زوجة ابني اسما السيد ×2
الفصل الخامس
اليوم اللي ابني الكبير رجع فيه من السفر…
صحيت من الفجر.
نضفت البيت كله.
وعملت الأكل اللي بيحبه.
وقلت لنفسي:
“أكيد هييجي الأول عند أمه.”
لكن الساعة عدت عشرة…
وبعدين اتناشر…
والموبايل ساكت.
لحد ما رن.
كان ابني.
رديت بسرعة.
قلت بفرحة:
“وصلت يا حبيبي؟”
قال:
“وصلت.”
استنيت أسمعه يقول إنه جاي.
لكنه قال:
“أنا عند بيت أهل مراتي.”
سكت.
وحسيت إن الكلمات وقفت في زوري.
قال بهدوء:
“جيت أشوف ولادي الأول.”
قفلت المكالمة…
وقعدت أبص لباب الشقة.
كل حاجة كانت جاهزة.
لكن البيت كان فاضي.
بعد ساعتين…
خبط الباب.
فتحت.
لقيت ابني الكبير.
وشه باين عليه السفر والتعب.
حضنته.
لكنه كان حضن سريع.
كأنه مستعجل.
قلت:
“ادخل يا ابني.”
دخل.
بص حواليه.
وبعدين قال:
“فين أخويا؟”
قلت:
“في شقته.”
نزل بنفسه.
وبعد دقائق…
سمعت صوت الباب بيتقفل.
وساد هدوء غريب.
قلبي كان هيقف.
فضلوا أكتر من ساعة جوه.
لا صوت خناق.
ولا صوت كلام عالي.
لحد ما الباب اتفتح.
طلعوا هما الاتنين.
عين ابني التاني كانت حمرا.
واضح إنه كان بيعيط.
أما الكبير…
فكان هادي بشكل غريب.
قال:
“يا أمي… إحنا اتكلمنا.”
قلت بسرعة:
“خير؟”
رد:
“أخويا اعترف بغلطه.”
بصيت للتاني.
هز راسه.
وقال بصوت مكسور:
“أنا مستعد أتحمل أي نتيجة.”
قال الكبير:
“باقي حاجة واحدة.”
سألته:
“إيه هي؟”
قال:
“يعتذر قدام مراتي.”
في نفس المكان…
وقدام ولادي…
علشان يعرفوا إن اللي غلط بيتحاسب.
ابني التاني وافق من غير تردد.
قال:
“حتى لو رفضت تسامحني.”
خرجوا سوا.
وركبوا العربية.
وأنا فضلت واقفة في الشباك.
أراقبهم لحد ما اختفوا.
بعد حوالي ساعة ونص…
رجع ابني الكبير لوحده.
فتحت له الباب.
وشي كان مليان أسئلة.
قلت:
“فين أخوك؟”
ابتسم لأول مرة من ساعة ما رجع.
وقال:
“سيبته هناك.”
شهقت.
“يعني إيه سيبته هناك؟”
قال:
“مراتي طلبت تتكلم معاه لوحدهم.”
قلبي اتقبض.
قلت:
“قالت له إيه؟”
رد وهو بيقعد على الكنبة:
“قالت له إنها مش زعلانة من القلم بس…”
“…هي زعلانة إن محدش وقف وقال له إنه غلط.”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة.
كمل:
“وقالت له إنها كانت معتبراني أخوها الصغير…”
“…ولما مد إيده عليها، حسّت إنها فقدت أمانها في البيت كله.”
نزلت عيني في الأرض.
لأول مرة…
حسيت إن جزءًا من اللوم…
كان واقع عليّ أنا كمان.
لأن يوم الواقعة…
كنت بفكر إزاي أحافظ على هيبة البيت…
وما فكرتش إزاي أرجّع حق المظلومة.
وفجأة…
رن جرس الباب.
فتحت…
ولقيت ابني التاني واقف.
لكن المرة دي…
ماكانش لوحده.
كانت مرات أخوه
واقفة على بعد خطوات…
وشايلة ابنها الصغير…
وباصّة ناحيتي بنظرة هادئة…
وقالت:
“ممكن نتكلم يا طنط؟”
عرفت وقتها…
إن الكلام اللي هيتقال بعد اللحظة دي…
هيحدد إذا كانت العيلة دي هتتلم من جديد…
ولا هيتفتح فيها جرح عمره ما يقفل.
الفصل السادس
اتسمرت مكاني…
وأنا ببص لمرات ابني.
كانت واقفة بهدوء…
وشايلة ابنها على كتفها.
أما حفيدتي…
فكانت مستخبية وراها، ماسكة في هدومها.
قلت بصوت واطي:
“ادخلي.”
دخلت.
وقعدت على طرف الكنبة.
ولا هي بصتلي…
ولا أنا عرفت أبص في عينها.
السكوت طال.
لحد ما هي قطعته.
قالت بهدوء:
“أنا جاية علشان أوضح حاجة.”
هزيت راسي.
قالت:
“أنا عمري ما خرجت من البيت علشان أضغط على جوزي.”
سكتت لحظة…
وبعدين كملت:
“أنا خرجت لأني خفت.”
بصيت لها.
قالت والدموع لمعت في عينيها:
“بعد القلم… ابني فضل يعيط ويقول: خالو بيضرب ماما ليه؟”
اتقبض قلبي.
وأضافت:
“لو كنت فضلت في البيت… كنت كل يوم هفتكر المنظر ده.”
ابني الكبير كان ساكت.
أما أخوه…
فكان واقف في آخر الصالة، مش قادر يرفع عينه.
قال بصوت مكسور:
“سامحيني.”
هي بصت له.
لكنه ما كملش.
قرب منها خطوتين.
وقال:
“أنا غلطت.”
“وغلطت غلطة كبيرة.”
“ولا عندي أي مبرر.”
وسكت.
بعدها نزل على ركبته قدامها.
وقال:
“لو مش هتسامحيني دلوقتي… أنا مستعد أفضل مستني لحد ما تسامحيني.”
البيت كله سكت.
حتى الأطفال بطلوا حركة.
هي مسحت دموعها.
وقالت:
“أنا مسامحاك…”
“…لكن بشرط.”
رفع راسه بسرعة.
قال:
“أي شرط.”
قالت:
“من النهارده… محدش يرفع إيده على ست في العيلة دي.”
“ولو حصل…”
“…أول واحدة هتقف ضده تكون طنط.”
الكلمة الأخيرة خبطتني في قلبي.
كل الأنظار اتوجهت ناحيتي.
أنا…
اللي كنت شايفة إن المشكلة إنها خرجت من البيت.
ما فكرتش إن المشكلة الحقيقية…
إنها اتضربت.
حسيت الدموع نزلت من غير ما أقدر أمنعها.
قربت منها.
ومسكت إيديها.
وقلت بصوت متقطع:
“سامحيني يا بنتي.”
“أنا ظلمتك.”
“كنت فاكرة إني بحافظ على بيتي…”
“…لكن أنا كنت بكسر بيت ابني بإيديا.”
بكت.
وأنا بكيت معاها.
وحفيدي الصغير جري عليّ.
حضني بكل قوته.
وقال:
“تيتا… إحنا هنرجع بيتنا؟”
بصيت لوالده.
وبصيت لأمه.
قال ابني الكبير بابتسامة لأول مرة من شهور:
“هنرجع…”
“…بس المرة دي، كل واحد فينا عرف غلطه.”
وفي اللحظة دي…
حسيت إن البيت اللي كان على وشك يضيع…
بدأ أخيرًا يلمّ شتاته من جديد.
لكن ماكنتش أعرف…
إن بعد يومين بس…
هيحصل شيء هيختبر كل الوعود اللي اتقالت في الليلة دي.
الفصل السابع
عدّى يومين…
والبيت رجع فيه صوت الأطفال.
ضحكهم كان مالي السلم.
ولأول مرة من أسابيع…
شميت ريحة الأكل طالعة من شقة ابني الكبير.
قلت لنفسي:
“الحمد لله… الأزمة عدّت.”
لكن…
الراحة ما طولتش.
الساعة كانت حوالي تسعة بالليل…
لما سمعنا خبط شديد على الباب.
فتحت.
لقيت راجل كبير في السن واقف.
عرفته على طول.
كان والد مرات ابني.
وشه كان جامد.
وقال:
“ممكن نتكلم؟”
دخل.
وقعد من غير ما يشرب حتى كوباية الميه اللي قدمتهاله.
بص لابني الكبير.
وقال:
“أنا قبلت اعتذار أخوك…”
“…لكن عندي شرط.”
ابني قال بهدوء:
“اتفضل.”
قال:
“بنتي مش هتسكن في بيت فيه الشخص اللي ضربها.”
البيت سكت.
أخو ابني نزل راسه.
أما أنا…
فقلبي وقع.
ابني الكبير قال:
“يعني حضرتك تقصد…”
قاطعه الراجل.
“يا إما تنقلوا لشقة تانية…”
“…يا إما أخوك يسيب البيت.”
الكلام كان صعب.
لأن الشقتين في نفس العمارة.
والسلم واحد.
والدخول والخروج واحد.
قال والدها:
“أنا مش هقدر أطلب من بنتي تنسى اللي حصل كل يوم وهي شايفة اللي ضربها قدامها.”
أخو ابني اتكلم لأول مرة.
قال:
“عنده حق.”
لفينا كلنا نبص له.
قال:
“أنا اللي همشي.”
صرخت فيه:
“هتمشي فين؟”
قال بهدوء:
“هأجر أوضة قريبة من شغلي.”
قلت بعصبية:
“يعني تسيب بيتك؟”
ابتسم ابتسامة كلها وجع.
وقال:
“أنا اللي غلطت…”
“…وأنا اللي لازم أتحمل نتيجة غلطتي.”
أخوه قرب منه.
وقال:
“إنت مش هتمشي.”
رد:
“لا… هم أولى بالأمان.”
مرات أخوه كانت واقفة ساكتة.
قالت بهدوء:
“أنا ما طلبتش كده.”
رد والدها:
“أنا اللي بطلب.”
سكتت.
وبان عليها إنها محتارة.
هي مش عايزة تخرب العلاقة بين الأخين.
وفي نفس الوقت…
مش قادرة تنسى الإهانة.
بعد ما والدها مشي…
قعدنا كلنا ساكتين.
ولا حد عارف يقول إيه.
وفجأة…
ابني الكبير كسر الصمت.
وقال:
“أنا عندي حل.”
كلنا بصينا له.
قال:
“أنا هأجر شقة قريبة.”
استغربت.
قلت:
“وتسيب شقتك؟”
ابتسم.
وقال:
“أنا راجع من السفر علشان مراتي وولادي.”
“مش علشان الشقة.”
“المكان يتعوض…”
“…إنما لو الثقة ضاعت مرة تانية، عمرها ما هترجع.”
بصيت لمرات ابني.
لقيت دموعها نزلت.
أما أخوه…
فقام من مكانه…
ومد إيده لأخوه.
وقال:
“سامحني.”
حضنه أخوه بقوة.
ولأول مرة من يوم المشكلة…
الاتنين بكوا في حضن بعض.
وأنا واقفة أبص لهم…
وعرفت إن البيوت مش بتحافظ عليها القوة…
ولا الصوت العالي…
لكن بتحافظ عليها كلمة حق…
واعتذار صادق…
وقلوب تعرف ترجع عن غلطها.
الفصل الثامن
عدّى أسبوع…
وابني الكبير استأجر شقة صغيرة على بعد شارعين من البيت.
مش أفخم شقة…
ولا أكبر شقة…
لكن أول ما دخلها قال لمراته:
“المهم تحسي إنك في أمان.”
هي بصت له…
وابتسمت لأول مرة من يوم المشكلة.
أما أنا…
فكل يوم كنت أصحى…
وأبص على باب شقتها القديم.
مقفول.
وأحس إن البيت ناقصه روح.
كنت متعودة كل صباح…
تنزل تقولي:
“صباح الخير يا طنط.”
وتحضر الشاي.
ونقعد نتكلم.
دلوقتي…
ما بقاش في غير الهدوء.
وفي يوم الجمعة…
قررت أروح لهم.
اشتريت لعبة لحفيدي.
وحلوى لحفيدتي.
ووقفت قدام باب الشقة الجديدة.
فضلت دقيقة كاملة…
مش قادرة أخبط.
خايفة تفتح…
وتقفل الباب في وشي.
لكن في الآخر…
جمعت شجاعتي.
خبطت.
الباب اتفتح…
وكان حفيدي هو اللي واقف.
أول ما شافني…
صرخ بفرحة:
“تيتا!”
وجري حضني.
في اللحظة دي…
كل الخوف اللي جوايا اختفى.
دخلت.
لقيت مرات ابني بتجهز الغدا.
أول ما شافتني…
وقفت.
كان واضح إنها متوترة.
قلت بهدوء:
“جيت أشوفكم…”
“…لو تسمحوا.”
قالت بسرعة:
“اتفضلي يا طنط.”
قعدنا.
وفي الأول…
الكلام كان قليل.
لحد ما حفيدتي قالت وهي بتضحك:
“تيتا… ماما عملت المحشي اللي بتحبيه.”
ابتسمت.
وقلت:
“يبقى لازم أدوقه.”
بعد الأكل…
ابني نزل يجيب حاجة من السوبر ماركت.
والأطفال دخلوا يلعبوا.
بقينا أنا وهي لوحدنا.
بصيت لها.
وقلت:
“أنا عايزة أسألك سؤال.”
قالت:
“اتفضلي.”
قلت:
“إنتِ زعلانة مني لسه؟”
سكتت شوية.
وبعدين قالت بصراحة:
“الوجع بيروح…
لكن الكلام بيفضل.”
نزلت عيني.
قالت:
“لما حضرتك منعتي الفلوس…
أنا حسيت إن محدش حاسس بيا.”
“ماكنتش خايفة على نفسي…”
“…كنت خايفة على العيال.”
دموعي نزلت.
وقلت:
“أنا غلطت.”
“وأشهد ربنا…
إني ندمت كل يوم.”
مدت إيدها…
ومسكت إيدي.
وقالت:
“كلنا بنغلط يا طنط.”
“المهم إننا نتعلم.”
في اللحظة دي…
دخل ابني الكبير.
شافنا ماسكين إيد بعض.
وقف مكانه.
وقال وهو بيبتسم:
“هو أنا دخلت في الوقت الصح؟”
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وقلت:
“أيوه…”
“…دخلت في الوقت اللي العيلة بدأت ترجع عيلة من جديد.”
لكن وأنا خارجة من عندهم…
لقيت عربية فاخرة واقفة تحت العمارة.
ونزل منها شخص ماكنتش أتوقع أشوفه أبدًا.
كان والد مرات ابني.
بص لي…
وقال بجدية:
“محتاج أكلمك لوحدنا… لأن في حاجة عرفتها النهارده، وهتغيّر نظرتك لابنك الصغير بالكامل.”
وقتها…
رجع القلق يطرق باب قلبي من جديد.
يتيع