وقت الفراق حكايات اسما×4
الجزء السابع
بعد يومين…
وصل المستثمر.
كل الصحف كانت بتتكلم عنه.
رجل أعمال معروف…
استثماراته في أكتر من عشرين دولة.
لكن الغريب…
إنه رفض يقابل أي حد.
وقال لمساعديه:
— الاجتماع الأول… مع الأستاذة نور فقط.
دخلت قاعة الاجتماعات.
كان رجل في أواخر الستينات.
أول ما شافني…
وقف.
ومد إيده.
وقال:
— تشرفت بيكي.
أنا اسمي فؤاد السيوفي.
ابتسمت.
وسلمت عليه.
وقلت:
— الشرف ليا.
بص حواليه.
وقال:
— فين صورة والدك؟
استغربت.
وقلت:
— حضرتك تعرفه؟
ابتسم بحنين.
وقال:
— أكتر مما تتخيلي.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— من تلاتين سنة…
كنت شاب مفلس.
وعربيتي عطلت على طريق السفر.
وأبوك وقف جنبي.
وصلحها بنفسه.
ولما حاولت أديله فلوس…
رفض.
وقال لي جملة…
عمري ما نسيتها.
“الرزق بيرجع لصاحبه مهما لف.”
حسيت بقشعريرة في جسمي.
فؤاد فتح شنطته.
وطلع صورة قديمة.
كان فيها…
هو…
وأبويا…
واقفان جنب تاكسي قديم.
ضحكت وأنا ببكي.
وقلت:
— دي أول مرة أشوف الصورة دي.
قال:
— احتفظت بيها طول السنين.
ولما سمعت باسمه في خبر وفاته…
عرفت إن لازم أجي.
سألته:
— وحضرتك ليه مهتم بالشركة؟
ابتسم.
وقال:
— أنا مش جاي أشتريها.
أنا جاي أشاركك.
بس قبل أي ورق…
عايز أعرف حاجة.
قلت:
— اتفضل.
قال:
— لو رجع الزمن…
وكان عندك فرصة تسامحي كريم…
كنتِ هتسامحيه؟
سكت.
السؤال كان أصعب من أي قض..ية.
بصيت من الشباك.
وافتكرت خمس سنين من الإهانة.
وافتكرت أبويا…
وهو بيموت وهو فاكر إني سعيدة.
رجعت أبصله.
وقلت:
— أسامحه؟
يمكن.
لكن أرجعله؟
أبدًا.
ابتسم.
وقال:
— دي الإجابة اللي كنت مستنيها.
استغربت.
قال:
— اللي يعرف يسامح…
بس ما يكررّش غلطه…
هو اللي يعرف يدير إمبراطورية.
—
في نفس الوقت…
داخل السجن الاحتياطي…
كان كريم قاعد لوحده.
الحلاق دخل عليه.
وقال:
— عندك زيارة.
رفع رأسه بسرعة.
كان فاكر إنها ياسمين.
أو أمه.
خرج لغرفة الزيارة.
ولقى…
أمه دولت.
أول ما قعدت…
قال:
— ماما…
اعملي أي حاجة.
هاتوا أكبر محامي.
ردت ببرود غريب.
— عملنا اللي علينا.
استغرب.
— يعني إيه؟
قالت وهي بتتفادى النظر في عينيه:
— بعنا الفيلا.
وسددنا جزء من الديون.
وما بقاش معانا حاجة.
كريم شهق.
— فيلا إيه؟
قالت:
— البنك حجز عليها.
وسحب العربيات.
والحسابات متجمدة.
صمت.
ثم قال:
— وياسمين؟
ضحكت بسخرية.
— ياسمين اتخطبت.
من أسبوع.
لتاجر كبير.
وكأنها عمرها ما عرفتك.
سكت كريم.
ولأول مرة…
افتكر يوم قال لنور:
“الحب ما بيعملش شركات… الفلوس هي اللي بتعمل.”
اكتشف متأخر…
إن نفس الفلوس…
أخدت منه كل الناس.
—
بعد أسبوع…
وقفت قدام موظفي الشركة.
كلهم كانوا مستنيين قراري.
قلت بهدوء:
— أول قرار…
مفيش موظف هيتفصل بسبب اللي حصل.
الهمهمة انتشرت في القاعة.
كملت:
— وتاني قرار…
أي عامل ليه مستحقات متأخرة…
هتتصرف كاملة.
واحد من العمال الكبار رفع إيده.
وقال:
— الحاج محمود…
كان بيقول إنك شبهه.
النهارده…
عرفنا إنه كان عنده حق.
ابتسمت.
وبصيت لصورة أبويا المعلقة في مدخل الشركة.
وقلت في سري:
“شايف يا بابا…
المكان اللي بدأت فيه بحلم صغير…
لسه فيه ناس فاكرة فضلك.”
وفي اللحظة دي…
دخل الأستاذ حسام بسرعة.
وكان في إيده ظرف رسمي مختوم.
وشه كان متوتر.
ناولني الظرف.
وقال:
— وصل من المحكمة…
وفيه خبر…
هيغير كل القض..ية من أول وجديد…
الجزء الثامن
القاعة كلها سكتت…
وأنا ببص للظرف.
الختم كان عليه شعار المحكمة.
فتحت الورق بهدوء.
الأستاذ حسام كان واقف مستني.
ولما خلصت أول صفحة…
بصلي وقال:
— خير؟
رفعت عيني.
وقلت:
— المحكمة وافقت على إعادة فتح ملف قديم.
استغرب.
— ملف إيه؟
ناولته الورقة.
قرأها بسرعة.
ثم قال بذهول:
— دي قض..ية وفاة والدك!
كل اللي في القاعة بصوا علينا.
وأنا حسيت إن قلبي دق بسرعة.
قلت:
— يعني إيه يعيدوا التحقيق؟
الأستاذ حسام رد:
— فيه بلاغ جديد اتقدم.
ومعه مستندات بتقول إن وفاة الحاج محمود…
يمكن ما تكونش طبيعية.
سكتت.
وحسيت إن الأرض بتهتز تحت رجلي.
أبويا مات بأزمة قلبية…
ده اللي كلنا عرفناه.
يبقى إيه معنى الكلام ده؟
في نفس اللحظة…
دخل رجل في الخمسينات.
لابس بدلة رمادي.
وقال:
— أنا المستشار سامي.
النيابة كلفتني أبلغكم.
اتفضلوا.
قعد.
وفتح ملف قديم.
وقال:
— قبل وفاة الحاج محمود بأسبوع…
كان قدم بلاغ رسمي.
كل الموجودين اتفاجئوا.
قلت بسرعة:
— بلاغ ضد مين؟
رد:
— ضد كريم.
شهقت.
— مستحيل…
ليه ماحدش قالنا؟
المستشار قال:
— لأن المرحوم طلب حفظ البلاغ مؤقتًا.
وأرفق معاه خطاب بخط إيده.
فتح الخطاب.
وبدأ يقرأ.
“لو حصل لي أي حاجة قبل ما أشوف بنتي في أمان… افتحوا الملف ده.”
حط الخطاب على الترابيزة.
وكمل.
— المرحوم كان شاكك إن فيه تلاعب في حسابات الشركة.
وكان ناوي يبلغ رسمي.
لكن بعدها بأيام…
دخل المستشفى.
ومات.
حسيت بغصة في صدري.
قلت بصوت مرتعش:
— يعني حضرتك بتقول…
إن أبويا كان عارف؟
قال:
— كان عارف جزءًا من الحقيقة.
ولسه فيه جزء مفقود.
—
في السجن…
الضابط دخل على كريم.
وقال:
— عندك استدعاء جديد.
كريم استغرب.
— تحقيق تاني؟
— أيوه.
دخل غرفة التحقيق.
لقى المستشار سامي قاعد.
وأمامه ملف جديد.
قال بهدوء:
— أستاذ كريم…
تعرف إن المرحوم محمود قدم فيك بلاغ قبل وفاته؟
وش كريم اتجمد.
لكن حاول يمثل الهدوء.
وقال:
— أول مرة أسمع.
المستشار فتح الملف.
وقال:
— الغريب…
إن البلاغ كان ناقص دليل واحد.
ولو الدليل ده ظهر…
القض..ية هتتغير بالكامل.
كريم بلع ريقه.
وسأل:
— ودليل إيه ده؟
رد المستشار:
— دفتر حسابات.
كان المرحوم محتفظ بيه بنفسه.
ومختفي لحد النهارده.
في اللحظة دي…
ملامح كريم اتبدلت.
والرعب الحقيقي ظهر في عينيه.
المستشار لاحظ.
وقال:
— شكلك تعرف الدفتر.
كريم رد بسرعة:
— لأ.
لكن صوته…
كان بيترعش.
—
في المساء…
رجعت بيت أبويا.
كنت بدور في كل مكان.
الدولاب.
المكتبة.
الأدراج.
وفجأة…
افتكرت حاجة.
أبويا كان كل ليلة…
قبل النوم…
يقعد على كرسيه الخشب.
ويقرأ القرآن.
والكرسي ده…
عمره ما حد قرب منه.
قربت.
وحركته.
سمعت صوت حاجة وقعت.
انحنيت.
لقيت مفتاح صغير جدًا.
مربوط بخيط قديم.
وتحته ورقة مطوية.
فتحتها.
كان مكتوب بخط أبويا:
“يا نور…
لو وصلتي للمفتاح… يبقى لسه فيه سر ما عرفتيهوش.
الدفتر اللي بيدوروا عليه…
مش في الشركة.
ولا في البيت.
روحِي للمكان اللي بدأ منه رزقي.
هناك… هتلاقي آخر دليل.”
فضلت أبص للجملة الأخيرة.
“المكان اللي بدأ منه رزقي.”
وفجأة…
افتكرت.
التاكسي.
العربية الصفراء والسودا…
اللي باعها أبويا يوم ساعد كريم.
لكن العربية…
ما اتباعتش لشخص غريب.
أنا كنت فاكرة اسم الراجل.
وكان لسه ساكن في نفس الحي.
رفعت هاتفي بسرعة.
وبصيت للأستاذ حسام.
وقلت بحماس:
— جه الوقت…
أرجع أدور على أول عربية اشتغل عليها أبويا.
لأن واضح…
إن السر الأخير…
مستخبي هناك.
الجزء التاسع
تاني يوم الصبح…
أنا والأستاذ حسام…
ركبنا العربية.
واتجهنا للحي القديم.
نفس الشوارع.
نفس المحلات.
وكأن الزمن وقف.
وقفنا قدام ورشة ميكانيكي صغيرة.
الراجل أول ما شافني…
فضل يبصلي كام ثانية.
وبعدين قال:
— إنتِ… بنت الحاج محمود؟
ابتسمت بحزن.
وقلت:
— أيوه.
تنهد.
وقال:
— الله يرحمه… كان من أجدع الناس.
سألته:
— فاكر مين اشترى منه التاكسي؟
هز راسه.
وقال:
— طبعًا.
الحاج رمضان.
لسه عايش.
بس بطل شغل من كام سنة.
روحوله… هتلاقوه في آخر الشارع.
—
وصلنا بيت الحاج رمضان.
راجل كبير…
شعره كله أبيض.
أول ما عرف أنا مين…
قام من على الكرسي رغم تعبه.
وقال:
— دي بنت محمود؟
أبوك كان راجل يتشال فوق الراس.
قعدنا.
وحكيتله باختصار.
ولما سمع اسم كريم…
وشه اتغير.
وقال:
— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
بصيتله باستغراب.
— تعرف كريم؟
قال:
— لأ…
بس أعرف اليوم اللي أبوكي باعلي فيه العربية.
راح ناحية دولاب قديم.
وطلع ملف مغبر.
وقال:
— يوم ما استلمت التاكسي…
لقيت فيه شنطة جلد صغيرة تحت الكرسي.
جريت وراه أرجعهاله.
ضحك وقال:
“سيبها عندك يا رمضان…
ولو بنتي جتلك في يوم…
سلمها ليها.”
حط الشنطة قدامي.
إيديا كانت بتترعش.
فتحتها.
كان فيها…
دفتر أسود.
وعليه بخط أبويا:
“حسابات الأمانة.”
الأستاذ حسام فتح أول صفحة.
كل صفحة كانت فيها تاريخ…
ومبلغ…
وتوقيع.
لحد ما وصلنا لصفحة معينة.
وساعتها…
اتسعت عينيه.
قال:
— يا نهار أبيض…
دي أول دفعة أبوك دفعها لكريم.
وبعدين صفحة تانية.
وثالثة.
ورابعة.
كل جنيه…
كان متسجل.
وفي آخر صفحة…
كان فيه توقيع كريم بنفسه باستلام الأموال.
لكن المفاجأة…
ما كانتش هنا.
كان فيه ظرف صغير ملزوق داخل الغلاف.
فتحته.
ولقيت خطاب.
“يا نور…
لو وصلتي للدفتر ده… يبقى عرفتي إن أبوكي كان واثق إن الحق بيرجع.
لكن أهم حاجة في الشنطة مش الدفتر.
بصي تحت البطانة.”
بصينا لبعض.
الأستاذ حسام قلب الشنطة.
ولما شق البطانة الداخلية برفق…
طلع منها…
فلاشة إلكترونية صغيرة.
قال بدهشة:
— معقول…
وصلنا البيت بسرعة.
وشغلنا الفلاشة.
ظهر تسجيل من كاميرا مكتب قديم.
التاريخ…
قبل وفاة أبويا بشهر.
كان كريم قاعد في المكتب.
وأبويا قدامه.
أبويا قال بهدوء:
— أنا اكتشفت التحويلات.
كريم حاول يضحك.
— كلها لمصلحة الشركة.
رد أبويا:
— لأ…
لمصلحتك إنت.
وساعتها…
ظهر كريم وهو بيقول جملة هزتني:
— حتى لو عرفت…
محدش هيصدق سواق تاكسي قدام رجل أعمال.
سكتت القاعة اللي كنا قاعدين فيها.
أما أنا…
فدموعي نزلت من غير ما أحس.
التسجيل كمل.
أبويا وقف.
وقال بثبات:
— يمكن أكون سواق تاكسي…
لكن عمري ما سرقت حد.
وأوعدك…
لو فضلت عايش…
هرجع حق بنتي.
انتهى التسجيل.
الأستاذ حسام أخد نفسًا طويلًا.
وقال:
— التسجيل ده…
هيحسم القض..ية.
وفي نفس اللحظة…
رن هاتفه.
رد…
ثم تغيرت ملامحه.
بصلي وقال:
— النيابة عايزة التسجيل حالًا…
لأن كريم…
قرر يعترف.
لكن اعترافه…
فيه اسم شخص محدش كان يتوقعه.
الجزء العاشر
وصلنا النيابة…
وكان الأستاذ حسام ماسك الفلاشة بإيده.
أول ما دخلنا…
لقينا كريم قاعد.
وشه شاحب.
وعينيه فيها تعب عمره ما بان قبل كده.
المستشار سامي قال بهدوء:
— الحمد لله إنكم وصلتوا.
التسجيل ده هيحسم حاجات كتير.
اتشغل الفيديو.
ولأول مرة…
كريم ما حاولش يقاطع.
ولا ينكر.
ولا يصرخ.
فضل باصص في الأرض.
ولما التسجيل خلص…
رفع رأسه ببطء.
وقال:
— أيوه…
الصوت صوتي.
أنا قولت الكلام ده.
ساد الصمت.
المستشار سأله:
— يبقى تعترف إنك استوليت على أموال الشركة؟
هز رأسه.
وقال:
— أيوه.
وأعترف إني زورت مستندات.
وأعترف إني حاولت أنقل الملكية باسمي.
لكن…
أنا ما قتلتش الحاج محمود.
بصيت له مباشرة.
وقلت:
— أبويا مات بعد مقابلتك بأيام.
رد وهو بيبكي لأول مرة:
— والله ما لمسته.
أنا هددته…
لكن لما خرج من عندي…
كان عايش.
المستشار فتح تقرير الطب الشرعي.
وقال:
— بالفعل…
إعادة فحص الملف أكدت إن الوفاة كانت نتيجة أزمة قلبية حادة.
ولا توجد أي إصابات أو شبهة جنائية.
تنفست ببطء.
يمكن لأول مرة…
حسيت إن الحقيقة مهما كانت مؤلمة…
أخف من الشك.
المستشار رجع يبص لكريم.
وقال:
— قبل شوية قلت إن فيه شخص ساعدك.
مين هو؟
كريم سكت.
ثواني طويلة.
وبعدين قال:
— المحاسب العام للشركة.
الأستاذ فؤاد.
استغربت.
الأستاذ فؤاد؟
الراجل اللي كان بيشتغل معانا من أول يوم؟
قال كريم:
— هو اللي كان بيزور القيود.
وياخد نسبته.
أنا كنت الواجهة…
وهو كان بيغطي كل حاجة.
في نفس اللحظة…
دخل ضابط بسرعة.
وقال:
— يا فندم…
الأستاذ فؤاد حاول يسافر من المطار.
لكن تم القبض عليه.
ابتسم المستشار لأول مرة.
وقال:
— كده اكتملت الصورة.
—
بعد شهرين…
صدرت الأحكام.
حُكم على كريم بالسجن في قضايا التزوير والاختلاس.
وحُكم على المحاسب بالسجن أيضًا…
ورد كل الأموال التي ثبت الاستيلاء عليها.
أما الشركة…
فعادت رسميًا باسمي.
—
في أول يوم ليا كرئيسة لمجلس الإدارة…
دخلت نفس المكتب…
اللي كنت بدخله زمان علشان أحط لكريم فنجان القهوة.
المرة دي…
دخلته وأنا صاحبة القرار.
لكن أول حاجة عملتها…
إني شلت الكرسي الضخم.
وقلت:
— هاتوا كرسي عادي.
الموظفين استغربوا.
قلت بابتسامة:
— الكرسي الكبير ما بيخليش الواحد يسمع الناس.
وأنا عايزة أسمعهم.
ضحكوا.
ولأول مرة…
حسيت إن الشركة بقت بيت.
مش سجن.
—
بعد انتهاء الدوام…
ركبت عربيتي.
وطلعت على المقابر.
وقفت قدام قبر أبويا.
حطيت باقة ورد بسيطة.
وقعدت على الأرض.
وقلت:
— يا بابا…
فاكر لما كنت تقول إن الحق ممكن يتأخر…
بس عمره ما يضيع؟
أهو رجع.
يمكن متأخر…
لكن رجع.
وأنا أوعدك…
إن الشركة اللي بدأت بتعبك…
هتفضل مبنية على الأمانة…
مش على الطمع.
وقفت.
وقريت الفاتحة.
وأنا ماشية…
لفت انتباهي طفل صغير بيساعد أبوه يغسل تاكسي قديم.
ابتسمت.
افتكرت أبويا.
رجعت خطوتين.
وحطيت في إيد الراجل ظرفًا.
رفض ياخده.
قلت له:
— دي مش صدقة.
دي مساهمة في تعليم ابنك.
ابتسم والدموع في عينه.
وقال:
— ربنا يجبر بخاطرك.
ركبت العربية.
وبصيت في مراية السواق.
ولأول مرة من سنين…
شفت وشي…
مرتاح.
عرفت ساعتها…
إن الانتصار الحقيقي…
ماكنش في كسب الشركة.
كان في إني ما بقيتش الشخص اللي الظلم كان عايز يحولني ليه.
تمت.
الخاتمة
مرّت سنة كاملة…
والشركة…
بقت من أنجح شركات التطوير في البلد.
لكن المرة دي…
ماكانش النجاح بيتقاس بعدد الأبراج.
ولا حجم الأرباح.
كان بيتقاس بعدد الناس اللي رجع لها حقها.
أول قرار أخدته…
كان إنشاء صندوق باسم:
“الحاج محمود.”
الصندوق كان بيساعد السواقين والعمال البسطاء…
اللي تعبوا عمرهم كله…
ومحدش حس بيهم.
كل موظف جديد…
كان بياخد نسخة من أول عقد تأسيس للشركة.
وعليه جملة واحدة…
كان أبويا كاتبها بخط إيده:
“الرزق اللي ييجي بالحلال… يدوم.”
—
أما كريم…
فبعد صدور الحكم النهائي…
خسر كل استئنافاته.
وفي أول زيارة لأمه في السجن…
قال لها:
— عارفة أكبر غلطة عملتها؟
قالت:
— إيه؟
قال وهو باصص في الأرض:
— أنا كنت فاكر إن الفقر عيب…
ونسيت إن العيب الحقيقي…
إني خنت الناس اللي وقفت جنبي.
كانت أول مرة…
يعترف بالحقيقة من غير ما يبرر.
—
أما دولت…
حماتي السابقة…
فباعت آخر قطعة دهب كانت محتفظة بيها.
وراحت تزورني.
الموظفة دخلت تبلغني.
وقالت:
— مدام…
في سيدة اسمها دولت برة.
قالت إنها عايزة خمس دقايق.
وافقت.
دخلت.
ماكانتش نفس الست…
اللي وقفت قدام نعش أبويا.
وشها كان مرهق.
وعينيها مليانة ندم.
قعدت وقالت:
— أنا جاية أعتذر.
ما ردتش.
كملت هي:
— ظلمتك.
واستهنت بأبوكي.
ولما قلت إنه مات فقير…
كنت أنا الفقيرة.
فقيرة في الأخلاق.
طلعت من شنطتها الشيك القديم…
اللي كانت رمتُه قدامي في العزاء.
وقالت:
— احتفظت بيه…
لأنك رفضتيه.
دلوقتي…
أنا اللي برجعّه.
دفعت الشيك ناحيتي.
ابتسمت بهدوء.
وزقيته ناحيتها.
وقلت:
— الفلوس دي…
تبرعي بيها لمستشفى بيعالج الناس اللي مش معاهم.
يمكن تكون دي أحسن بداية.
بكت.
وقامت من غير كلمة.
—
بعد أيام…
افتتحنا أول مشروع سكني جديد.
والمفاجأة…
إني رفضت أسميه باسمي.
لما الصحفي سألني:
— ليه ما سميتهوش “نور”؟
ابتسمت.
وقلت:
— لأن اللي يستحق اسمه يفضل…
هو أول إنسان آمن بيا.
ورفعت الستارة…
فظهر الاسم:
“مدينة الحاج محمود.”
التصفيق دوّى في المكان.
وأنا رفعت عيني للسماء.
وقلت في سري:
“شايف يا بابا؟
العربية اللي بعتها…
بقت مدينة كاملة.
والتعب اللي محدش كان شايفه…
بقى حكاية الناس كلها.”
—
وفي آخر اليوم…
رجعت البيت.
فتحت صندوق الذكريات.
لقيت صورة قديمة.
أنا…
وأبويا…
جنب التاكسي.
خلف الصورة…
كان كاتب:
*”لو الأيام فرقتنا…
افتكري دايمًا…
إن أغلى ميراث هسيبهولك…
مش فلوس…
ولا شركة…
أغلى ميراث…
سمعتك.”*
حضنت الصورة.
وأقفلت الصندوق.
وأنا مبتسمة.
لأني أخيرًا فهمت…
إن الملف اللي أبويا سابهولي…
ماكانش مجرد أوراق.
كان درس كامل…
علمني إن الحق ممكن يتأخر…
لكن عمره ما يضيع.
النهاية.