. هي كانت خايفة لو عرفت، تسيبها أو تتأذى.
ريم سألته:
— والقلادة فيها إيه؟
قال:
— المفتاح بيفتح خزنة فيها نسخة من الأدلة.
— وخزنة 214 فين؟
يوسف بص قدامه.
— في محطة قطار سيدي جابر القديمة.
قلت:
— الورقة مكتوب عليها محطة الرمل.
قال:
— دي كانت الإشارة، مش المكان.
— يعني إيه؟
— يوسف الشاذلي محطة الرمل… كان اسم مستعار في مكتب بريد قديم. الخزنة نفسها في سيدي جابر.
سألته:
— وليه ما أخدتهاش أنت؟
قال:
— علشان المفتاح كان مع منى. وهي رفضت تسلمهولي.
— ليه؟
— لأنها شكت إني خنت ياسين.
ريم قالت:
— خنته؟
يوسف سكت.
قلت:
— رد.
بص لنا.
— أنا قلت مكانه للناس اللي قتلوه.
ريم شهقت.
يوسف كمل بسرعة:
— لكن ما كنتش أعرف إنهم هيقتلوه. كانوا مهدديني بأمي.
نزل عينه.
— ياسين مات بسببي.
فهمت وقتها ليه منى خبت المفتاح عنه.
وليه كتبت اسمه.
كانت مش واثقة فيه…
لكن عارفة إنه الوحيد اللي فاهم السر.
فجأة…
ظهر ضوء عربية وراينا.
العربية الرمادي.
يوسف بص للمراية.
— اتحرك.
قلت:
— مين دول؟
— نفس الناس… أو ولادهم.
شغلت العربية.
وانطلقت.
—
الجزء الرابع
فضلت العربية الرمادي وراينا طول الطريق.
كل ما أسرع…
تسرع.
كل ما ألف…
تلف.
يوسف قال:
— ما تروحش البيت.
— وريم؟
— لازم تفضل معانا.
ريم قالت بخوف:
— أنا مش هسيبكم.
دخلت شارع جانبي ضيق.
وبعدين لفيت فجأة ناحية موقف مزدحم.
العربية الرمادي اضطرت تقف.
استغليت الزحمة وخرجت من شارع تاني.
بعد عشر دقايق…
اختفت.
وقفنا قدام فندق قديم قريب من البحر.
يوسف قال:
— ندخل ساعة واحدة لحد ما أتأكد إن محدش تابعنا.
حجزنا أوضة باسم مختلف.
أول ما دخلنا…
قفلت الباب.
وقفت قدام يوسف.
— دلوقتي هتقول كل حاجة من الأول للآخر.
قعد على الكرسي.
وقال:
— الشركة كان اسمها الشرق للاستثمارات. أصحابها كانوا رجال أعمال معروفين. بيجمعوا تبرعات لأطفال مرضى، لكن معظم الفلوس كانت بتتحول لحسابات بره.
ريم قالت:
— وماما كانت شغالة عندهم؟
— في الحسابات.
— وهي اكتشفتهم؟
— ياسين اكتشف الأول، وهي ساعدته يجمع المستندات.
قلت:
— وإنت كنت بتشتغل معاهم؟
هز راسه.
— كنت سواق عند واحد من الشركاء.
— وقلت لهم مكان أخوك؟
— هددوني بأمي. قالوا هيسيبوه يعيش لو سلم الأوراق.
ضحك بحزن.
— صدقتهم.
سألته:
— ليه الأدلة ما ظهرتش من ساعتها؟
— لأن ياسين قسمها. نسخة معاه، ونسخة مع منى، ونسخة في الخزنة.
— والنسخة اللي كانت معاه؟
— اختفت بعد موته.
— واللي مع منى؟
— حرقتها قدامي.
ريم قالت:
— ليه؟
— علشان تقنعهم إن كل الأدلة راحت.
يوسف كمل:
— لكن قبل ما تحرقها، كانت صورت أهم الأوراق وحطتها في الخزنة. القلادة كانت المفتاح الوحيد.
قلت:
— وبعد ما اتجوزتني؟
— غيرت اسمها، وبعدت عن إسكندرية، وخلفت ريم.
ريم سألته:
— هي كانت بتحب بابا؟
بصتلي وأنا سكت.
يوسف قال:
— أكتر مما تتخيلي.
— إنت عرفت منين؟
— كانت بتبعتلي جواب كل كام سنة من غير عنوان رجوع.
طلع من جيبه ظرف قديم.
قدمهولي.
الورق مصفر.
خط منى.
فتحت أول جواب.
“يوسف،
أنا مش مسامحاك، ويمكن عمري ما أسامحك.
لكن لازم تعرف إني كويسة.
اتجوزت راجل اسمه سامح.
ما يعرفش حاجة.
بس هو أحن من أي حد قابلته.
لو جرالي حاجة، ما تقربش من بيته إلا لو الخطر رجع.
ريم بتناديه بابا، وده حقه.”
وقفت عند الجملة.
عيني دمعت.
ريم قربت.
قريت الورقة معايا.
كان واضح إن أمها حسمت من زمان مين أبوها الحقيقي في حياتها.
مش بالدم…
لكن بالفعل.
يوسف طلع جواب تاني.
“سامح عمره ما حسسني إني مكسورة.
وما سألنيش ليه بخاف من العربيات السودا.
كل مرة أصحى مفزوعة، يقوللي: أنا هنا.
أنا عارفة إني ظالماه بالحقيقة اللي خبيتها.
لكن نفسي يعيش بعيد عنها.”
قعدت على طرف السرير.
كل الغضب اللي جوايا اتلخبط.
كنت زعلان إنها كذبت.
لكن بين السطور…
كنت شايف خوفها.
ريم كانت بتعيط في صمت.
قالت:
— هي كانت بتخاف طول عمرها وإحنا ماخدناش بالنا.
يوسف قال:
— آخر جواب وصلني قبل مرضها بسنة.
طلع ورقة تالتة.
“المرض بدأ.
لو أنا مت، ما تدورش على ريم.
سامح أبوها.
القلادة هتفضل معاه، حتى لو ما فهمش قيمتها.
لما ييجي الوقت، الحقيقة هتلاقي طريقها.”
رفعت عيني.
— هي كانت عارفة إن ريم ممكن تبيعها؟
يوسف قال:
— لا. لكنها كانت عارفة إن القلادة مش هتفضل مستخبية للأبد.
ريم نزلت راسها.
وقالت:
— أنا ضيعت كل حاجة.
بصيت لها.
— لسه ما ضيعتيش.
— لو ما كنتش بعتها…
— كنا يمكن ما نعرفش الحقيقة أبدًا.
مسحت دموعها.
لكن قبل ما نتكلم أكتر…
اتخبط باب الأوضة.
ثلاث خبطات بطيئة.
يوسف وقف.
قال بصوت منخفض:
— محدش يعرف إحنا هنا.
جاء صوت من بره:
— خدمة الغرف.
لكن إحنا ما طلبناش حاجة.
يوسف قرب من الشباك.
وأنا بصيت من عين الباب.
راجل واقف بعربية تقديم.
لكن إيده كانت مستخبية تحت فوطة بيضا.
رجعت خطوة.
قلت:
— مش هنفتح.
فجأة…
الباب اتخبط بعنف.
ريم صرخت.
يوسف قال:
— الحمام فيه شباك صغير على السلم الخلفي.
قلت لريم:
— ادخلي الحمام.
قالت:
— مش هسيبك.
— ريم، حالًا!
دخلت.
الباب اتخبط تاني.
القفل بدأ يفك.
يوسف مسك أباجورة من جنب السرير.
الباب اتفتح.
دخل راجلين.
الأول اندفع عليا.
زقيته على الحيطة.
يوسف ضرب التاني بالأباجورة.
لكن التاني طلع مسد..س.
ثبتنا مكاننا.
قال:
— المفتاح.
يوسف رد:
— مش معانا.
الراجل بص ناحية الحمام.
— البنت معاها؟
قلبي وقع.
اتحرك ناحية الباب.
قبل ما يوصل…
جرس إنذار الحريق اشتغل.
ودخان بدأ يدخل من الممر.
الراجلين اتوتروا.
وفي نفس اللحظة، باب الحمام اتفتح…
وريم كانت واقفة ماسكة طفاية حريق.
رشتها في وش الراجل اللي ماسك المسد..س.
وقع منه.
يوسف خبطه برجله.
وأنا مسكت المسد..س.
قلت:
— على الأرض!
الدخان كان بيزيد.
طلعنا من السلم الخلفي.
ولما وصلنا الشارع…
يوسف بص لريم.
وقال:
— أمك كانت هتبقى فخورة بيكي.
لكن ريم ردت وهي بتتنفس بصعوبة:
— أنا مش عايزة فخرها.
سكتنا.
كملت:
— أنا عايزة أسامح نفسي الأول.
—
الجزء الخامس
رحنا قسم الشرطة.
بلغنا بكل حاجة.
المسد..س اتسلم.
والراجلين اتقبض عليهم بعد ساعات.
لكن التحقيق كشف إنهم مأجورين.
ولا يعرفوا الشخص اللي دفع لهم.
كل اللي وصل لهم…
صورة القلادة.
وصورة ريم.
بمجرد ما شفت صورتها على موبايل واحد منهم…
فهمت إن الموضوع مش بس أوراق قديمة.
في حد متابعنا من زمان.
ضابط المباحث، الرائد حسام، قعد قدامنا.
قال:
— إحنا لازم نوصل للخزنة قبلهم.
يوسف قال:
— الخزنة في منطقة قديمة من محطة سيدي جابر، اتقفلت من سنين.
حسام سأله:
— عرفت منين؟
— أنا وياسين حطيناها هناك.
— يعني أنت الوحيد اللي عارف مكانها؟
— أنا ومنى.
حسام بص له.
— ومنى ماتت.
يوسف هز راسه.
حسام كمل:
— يبقى اللي بيطاردكم غالبًا عارف إنك رجعت.
قال يوسف:
— يمكن حد من الشركة القديمة.
حسام فتح اللابتوب.
— شركة الشرق للاستثمارات اتقفلت من عشرين سنة.
يوسف قال:
— أصحابها ما اختفوش.
ظهر على الشاشة أسماء.
بعضهم مات.
واحد سافر.
واحد بقى رجل أعمال مشهور.
واسم أخير…
خلاني أتجمد.
كمال الدمنهوري.
كان الشخص اللي ساعدني أدخل شغلي الحالي من سنين.
راجل اعتبرته قريب مني.
وكان حاضر جنازة منى.
سألت:
— كمال كان شريك في الشركة؟
حسام قال:
— اسمه ما ظهرش كشريك رسمي. لكنه كان مدير حسابات.
بصيت ليوسف.
— كان يعرف منى؟
يوسف وشه اتغير.
— هو اللي كان بيراقبها.
افتكرت حاجات كتير.
كمال كان دايمًا يسألني عن منى.
عن ذكرياتها.
عن إسكندرية.
ولما مرضت…
عرض يتكفل بالعلاج.
ولما ماتت…
كان أول واحد جه البيت.
وفي يوم الجنازة…
فضل واقف قدام درج الكومودينو فترة وهو بيقول بيدور على شهادة الوفاة.
حسيت بالغثيان.
قلت:
— هو كان بيدور على القلادة.
حسام قال:
— ما نستعجلش.
لكن أنا كنت متأكد.
اتصلت بكمال من قدامهم.
رد بسرعة.
— سامح، عامل إيه يا صاحبي؟
قلت:
— محتاج أشوفك.
— خير؟
— لقيت حاجة من حاجات منى.
سكت ثانية.
ثانية واحدة بس.
لكن لاحظتها.
قال:
— حاجة إيه؟
— قلادة.
سكت تاني.
قال بصوت أهدى:
— القلادة الفضية؟
بصيت لحسام.
هو ما كانش المفروض يعرف شكلها.
قلت:
— أيوه.
— لقيتها فين؟
— كانت ضايعة.
— طب الحمد لله.
سألته:
— منى قالتلك قبل كده إن الميدالية بتتفتح؟
كمال ما ردش.
وبعدين ضحك.
— بتفتح؟ أول مرة أعرف.
لكن صوته اتغير.
قلت:
— نتقابل الليلة.
— فين؟
— بيتي.
— تمام.
قفلت.
حسام قال:
— هو غالبًا هييجي.
يوسف رد:
— لأ. هيبعت حد.
ريم سألت:
— نعمل إيه؟
حسام قال:
— نسيبه يفتكر إن المفتاح في البيت.
رجعنا.
الشرطة ركبت كاميرات صغيرة.
واتوزع أفراد برا.
أنا دخلت مع ريم بشكل طبيعي.
يوسف فضل بعيد.
حطينا علبة شبه القلادة في الدرج.
الساعة عدت 11.
محدش جه.
12.
برضه مفيش.
ريم نامت على الكنبة من التعب.
وأنا كنت قاعد جنبها.
وفجأة…
النور قطع.
كل البيت غرق في الضلمة.
سمعت حركة من ناحية البلكونة.
قمت بسرعة.
ظهر ظل.
فتح درج الكومودينو.
مد إيده.
النور رجع فجأة.
وكان كمال واقف قدامي.
بنفسه.
ماسـك القلادة المزيفة.
بصلي.
وبعدين ابتسم.
وقال:
— كنت أتمنى تفضل جاهل يا سامح.
—
الجزء السادس
رجال الشرطة دخلوا الأوضة.
لكن كمال ما اتوترش.
رفع إيده ببطء.
قال:
— هو ده الاستقبال بعد العمر ده كله؟
قلت:
— إنت كنت عارف منى قبل ما أعرفها.
بصلي.
— أكتر منك.
ريم وقفت ورايا.
كمال شافها.
ملامحه اتغيرت.
— شبه ياسين فعلًا.
ريم قالت بحدة:
— ما تجيبش سيرته على لسانك.
ضحك.
— بقى عرفتِ.
الرائد حسام قال:
— كمال الدمنهوري، إنت مقبوض عليك للاشتباه في التهديد والاعتداء ومحاولة سرقة أدلة.
كمال رفع القلادة المزيفة.
— أدلة إيه؟ دي لعبة.
حسام قال:
— وجودك هنا لوحده كفاية.
كمال رد:
— سامح طلب يقابلني.
قلت:
— طلبت تقابلني على الباب، مش تدخل من البلكونة.
سكت.
حسام أخده.
لكن قبل ما يخرج…
لف لي.
قال:
— حتى لو وصلت للخزنة، هتلاقي حاجة منى نفسها كانت خايفة تشوفها.
قلت:
— إيه هي؟
ابتسم.
— الحقيقة عن موت ياسين.
يوسف ظهر من الممر.
أول ما شافه كمال…
وقف.
قال:
— الخاين لسه عايش.
يوسف قرب منه.
— وأنت القاتل.
كمال ضحك.
— أنا ما قتلتش حد بإيدي.
يوسف رد:
— لكنك أمرت.
كمال بص لحسام.
— معاكم دليل؟
قلت:
— هنلاقيه.
قال:
— يمكن لما تلاقوه… مايعجبكوش.
اتاخد.
بعد ما خرج…
ريم قالت:
— هو يقصد إيه؟
يوسف كان ساكت.
سألته:
— في حاجة ما قلتهاش؟
قال:
— في احتمال.
— احتمال إيه؟
— إن ياسين ما ماتش يوم الحادث.
قربت منه.
— يعني إيه؟
— لما وصلنا المستشفى، قالوا مات.
— وأنت شفت الج*ثة؟
— لأ.
— ومنى؟
— لأ.
ريم قالت:
— يعني ممكن يكون عايش؟
يوسف هز راسه.
— مستحيل بعد السنين دي.
لكن صوته ما كانش واثق.
في اليوم التالي…
روحنا إسكندرية تحت حماية الشرطة.
محطة سيدي جابر القديمة كان جزء منها اتجدد.
لكن في ممر جانبي تحت الأرض، لسه موجود صف خزائن حديد قديمة.
يوسف وقف قدام رقم 214.
إيده اترعشت.
قال:
— منى آخر واحدة قفلتها.
طلعت المفتاح.
ركبته.
القفل قاوم في الأول.
وبعدين فتح.
جوا الخزنة كان فيه صندوق معدني صغير.
ملفات.
شريط كاسيت قديم.
وصورة.
ريم أخدت الصورة.
كانت منى واقفة جنب شاب.
الشاب شبهها.
شعره أسود.
وعينيه نفس عيون ريم.
قالت:
— ده ياسين؟
يوسف هز راسه.
لكن خلف الصورة…
كان مكتوب:
“مستشفى السلام — 1999 — جناح 6.”
يوسف قال:
— التاريخ بعد الحادث بشهر.
سألته:
— إزاي؟
فتحنا الملف الأول.
تقارير تحويل مريض مجهول الهوية.
إصابات خطيرة.
فقدان ذاكرة جزئي.
وتحت بند الاسم:
“مجهول — ذكر — حوالي 30 سنة.”
لكن بصمة الإبهام في التقرير…
كانت متطابقة مع نسخة بطاقة ياسين في الملف التاني.
ريم قعدت على الأرض.
قالت:
— كان عايش.
يوسف حط إيده على الحيطة.
دموعه نزلت.
— منى ما عرفتش.
قلت:
— مين خباه؟
قلبنا الأوراق.
آخر ورقة كانت أمر نقل لمركز تأهيل خاص.
التوقيع:
كمال الدمنهوري.
وفي أسفل الصفحة…
اسم المركز.
دار الصفوة للرعاية.
المكان كان لسه شغال.
خرجنا بسرعة.
بعد ساعتين…
كنا واقفين قدام مبنى قديم على أطراف الإسكندرية.
مديرة الدار راجعت السجلات.
قالت:
— الحالة دي جات عندنا فعلًا من سنين.
ريم سألت:
— فين راحت؟
المديرة سكتت.
وبعدين قالت:
— ما راحتش.
قلبي وقف.
قالت:
— هو لسه هنا.
—
الجزء السابع
مشينا ورا المديرة في ممر طويل.
ريحة الدوا مالية المكان.
أبواب كتير على الجانبين.
كل خطوة كانت تقيلة.
ريم ماسكة إيدي.
يوسف ماشي وراينا، بيبكي من غير صوت.
وقفنا عند أوضة في آخر الممر.
المديرة فتحت الباب.
كان راجل كبير قاعد قدام الشباك.
شعره أبيض.
جسمه نحيف.
وفي إيده مكعبات خشب بيرصها فوق بعض.
المديرة قالت:
— أستاذ ياسين… عندك ضيوف.
ما التفتش.
ريم دخلت خطوة.
وقفت قدامه.
وشها كله بيرتعش.
قالت:
— أنا ريم.
الراجل رفع عينه.
فضل باصص لها.
ثواني طويلة.
وبعدين المكعب وقع من إيده.
همس:
— منى؟
ريم انهارت.
ركعت قدامه.
— لأ… أنا بنتها.
ياسين قرب إيده من وشها.
لكنه وقف قبل ما يلمسها.
قال:
— بنتي؟
ريم عيطت.
— أيوه.
يوسف دخل.
أول ما شافه ياسين…
ملامحه اتشدت.
رجع لورا.
— إنت.
يوسف وقع على ركبته.
— سامحني.
ياسين بدأ يتنفس بسرعة.
— إنت قلتلهم.
— كنت خايف.
— قتلتني.
— أنا عارف.
دخلت الممرضة.
حاولت تهديه.
لكن ياسين كان باصص ليوسف.
— منى فين؟
محدش عرف يرد.
ريم قالت بهدوء:
— ماما ماتت.
ياسين ثبت عينه فيها.
كأنه ما فهمش.
كررت:
— منى ماتت من سنة.
وشه اتكسر.
همس:
— استنتني؟
ريم بكت أكتر.
قلت:
— هي فضلت مستنياك في قلبها. بس كانت فاكرة إنك مت.
ياسين بصلي.
— إنت مين؟
قلت:
— أنا سامح.
— جوزها؟
— كنت جوزها.
بص لريم.
— وربيتها؟
— من أول يوم.
ياسين سكت.
ثم مد إيده لي.
وقال:
— شكرًا.
الكلمة كسرتني.
قعدنا ساعات.
المديرة شرحت إن ياسين دخل عندهم بذاكرة مضطربة.
كمال كان بيدفع مصاريفه كل سنة باسم جمعية خيرية.
وكتب في ملفه إن مفيش أقارب.
قالت:
— حاولنا ننشر صورته زمان، لكن اتقال لنا إن في قض*ية أمنية وإن نشر بياناته ممنوع.
حسام قال:
— مستند مزور طبعًا.
ياسين كان عنده فترات بيسترجع فيها الذاكرة.
لكن كمال كان بيزوره.
كل مرة بعد الزيارة…
حالته تسوء.
غالبًا كان بيخوفه.
سألناه عن يوم الحادث.
قال بصعوبة:
— العربية خبطتنا.
— مين كان معاك؟
— كمال.
يوسف قال:
— كمال كان سايق؟
ياسين هز راسه.
— لأ… كان في العربية التانية.
بدأ يفتكر على مراحل.
قال إن كمال واجهه قبل الحادث.
طلب منه الملفات.
رفض.
بعدها حصلت المطاردة.
العربية اتقلبت.
لكنه ما ماتش.
كمال نقله باسم مجهول.
وخلاه بعيد علشان محدش يعرف الحقيقة.
ريم سألته:
— وماما؟
ياسين بص للشباك.
— فضلت أنادي اسمها.
كانت الجملة كفاية تخلي كل الموجودين يسكتوا.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت لما ياسين شاف القلادة.
قال:
— دي مش بتاعة منى.
قلت:
— كانت بتلبسها طول عمرها.
قال:
— أنا اللي اديتهالها.
— تقصد إيه؟
— حطيت فيها المفتاح.
— إنت؟
— قبل الحادث بيوم.
يوسف بص له بصدمة.
— يبقى منى ما كانتش تعرف إن المفتاح جوه القلادة؟
ياسين هز راسه.
— لأ.
اتجمدنا.
يعني منى عاشت ستة وعشرين سنة لابسة القلادة…
ومش عارفة إن جواها مفتاح.
يمكن كانت لابساها لأنها آخر هدية من ياسين.
ويمكن كانت فاكرة إنها مجرد ذكرى.
ريم همست:
— وأنا بعتها.
ياسين بص لها.
قال بهدوء:
— لكن بسببك… لقيتوني.
الجملة دي غيّرت كل حاجة.
ريم قربت منه.
ولأول مرة…
حضنته.
كان حضن مرتبك.
غريب.
مليان سنين ضايعة.
وأنا وقفت بعيد.
حاسس بمشاعر متناقضة.
ده أبوها الحقيقي.
لكن أنا أبوها كمان.
ياسين رفع عينه لي من فوق كتفها.
وقال:
— أنا مش جاي أخدها منك.
قلت:
— هي مش حاجة تتاخد.
هز راسه.
— عندك حق.
ريم بعدت عنه.
بصت لنا إحنا الاتنين.
وقالت:
— أنا عندي أب واحد رباني.
وبعدين مسكت إيد ياسين.
— وعندي أب تاني اتسرق منه عمره.
بكت.
— أنا مش هخسر حد فيكم.
—
الجزء الثامن
التحقيق اتفتح من جديد.
الأوراق اللي في الخزنة أثبتت غسل الأموال.
والشريط القديم كان عليه تسجيل صوتي بين كمال وأصحاب الشركة.
صوت كمال واضح وهو بيقول:
“ياسين لازم يختفي قبل ما يسلم الملفات.”
لكن التسجيل كان فيه صوت تاني.
صوت شخص محدش توقعه.
عماد سالم.
صاحب أكبر مؤسسة خيرية في البلد.
الراجل اللي كان طول السنين بيظهر في التلفزيون ويتكلم عن مساعدة المرضى.
طلع هو العقل المدبر.
اتقبض عليه.
واتجمدت حساباته.
وكمال اعترف في النهاية.
قال إنه ما قتلش ياسين لأنه خاف يتحول الموضوع لجري*مة ق*تل كاملة.
فحبسه داخل مركز رعاية باسم مجهول.
كان فاكر إنه كده محاه من الدنيا.
لكن اللي ماحسبش حسابه…
إن قلادة صغيرة هترجع تفتح القصة كلها.
ياسين بدأ علاج جديد.
ذاكرته اتحسنت تدريجيًا.
لكن السنين اللي ضاعت ما رجعتش.
أما ريم…
فأجلت السفر.
ورجعت الفلوس لأصحابها.
في يوم…
دخلت عليا الأوضة.
كانت ماسكة القلادة.
حطتها قدامي.
وقالت:
— دي مكانها معاك.
قلت:
— لأ.
— بابا، دي آخر حاجة من ماما.
— وهي كمان أول حاجة رجعتلك أبوكي.
سكتت.
قلت:
— خليها معاكي.
— بعد اللي عملته؟
— علشان تفتكري إن الغلط ممكن يفتح باب، بس اللي يحدد نهايته هو إنتِ هتعملي إيه بعده.
دموعها نزلت.
— إنت مش زعلان مني؟
— أنا اتوجعت منك.
— وفي فرق؟
— كبير.
قربت منها.
— الزعل بيروح. لكن الوجع محتاج وقت.
هزت راسها.
— وأنا مستعدة أستنى.
حضنتني.
كانت أول مرة من شهور تحضني بالطريقة دي.
مش حضن بنت كبيرة مستعجلة.
حضن طفلة عارفة إنها غلطت وخايفة تخسر أبوها.
قلت لها:
— أنا مش هسيبك.
همست:
— حتى بعد ما عرفت إني مش بنتك؟
بعدتها عني.
بصيت في عينيها.
— إنتِ بنتي من أول يوم شيلتك فيه. الدم ما يمسحش العمر.
ابتسمت وهي بتعيط.
بعد أسبوع…
خرج ياسين من الدار مؤقتًا.
جاء بيتنا.
وقف قدام صور منى.
فضل يبص لها طويلًا.
قال:
— كبرت.
قلت:
— كانت لسه جميلة.
ابتسم.
— كانت دايمًا جميلة.
قعدنا إحنا التلاتة.
أنا.
ياسين.
وريم.
فتحنا صندوق صور منى.
كل صورة كانت تفتح حكاية.
أنا أحكي عن جوازنا.
ياسين يحكي عن شبابها.
وريم تسمع.
لأول مرة…
ما حسيتش إن الماضي بيهددني.
حسيت إنه بيرجع جزء ناقص لبنتي.
في آخر الليل…
ريم طلعت القلادة.
فتحت الميدالية.
المفتاح ماكانش جواها خلاص.
لكن حطت مكانه صورة صغيرة جدًا.
صورة منى.
وفي الناحية التانية…
صورة لينا إحنا التلاتة.
قالت:
— كده القلادة بقت شايلة الحقيقة كلها.
ياسين سأل:
— وهي إيه الحقيقة؟
بصت له.
وبعدين بصتلي.
وقالت:
— إن ماما حبتكم أنتم الاتنين.
سكتت لحظة.
— واحد كان أول حبها.
ومسكت إيدي.
— وواحد كان أمانها.
عيني دمعت.
سألتها:
— وإنتِ؟
ابتسمت.
— وأنا كنت الحاجة اللي خلتهم يفضلوا عايشين.
بعد شهور…
اتعملت محاكمة كبيرة.
رجع جزء من الأموال لأصحابها الحقيقيين.
واتقفلت الجمعيات الوهمية.
واتبرع ياسين بنصيبه من التعويض لمركز علاج مرضى السرطان باسم منى.
لما سألته ليه…
قال:
— علشان المرض أخدها مني، بس اسمها يساعد حد تاني يعيش.
ريم بدأت تشتغل مع المركز متطوعة.
وبدل ما تسافر المصيف…
كانت كل أسبوع تقعد مع أطفال المرضى وترسم لهم.
وفي يوم…
رجعت البيت ومعاها بنت صغيرة.
قالت:
— دي اسمها منى.
ضحكت.
— صدفة؟
قالت:
— يمكن.
البنت الصغيرة شافت القلادة في رقبة ريم.
وقالت:
— دي جميلة.
ريم مسكتها.
وبصتلي.
قالت:
— كانت غالية أوي… وأنا ما عرفتش قيمتها غير لما بعتها.
رديت:
— ساعات الإنسان ما يعرفش قيمة الحاجة غير لما يخاف يخسرها.
قربت مني.
— بس أنا رجعتها.
قلت:
— لأ.
بصتلي باستغراب.
كملت:
— إنتِ رجعتي أكتر منها.
— إزاي؟
بصيت ناحية ياسين اللي كان قاعد في البلكونة بيقرأ الجرايد.
وبعدين بصيت لصورة منى.
قلت:
— رجعتي راجل من الموت.
ورجعتي حقيقة كانت مدفونة.
ورجعتي لنفسك قلبك.
ريم سكتت.
وبعدين حضنتني.
وفي اللحظة دي…
الشمس دخلت من الشباك ووقعت على القلادة.
الميدالية لمعت.
كأن منى…
لأول مرة من سنين…
بتقول لنا إن السر أخيرًا وصل لمكانه الصح.
النهاية