ربيت بنت اختي حكـايـات أسمـا ×1

ربيت بنت أختي لوحدي بعد وفاة أختي في حريق منزل… وبعد 8 سنين، وأنا بساعدها تغير هدومها على الشاطئ، أشارت للكابينة اللي جنبنا وهمست: “يا عمتي… بصي، الست دي عندها علامة الفراشة بتاعتي.”
أختي الصغيرة ليلى كانت عندها 26 سنة لما حصل الحريق.
كانت راحت تزور أهل جوزها في الريف في إجازة نهاية الأسبوع، وأخدت معاها بنتها الصغيرة نور اللي كان عمرها سنة واحدة بس.
في نص الليل… النار اشتعلت في البيت القديم.
ولحد النهارده محدش قدر يفسر إزاي حصلت المعجزة…
لأن نور اتلاقت على بُعد حوالي خمسين متر من البيت، قاعدة جنب كلب صغير وبتعيط وتقول:
“ماما… ماما…”
كأن حد خرجها من وسط النار وحطها هناك.
ولا حد عرف إزاي وصلت للمكان ده.
لكن ليلى… ما خرجتش أبدًا.
لما رجال الإطفاء قدروا يسيطروا على الحريق، كان البيت كله انهار.
الشرطة قالت لنا إن مفيش أمل.
لقوا جثمان متفحم جوه البيت.
وقالوا لنا إنها أختي.
النعش كان مقفول.
دفناها من غير ما نشوف وشها للمرة الأخيرة.
ومن اليوم ده… بقيت أنا أم نور بكل معنى الكلمة، حتى لو الورق ما كانش بيقول كده.
دلوقتي نور عندها 9 سنين.
في آخر الأسبوع اللي فات، قررت أفاجئها برحلة للشاطئ عشان نحتفل إنها خلصت السنة الدراسية بدرجات ممتازة.
قضينا اليوم كله بنضحك وسط الموج، ونجمع الصدف، ونتخانق بهزار مين عمل أحلى قلعة رمل.
بعدها دخلنا كابينات تغيير الملابس على الشاطئ.
كنت بساعد نور تلبس التيشيرت النضيف، وفجأة سكتت تمامًا.
بصت ناحية الفراغ الصغير تحت الحاجز اللي بيفصل بين الكابينة بتاعتنا والكابينة اللي جنبنا.
وبعدين شدت كمّي.
قالت بصوت واطي:
“يا عمتي… بصّي!”
بصيت لها.
قلت: “في إيه يا حبيبتي؟”
أشارت لرجلين ست كانوا ظاهرين تحت الحاجز.
وقالت:
“الست دي…”
سكتت لحظة، وبعدين همست:
“عندها العلامة بتاعتي على رجلها.”
ابتسمت وقلت لها:
“يا حبيبتي…”
“يمكن دي بس وحمة زي اللي عندك.”
هزت نور رأسها ببطء.
وقالت:
“لأ…”
“دي علامة الفراشة.”
“زي بتاعتي بالظبط.”
اختفت الابتسامة من على وشي.
لأني كنت أعرف شخصًا واحدًا بس في الدنيا غير نور كان عنده نفس العلامة.
ليلى… أختي.
في اللحظة دي…
حسيت إن نفسي اتقطع.
قبل ما أقدر أستوعب أي حاجة، الست اللي في الكابينة اللي جنبنا انحنت تاخد المنشفة بتاعتها.
وأول ما شفت جزء من ساقها…
رجلي كادت تخونني.
ما فكرتش حتى.
سيبت الصندل مكانه، ورفعت الستارة بسرعة…
وجريت ورا الست قبل ما تختفي وسط زحمة الناس. ⬇️
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الجزء الثاني
وقفت ألهث وسط الزحام، وعيني لا تفارق المرأة التي كانت تشق طريقها نحو موقف السيارات. كانت ترتدي قبعة واسعة ونظارة شمسية، لكن طريقة مشيها… كانت مألوفة بشكلٍ أوجع قلبي.
ناديت بأعلى صوتي:
— يا آنسة… استني لو سمحت!
توقفت للحظة، لكنها لم تلتفت. بل أسرعت أكثر.
لحقت بها أخيرًا وأمسكت طرف حقيبتها برفق.
التفتت نحوي بانزعاج، وقالت:
— في حاجة؟
تجمدت الكلمات في حلقي.
ملامحها تغيرت بفعل السنوات… وشعرها صار أقصر… لكن العينين…
كانتا تشبهان عيني ليلى بشكلٍ لا يمكن أن يكون مجرد صدفة.
قلت بصوت مرتجف:
— آسفة… لكن… هل ممكن أسألك سؤال؟
رفعت حاجبها باستغراب.
— اتفضلي.
أشرت إلى العلامة الصغيرة على ساقها.
كانت فراشة بنفس الشكل… وبنفس المكان تقريبًا.
قالت وهي تخفي ساقها بالمنشفة:
— العلامة دي؟ عندي من وأنا طفلة.
ابتلعت ريقي وسألت:
— اسمك… إيه؟
ترددت ثانية، ثم أجابت:
— اسمي… ليان.
لا أعرف لماذا، لكن شيئًا بداخلي أخبرني أنها لا تقول الحقيقة.
في تلك اللحظة وصلت نور، أمسكت بيدي، ثم نظرت إلى المرأة طويلًا.
وفجأة قالت بعفوية:
— إنتِ ريحتك حلوة… زي ريحة ماما.
ارتبكت المرأة بشكلٍ واضح.
اتسعت عيناها، واهتزت يدها حتى سقطت منها المفاتيح على الأرض.
انحنت لتلتقطها، لكن نور سبقتها، وأعطتها لها وهي تبتسم.
حينها… حدث شيء لم أتوقعه.
امتلأت عينا المرأة بالدموع.
نظرت إلى نور وكأنها تحاول تذكر حلم قديم، ثم همست دون وعي:
— نور…
تجمدت في مكاني.
لم أخبرها باسمها.
ولم يكن هناك أحد حولنا نادى عليها.
نظرت إليّ بخوف، وكأنها أدركت ما قالته، ثم استدارت بسرعة وركبت سيارتها وانطلقت قبل أن أتمكن من إيقافها.
لكن قبل أن تختفي…
حفظت رقم لوحة السيارة.
وفي تلك الليلة، وبينما كانت نور نائمة، كنت أنظر إلى الرقم المكتوب على ورقة صغيرة، وأشعر أن الحريق الذي ظننّا أنه أنهى كل شيء… ربما كان يخفي سرًا لم يُكشف منذ ثماني سنوات.
يتبع…
الجزء الثالث
لم أستطع النوم تلك الليلة.
كلما أغمضت عيني، رأيت وجه تلك المرأة… وسمعت همستها:
“نور…”
كيف عرفت اسمها؟
ولماذا ارتبكت عندما رأت العلامة على ساقها؟
في صباح اليوم التالي، طلبت من صديق قديم يعمل في إدارة المرور أن يساعدني في معرفة صاحب السيارة.
بعد ساعات اتصل بي.
قال بصوت متردد:
— العربية مسجلة باسم سيدة اسمها “ليان سامح”… وعنوانها في مدينة تبعد حوالي ساعة من عندكم.
شكرته، لكن قلبي كان يخفق بقوة.
في اليوم التالي، تركت نور عند جارتي لساعات، وانطلقت إلى العنوان.
كان بيتًا صغيرًا تحيط به الأشجار.
طرقت الباب.
فتحت لي المرأة نفسها.
بمجرد أن رأتني، تغير لون وجهها.
قالت بهدوء متوتر:
— كنت عارفة إنك هتيجي.
دخلت وجلست أمامها.
ساد الصمت طويلًا، ثم سألتها مباشرة:
— إنتِ مين؟
أغمضت عينيها للحظات، ثم قالت:
— الحقيقة… أعقد بكتير مما تتخيلي.
حكيت لها عن ليلى… وعن الحريق… وعن نور التي كبرت وهي تنادي صور أمها كل عيد.
كانت تستمع وهي تبكي بصمت.
ثم مدت يدها إلى درج الطاولة، وأخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحته أمامي.
في داخله…
سلسلة فضية على شكل قلب.
عرفتها فورًا.
كانت هديتي لليلى في عيد ميلادها الخامس والعشرين.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قلت وأنا أحدق فيها:
— السلسلة دي… كانت مع أختي.
هزت رأسها ببطء.
ثم قالت بصوت مكسور:
— لأن… أختك ما ماتتش في الليلة دي.
شعرت أن الأرض تميد بي.
لكنها أكملت بسرعة:
— أو… على الأقل… هذا ما كنت أعتقده لسنوات.
وساد الصمت من جديد، بينما بدأت الحقيقة التي ظلت مدفونة منذ ثماني سنوات تقترب أخيرًا من الظهور.
يتبع…
الجزء الرابع
حدقت فيها غير مصدقة.
قلت بصوت مرتجف:
— يعني إيه؟ لو أختي ما ماتتش… مين اللي دفناه؟
تنهدت المرأة طويلًا، ثم قالت:
— اسمعيني للآخر… ولو بعد كلامي كله قررتِ تكرهيني، هتقبّل ده.
بدأت تحكي، وعيناها لا تفارقان السلسلة الفضية.
— اسمي الحقيقي… ليلى.
شعرت وكأن الزمن توقف.
وقفت من مكاني بعنف.
— مستحيل!
رفعت رأسها، والدموع تنساب على خديها.
— بعد الحريق صحيت في المستشفى. كنت مصابة بحروق في وجهي وجسمي، وفاقدة جزء كبير من ذاكرتي. قيل لي إن زوجي توفي، وإن ابنتي لم يتم العثور عليها. وبعد عمليات كثيرة، تغيرت ملامحي تمامًا.
سكتت لحظة، ثم أكملت:
— لما بدأت أستعيد ذاكرتي بعد شهور، حاولت أوصل لكم… لكن اكتشفت إن السلطات سجلت وفاتي رسميًا، وإنه تم دفن جثمان متفحم على أنه أنا. خفت… وما عرفتش أبدأ منين.
سألتها وأنا أكاد أختنق:
— ثماني سنين؟! كل السنين دي ما فكرتيش تدوري على بنتك؟
انهارت بالبكاء.
— فكرت… كل يوم. لكن كنت خايفة. كنت أعتقد إنها ماتت، ولما عرفت بالصدفة قبل سنة إنها عايشة معاك، كنت أراقبها من بعيد. شفتها تدخل المدرسة، وشفتها تكبر… لكن خفت أدخل حياتها وأهدم الاستقرار اللي صنعتيه لها.
ساد الصمت.
لم أكن أعرف هل أغضب… أم أصدق… أم أبكي.
في تلك اللحظة رن هاتفي.
كانت جارتي.
رددت بسرعة.
لكن صوتها جاء مذعورًا:
— إلحقيني بسرعة! نور مش موجودة!
تجمد الدم في عروقي.
— إزاي يعني مش موجودة؟
قالت وهي تلهث:
— كانت بتلعب قدام البيت… ولما دخلت أجيب لها العصير، خرجت… ولحد دلوقتي مش لاقيينها!
نظرت إلى ليلى.
كانت شاحبة الوجه، وقد نهضت هي الأخرى.
من دون كلمة واحدة، خرجنا نجري إلى السيارة.
وللمرة الأولى منذ ثماني سنوات…
كنا نبحث عن نور معًا.
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *