بقالي ١٢ سنه روماني ٣

اندفع مدحت في شوارع المدينة كالمجنون، يركض وعقلة مشتت بين علبة الشبكة التي يقبض عليها في جيبه بقوة، والديون التي تطارده، وصورة والدته وهي ملقاة على فراش المستشفى. حين وصل إلى باب الاستقبال، وجد قريبتهم تقف تبكي، وبمجرد أن رأته صاحت: “الحق يا مدحت، الدكاترة جوه معاها، الست لسانها ثقل ومبقتش قادرة تحرك جنبها الشمال.. الضغط عِلي عليها فجأة ومستحملتش الصدمات اللي ورا بعض.”

انزوى مدحت في ركن مظلم بالممر، واضعاً يديه فوق رأسه ويضرب جدار المستشفى بقدمه من شدة العجز. الطبيب خرج بعد ساعة بوجه متجهم ليؤكد له الكارثة: “جلطة دماغية سببت شلل نصفي مؤقت، محتاجة عناية مركزة لعدة أيام، وبعدها رحلة علاج طبيعي طويلة.. والأهم من ده كله، تبعد تماماً عن أي ضغط عصبي.”

تكاليف العناية المركزة في المستشفى كانت تفوق قدرته المالية بمراحل، وهو الذي أنفق كل ما يملك واستدان فوق طاقته من أجل زواج تبخر في الهواء. اضطر مدحت في نفس الليلة إلى فتح علبة الشبكة، وتوجه إلى أحد محلات الصاغة القريبة لبيعها بخسارة كبيرة حتى يسدد جزءاً من مصاريف المستشفى ويشتري الأدوية لوالدته، التي كانت تنظر إليه من وراء زجاج العناية بعينين مكسورتين، خبا منهما شر التحدي والظلم، وحل محلهما ندم صامت لا يملك صاحبه القدرة على الكلام.

في المقابل، كانت ريهام تعيش أجواءً مختلفة تماماً. في صباح اليوم التالي، كانت تجلس في مكتبها بالشركة بعد أن هدأت العاصفة. زملائها في العمل الذين اعتذروا لها عما بدر من والدة طليقها، أبدوا إعجاباً شديداً بثباتها وقدرتها على إدارة الأزمة واسترداد حقها بالقانون.

لم تقف ريهام عند حد استعادة الشقة وأثاثها، بل بدأت بالفعل مع شقيقها أحمد خطوتها الأولى في استثمار أموال الإيجار التي تحصل عليها من الشقة. قررت ريهام بالاشتراك مع أحمد افتتاح مكتب استشارات مالية ومحاسبية خاص بها، وهو الحلم الذي طالما أجلته لسنوات بسبب انشغالها بمصاريف محاولات الإنجاب وضغوط بيتها السابق.

بينما كانت ريهام توقع عقد مقر مكتبها الجديد، تلقى أحمد اتصالاً من أحد معارفهم المشتركين يخبره بما حدث للحاجة فايزة وطلاق مدحت من خطيبته الجديدة وديونه المتراكمة. أغلق أحمد الهاتف والتفت إلى ريهام قائلاً: “مدحت أمه جالها شلل نصفي وجلطة، وعلا فسخت الخطوبة ورمتله الشبكة، ووالدها بيهدده بالحبس بسبب وصولات الأمانة.. الدنيا دارت وخلصت حقك وزيادة يا ريهام.”

صمتت ريهام لثوانٍ، نظرت من النافذة إلى الأفق، ولم تشعر بالتشفي بل شعرت بوقار العدل الإلهي. قالت بصوت هادئ: “الظلم ظلمات يا أحمد. أنا مدعيتش عليهم، أنا بس رفضت أكون الضحية. ربنا سبحانه وتعالى هو اللي رتب كل حاجة في وقتها عشان يوريهم إن دوام الحال من المحال.”

مر أسبوع كامل، خرجت فيه الحاجة فايزة من المستشفى محمولة على مقعد متحرك، وعادت إلى شقتها القديمة المتهالكة. أصبح مدحت هو الخادم الوحيد لأمه؛ يطبخ، وينظف، ويساعدها على الحركة، بجانب عمله الذي بات يقصر فيه بسبب الإرهاق.

لكن الكابوس الأكبر لم يبدأ بعد. انقضت مهلة الـ 48 ساعة التي حددها والد علا، ولم يجد مدحت سبيلاً لجمع تمن الشرط الجزائي ومصاريف القاعة التي ضاعت. وفي مساء يوم خريف بارد، طُرق باب الشقة بعنف.

حين فتح مدحت، وجد أمامه محضرًا من المحكمة يسلمه جنحة مباشرة مرفوعة ضده من والد علا بتهمة التبديد والنصب، مستنداً إلى أوراق ووصولات الأمانة التي وقع عليها مدحت لفرش الصالون الذي لم يدخل الشقة أصلاً.

سقطت الورقة من يد مدحت، وجرى نحو أمه باكياً: “أنا هتحبس يا أمي.. حمايا رفع عليا قضية بالوصلات والشرط الجزائي، والمحامي بيقولي لو مدفعتش خلال أسبوعين الحكم هيكون واجب النفاذ بالحبس ثلاث سنين! هجيب منين كل المبالغ دي؟ أنا معنديش حاجة أبيعها تاني!”

نظرت إليه الحاجة فايزة، وحاولت تحريك يدها السليمة للإشارة إلى شيء ما، وبجهد جهيد خرجت من فمها كلمات ثقيلة ومتقطعة: “الـ.. الـشـقـة.. بـيـع.. شـقـتـي..”

صعق مدحت من طلب والدته؛ بيع الشقة القديمة؟ الشقة الوحيدة التي تسترهم وتحمل ذكرياتهم؟ لو باعها، أين سيذهب بأمه المشلولة؟ وكيف سيعيشان؟ لكن السجن كان يفتح ذراعيه له، ولم يكن أمامه أي مفر.

في هذه الأثناء، أعلنت ريهام رسمياً عن افتتاح مكتبها الجديد، وبدأت في استقبال عملائها الأوائل بروح جديدة كلياً، متحررة من ألم الماضي ومعاناته. وبينما كانت تراجع بعض الأوراق، رن هاتفها برقم محامٍ يعرف مدحت.

أجابت ريهام، ليأتيها صوت المحامي محرجاً: “مساء الخير يا أستاذة ريهام.. أنا بكلمك بخصوص الأستاذ مدحت. هو في ضائقة مالية طاحنة ومهدد بالحبس خلال أيام، ومعروض للبيع حالياً شقة والدته القديمة لسداد الديون. مدحت طلب مني بشكل شخصي ومحرج جداً إني أعرض الشقة عليكي إنتي وأخوكي الأول لو حابين تشتروها كاستثمار، لأنه مستعد يبيعها بنصف ثمنها بس عشان ينقذ نفسه من السجن..”

حبست ريهام أنفاسها، والتفتت إلى شقيقها أحمد الذي كان يجلس جوارها وعلامات الدهشة ترتسم على وجهه من مفارقات القدر.. فهل ستوافق ريهام على شراء شقة حماتها السابقة وتطرد غريمها الأخير تماماً، أم أن لها خطة أخرى ستصدم بها مدحت وتغير مسار المعركة بالكامل؟

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

التفتت ريهام إلى شقيقها أحمد ونقلت له تفاصيل المكالمة وهدوء مريب يسيطر على نبرة صوتها. أحمد صمت لثوانٍ، ثم ابتسم بمرارة وقال: “سبحان الملك.. الشقة اللي كانت أمه عاوزة تطردك منها عشان تقعد فيها العروسة الجديدة، دلوقتي بيعرضوا عليكي شقتهم الوحيدة عشان يهربوا من السجن! الدنيا بتلف بسرعة أوي يا ريهام. إيه رأيك؟ نشتريها ونقفل الصفحة دي خالص؟”

نظرت ريهام إلى عقد مكتبها الجديد الذي بين يديها، ثم قالت للمحامي على الهاتف: “قول لمدحت إني موافقة أشتري الشقة، بس بشرط واحد.. السعر اللي هحدده أنا والمحامي بتاعي بناءً على حالة الشقة المتهالكة، والبيع يكون نهائي وبتسليم فوري خلال 48 ساعة.”

أغلق المحامي الخط وتوجه فوراً إلى مدحت لينقل له الموافقة المشروطة. حين سمع مدحت أن المشتري هي “ريهام”، شعر بطعنة جديدة في كبريائه؛ المرأة التي خطط لكسرها والاستيلاء على ملكها، أصبحت الآن هي طوق النجاة الوحيد له من السجن، وهي التي ستملك جدران طفولته. بكت الحاجة فايزة بدموع ثقيلة وهي تسمع الكلمات، لكن شلل أجسادهم وعجز أموالهم لم يترك لهما رفاهية الرفض. وافق مدحت مرغماً.

بعد يومين، تم توقيع عقد بيع الشقة القديمة في مكتب محامي ريهام. لم تحضر ريهام بنفسها، بل أرسلت شقيقها أحمد لينهي الإجراءات ويسلم مدحت المبلغ الذي كان بالكاد يكفي لسداد ديون والد علا وقيمة وصولات الأمانة ومصاريف المستشفى المتأخرة. وقع مدحت والقلم يرتجف في يده، وسلم أحمد مفاتيح الشقة القديمة، وأصبح رسمياً هو ووالدته بلا مأوى.

بالمبلغ الذي استلمه، ركض مدحت إلى والد علا وسدد كل الديون والشرط الجزائي واسترد وصولات الأمانة التي كانت ستلقي به خلف القضبان. تنفس الصعداء لإنقاذ نفسه من السجن، لكن الفرحة لم تدخل قلبه؛ فقد التفت حوله ليجد نفسه يجر مقعد والدته المتحرك في الشارع، يبحث عن شقة صغيرة جداً للإيجار القانون الجديد في حي عشوائي بعيد، شقة لا يدخلها الشمس ولا تشبه في شيء دفء وجمال شقتهم السابقة.

انتقل مدحت وأمه إلى الغرفة الضيقة التي استأجرها بما تبقى من قروش قليلة. تحولت حياة الحاجة فايزة إلى جحيم صامت، تتأمل سقف الغرفة الرطبة وتتذكر شقة ريهام الواسعة وأثاثها الفاخر الذي طمعت فيه، وكيف أن طمعها قادها إلى هذا الضيق. ومدحت تحول إلى آلة تتحرك بين العمل المرهق والعودة للمنزل لرعاية أمه المشلولة، دون أن يملك ثمن الدواء أو حتى القدرة على الحلم بزواج جديد أو عائلة.

في هذه الأثناء، بدأت ريهام خطواتها الواثقة في مكتبها الجديد. حقق المكتب نجاحاً ملحوظاً خلال أسابيع قليلة بفضل شبكة علاقاتها وسمعتها الطيبة. وفي أحد الأيام، بينما كانت تراجع حسابات المكتب مع أحمد، دخلت إحدى العميلات الجدد، وبعد انتهاء العمل، نظرت إلى ريهام وقالت بتردد: “أستاذة ريهام.. أنا أعرف قصتك من صفحات الفيس بوك، وكنت عاوزة أقولك إنك بقيتي رمز لكل ست بتتظلم وتعرف تاخد حقها بأدب وقانون. بس في خبر تالت يمكن ميعرفيهوش عن مدحت وعيلته.”

انتبهت ريهام وقالت: “خير يا فندم؟”

قالت السيدة: “علا، العروسة اللي كانوا مرتبين معاها، اتخطبت الأسبوع اللي فات لراجل كير في السن ومطلق بس غني جداً، وأهلها وافقوا عليه فوراً عشان يداروا كلام الناس بعد الفضيحة اللي حصلت مع مدحت. ومدحت نفسه، رئيسه في الشغل نقله لفرع تاني في المحافظة بعيد جداً بسبب كثرة غيابه وعدم تركيزه، وبيبقى يروح وييجي كل يوم في المواصلات عشان يلحق يخدم أمه.”

لم تعلق ريهام، بل شكرت السيدة بهدوء. وحين غادرت العميل المكتب، التفت إليها أحمد وقال: “ربنا مبيسبش حد مظلوم يا ريهام، كل واحد رتب مؤامرة ضدك، اتقلبت عليه.”

قالت ريهام وهي تغلق دفتر حساباتها: “الحمد لله يا أحمد، أنا قفلت الباب ده من حياتي تماماً، ومليش دعوة بيهم.. أنا ببص قدامي وبس.”

لكن القدر لم يكتفِ بهذا القدر من التحولات؛ فبعد مرور شهرين على هذه الأحداث، وتحديداً في بداية العام الجديد، شعرت ريهام ببعض التعب والإرهاق المستمر، وهو ما جعلها تتوجه إلى الطبيبة لإجراء بعض الفحوصات المعتادة، ظناً منها أن ضغط العمل في المكتب الجديد هو السبب.

جلست ريهام في عيادة الطبيبة المنتظرة النتيجة، ودقات قلبها هادئة لا تتوقع شيئاً. دخلت الطبيبة وعلامات الدهشة والذهول ترتسم على وجهها، تنظر إلى الأوراق ثم إلى ريهام وقالت بنبرة لم تصدقها ريهام في البداية: “مدام ريهام.. أنا مش عارفة أقولك إيه، بس التحاليل والأشعة بتقول حاجة أشبه بالمعجزة الطبية بعد 12 سنة سعي…”

تسمرت ريهام في مقعدها، وحبست أنفاسها وهي ترى الطبيبة تبتسم ب اتساع.. فما هي المعجزة المفاجئة التي خبأها القدر لريهام بعد أن ظنت أن قطار الأحلام قد فات؟ وكيف سيكون أثر هذا الخبر الصاعق لو وصل إلى مسامع مدحت وأمه في غرفتهم الضيقة؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *