١٨ مكالمه حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الخامس
الظرف كان قدامنا…
ومحدش فينا قادر يفتحه.
أبويا قال للمحامي:
“اقرأ.”
فتح المحامي التقرير بهدوء.
وقرأ أول سطر.
وبعدين رفع عينه ناحيتي.
وقال:
“التقرير بيؤكد إن ريان توفي نتيجة أزمة تنفس حادة رغم محاولات الإنعاش والعلاج.”
قلبي وجعني من أول جملة.
لكن السؤال اللي كان بياكلني…
لسه ما اتجاوبش.
قلت بسرعة:
“والبخاخة؟”
قلب الصفحة.
وقال:
“التقرير الطبي لا يستطيع الجزم بدور البخاخة التي وُجدت لاحقًا، ولا يمكن من الناحية الطبية تحديد ما إذا كانت ستغير النتيجة لو كانت موجودة.”
غمضت عيني.
الدموع نزلت لوحدها.
يعني…
مفيش حد هيقدر يقول إن ابني كان هيتنقذ.
ولا حد هيقدر يقول إنه كان هيموت برضه.
لكن في حقيقة واحدة…
محدش يقدر ينكرها.
إنه مات…
وأبوه ما كانش جنبه.
المحامي كمل.
وقال:
“وده شيء مختلف عن سبب الوفاة.”
“لكن عدم وجوده…”
“وسوء التصرف بعد كده…”
“دي أمور كل واحد هيحاسب عليها بطريقته.”
كريم كان قاعد…
وشه كله دموع.
فجأة قام.
ومشى ناحية أوضة ريان.
الأوضة كانت زي ما هي.
سريره الصغير.
وبيجامة باتمان فوق المخدة.
والرسومات لسه معلقة على الحيطة.
مسك العربية اللعبة…
اللي كان جايبها بعد وفاته.
وقعد على الأرض.
وقال وهو بيعيط:
“أنا وعدتك يا بطل.”
“وقلتلك أول المرتب.”
“بس أنا اتأخرت.”
دخلت وراه.
وقفت عند الباب.
لأول مرة…
حسيته مكسور بجد.
قال من غير ما يبصلي:
“ريم…”
“أنا كل يوم بصحى على صوت آخر سؤال سأله.”
“‘هو بابا جاي؟'”
“والله…”
“الصوت ده مش بيسيبني.”
قلت بهدوء:
“لأنه كان مستنيك.”
“لآخر نفس.”
سكت.
وبعدين مد إيده في جيبه.
طلع سلسلة مفاتيح صغيرة.
كانت عليها باتمان.
وقال:
“اشتريتها علشان أحطها مع مفاتيحه أول ما يكبر.”
بصيت للسلسلة.
وحسيت إن كل الأحلام الصغيرة…
انتهت قبل ما تبدأ.
قبل ما يخرج…
وقف قدام أبويا.
وقال:
“أنا مستعد أتحمل أي نتيجة.”
“بس في طلب واحد.”
أبويا قال ببرود:
“إيه هو؟”
قال وهو بيبكي:
“سيبوني أزور قبر ابني.”
نظر له أبويا طويلًا…
ثم قال:
“القبر مش هيمنعك عنه.”
“لكن افتكر…”
“كل مرة هتروحله…”
“إن طفل عنده خمس سنين مات وهو مستني حضن أبوه.”
خرج كريم…
من غير ما ينطق.
وأنا وقفت قدام صورة ريان.
ولأول مرة من يوم وفاته…
ما سألتش: “ليه حصل كده؟”
لكن قلت وأنا بلمس صورته:
“سامحني يا حبيبي…”
“أنا عملت كل اللي قدرت عليه…”
“وأتمنى تكون عارف…
إن ماما عمرها ما سابتك لحظة.”
الفصل السادس
عدى أربعين يوم…
وأنا لسه…
كل ما أفتح باب أوضة ريان…
أستنى يطلع يجري وهو بيضحك.
كل حاجة كانت مكانها.
السرير الصغير.
عربية الإسعاف اللعبة.
وبيجامة باتمان…
اللي كان بيحب يلبسها حتى وهو نايم.
أمي كانت كل يوم تقول:
“يا بنتي… شيلي حاجته.”
لكن…
ماكنتش أقدر.
كنت حاسة…
إن أول ما أشيلها…
هعترف إنه مش راجع.
في يوم…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت كريم.
كان شايل كرتونة كبيرة.
وشه كان باين عليه الإرهاق.
قال بهدوء:
“دي حاجات ريان اللي كانت في العربية.”
ما رديتش.
ساب الكرتونة عند الباب.
ولف يمشي.
لكن أبويا ناداله.
“استنى.”
وقف كريم.
قال له أبويا:
“ادخل.”
دخل وهو متردد.
حط الكرتونة في الصالة.
فتحتها.
لقيت فيها كراسة رسم.
ولعبة صغيرة.
وزجاجة مية نصها مليان.
ولقيت ظرف أبيض.
فتحت الظرف.
كان فيه جواب.
بخط كريم.
واضح إنه كتبه بعد وفاة ريان.
بدأ يقرأه بصوت مرتعش.
“إلى ابني ريان…
أنا عارف إنك مش هتقرأ الجواب ده.
بس يمكن أكتبه علشان أقدر أكمل بقيت عمري.
أنا غلطت…
غلطت لما افتكرت إن الشغل أهم.
وغلطت لما سيبت المكالمات تتراكم من غير ما أعرف إن كل دقيقة كانت بتبعدني عنك.
مش عارف لو كنت وصلت بدري…
كان إيه اللي ممكن يتغير.
لكن عارف حاجة واحدة…
إنك استحققت أبًا يكون جنبك…
وأنا قصرت.
كل يوم هعيش بالذنب ده.
وكل يوم هفتكر آخر سؤال سألته…
(هو بابا جاي؟)
وأنا…
ما جيتش.”
خلص يقرا.
وسكت.
الصالة كلها كانت ساكتة.
حتى أبويا…
اللي عمره ما رق قلبه على كريم…
كان باصص في الأرض.
كريم قام.
وقال:
“أنا مش طالب مسامحة.”
“ولا طالب فرصة.”
“أنا بس كنت عايز أمه تعرف…
إني مش ههرب من ذنبي طول عمري.”
ولف علشان يمشي.
لكن قبل ما يفتح الباب…
قلت لأول مرة من يوم وفاة ريان:
“استنى.”
وقف مكانه.
قلت وأنا ببص لصورة ريان المعلقة على الحيطة:
“أنا يمكن في يوم أسامحك على اللي بيني وبينك.”
“لكن في حاجة عمرها ما هتتنسى.”
“إن ابننا خرج من الدنيا…
وكان نفسه الأخيرة يشوف أبوه.”
نزل كريم رأسه.
ومسح دموعه.
وخرج من غير ما يقول كلمة.
وأنا فضلت واقفة قدام صورة ريان…
وأيقنت إن بعض الجراح…
بتلتئم.
لكن آثارها…
بتفضل محفورة في القلب طول العمر.
الفصل السابع
مرت سنتين…
كنت فاكرة إن الزمن هيمحي الوجع.
لكن الحقيقة…
إنه بس بيعلمك إزاي تعيش بيه.
رجعت لشغلي.
رجعت أضحك مع الناس.
لكن كل يوم…
الساعة 11:47 بالليل…
كنت أبص في الساعة…
وأفتكر.
كل سنة…
في نفس اليوم…
كنت أروح المقابر بدري.
أقعد جنب ريان.
أقرا له الفاتحة.
وأحكيله عن يومي.
وأقول له:
“عارف يا حبيبي…
أنا أخدت الترقية اللي كنت بقولك عليها.”
“وعملت أوضتك في البيت زي ما هي.”
“لسه العربية الحمرا في مكانها.”
“ولسه باتمان على السرير.”
يمكن الناس كانت تستغرب.
لكن بالنسبة لي…
دي كانت طريقتي الوحيدة أحس إنه قريب.
أما كريم…
فاتغير.
بقى كل أسبوع يزور قبر ريان.
من غير ما يبلغ حد.
يحط وردة بيضا.
ويقعد ساعة كاملة.
ولا يتكلم.
ولا يبكي قدام حد.
وفي يوم…
كنت رايحة أزور ريان.
ولقيته هناك.
قاعد على الأرض.
وبيكلم شاهد القبر.
سمعته بيقول:
“أنا كل مرة أجي…
أقول يمكن تسامحني.”
“لكن كل مرة أمشي…
أكتشف إني لسه مش مسامح نفسي.”
ماحسش بيا.
لفيت أمشي.
لكن رجلي خبطت في حجر.
لف بسرعة.
ولما شافني…
قام.
وقال:
“أنا آسف.”
قلت:
“بتعتذر لمين؟”
قال:
“لك.”
“ولريان.”
“ولنفسي.”
سكت شوية…
وبعدين قال:
“أنا استقلت من الشغل.”
استغربت.
قال:
“اليوم اللي ابني مات فيه…”
“كنت فاكر إن الاجتماع أهم.”
“دلوقتي فهمت إن مفيش شغل في الدنيا…”
“يستاهل تخسر علشانه ابنك.”
بصيت له.
ولأول مرة…
ما شفتش قدامي زوجي السابق.
شفت أب…
اتكسر للأبد.
قال:
“بقيت بروح مستشفيات الأطفال.”
“وبتبرع بأجهزة تنفس وبخاخات.”
“مش علشان أكفر عن ذنب.”
“لأن الذنب ده ملوش كفارة.”
“لكن يمكن طفل تاني…”
“يلحق يشوف أبوه.”
وقتها…
حسيت إن ريان…
رغم إنه رحل…
غير حياة ناس كتير.
وقبل ما أمشي…
وقفت قدام قبر ابني.
وحطيت إيدي على الرخام.
وقلت:
“يا ريان…
يمكن ربنا اختارك بدري.”
“لكن علمتنا درس عمرنا ما هننساه.”
“إن دقيقة مع اللي بنحبهم…”
“أغلى من سنين شغل…”
“وأغلى من أي فلوس في الدنيا.”
رفعت عيني للسماء…
وأول مرة من يوم رحيله…
دعيت…
مش وأنا بسأل: “ليه؟”
لكن وأنا بقول:
“اللهم اجمعني بابني في جنتك…
واجعل فراقه آخر وجع كبير في قلبي.”
وساعتها…
حسيت بنسمة هوا خفيفة عدت على وشي…
فابتسمت لأول مرة…
من غير دموع.
الفصل الثامن
مرت خمس سنين…
والناس كلها كانت فاكرة…
إن الحياة رجعت طبيعية.
لكن الحقيقة…
إن في حاجات…
بتفضل ناقصة للأبد.
كنت كل ما أشوف طفل في سن ريان…
أبتسم…
وبعدين أبص بعيد.
مش علشان الوجع راح.
لكن علشان اتعلمت أعيش معاه.
في يوم…
كنت خارجة من شغلي.
ورني تليفوني.
كان رقم غريب.
رديت.
لقيت صوت ست كبيرة في السن.
قالت:
“حضرتك مدام ريم؟”
قلت:
“أيوه.”
قالت:
“أنا مديرة دار أيتام.”
استغربت.
قالت:
“كان عندنا متبرع مجهول.”
“كل شهر يبعت مبلغ ثابت.”
“ويشترط إن الفلوس تروح للأطفال اللي بيعانوا من أمراض الصدر.”
سكتت لحظة…
ثم قالت:
“قبل أسبوع…”
“طلب يقابلنا.”
“وقال لنا…”
“لو حصل لي أي حاجة…”
“سلموا الجواب ده لأم الطفل ريان.”
قلبي دق بسرعة.
قلت:
“مين هو؟”
قالت بهدوء:
“كريم.”
روحت الدار.
استلمت ظرف صغير.
فتحت الجواب.
كان مكتوب فيه:
“ريم…
أنا عارف إن بعض الأخطاء…
عمرها ما تتصلح.
وعارف إن في جرح…
هيفضل مفتوح طول العمر.
لكن من يوم ما ريان مشي…
وأنا قررت إن اسمه يفضل سبب في إنقاذ أطفال تانيين.
كل شهر…
كنت بشتري بخاخات وأجهزة تنفس للأطفال اللي أهلهم مش قادرين.
كل طفل كان بياخد علاج…
كنت بدعي من قلبي…
إنه يرجع بيته سليم.
يمكن ربنا ما يكتبليش إن ابني يسامحني.
لكن بدعي…
إنه يقبل مني أي خير بعمله باسمه.
ولو في يوم…
سألتي نفسك…
هل كنت بحبه؟
فالإجابة…
إني بحبه من يوم اتولد…
وهفضل أحبه…
لآخر نفس.”
قفلت الجواب.
ونزلت دموعي.
مش لأن الماضي رجع…
لكن لأن الحقيقة كانت أوضح من أي وقت.
في ناس…
بتتعلم الدرس قبل ما تخسر.
وفي ناس…
ما بتفهمش قيمة اللي في إيديها…
إلا بعد ما يضيع.
خرجت من الدار.
ورفعت عيني للسماء.
وهمست:
“يا رب…
احفظ كل طفل بينادي على أمه أو أبوه.
وما تكتبش على قلب…
الوجع اللي عشناه.”
ومشيت…
وأنا متأكدة…
إن ريان…
رغم عمره القصير…
ساب أثرًا…
هيفضل يعيش…
في كل نفس يرجع لطفل…
كان ممكن يضيع.
بعد عشر سنوات…
كان النهار هادي…
والشمس داخلة من شباك المكتب.
وقفت أبص على البرواز الصغير…
اللي فيه صورة ريان وهو لابس بيجامة باتمان…
وبيضحك.
كل يوم…
قبل ما أبدأ شغلي…
كنت أبص للصورة…
وأقول:
“صباح الخير يا حبيبي.”
الناس كانت بتستغرب.
لكن أنا…
كنت حاسة إنه لسه موجود في كل خطوة.
بعد اللي حصل…
قررت أعمل حاجة باسمه.
مع مجموعة من المتطوعين…
أسسنا مبادرة صغيرة…
نوفر فيها أجهزة استنشاق وأدوية للأطفال اللي أهلهم مش قادرين.
بدأت بعشر علب دواء.
وبعد سنين…
بقت بتساعد مئات الأسر.
وفي كل مرة…
كنت أسلم أم بخاخة لطفلها…
كنت أفتكر ريان.
وأقول في سري:
“يمكن ربنا جعل وجعنا…
سبب في نجاة غيرنا.”
وفي يوم…
دخلت عليّ أم شابة.
كانت شايلة ابنها…
وعمالة تعيط.
قالت:
“لو ما كنتوش وفرتوا العلاج…
مكنتش عارفة أعمل إيه.”
حضنت ابنها…
وخرجت وهي بتدعي.
فضلت أبص وراها.
وحسيت لأول مرة…
إن ريان…
لسه بيعمل خير.
بس بطريقة تانية.
في نفس اليوم…
وصلني ظرف.
فتحتُه.
كان فيه صورة قديمة.
أنا…
وكريم…
وريان بينا.
خلف الصورة…
كان مكتوب بخط كريم:
“مهما اختلفت طرقنا…
فضل ريان أجمل حاجة جمعتنا.
ادعيله.”
بصيت للصورة…
وحطيتها جنب صورته الجديدة.
لا رجعت الأيام.
ولا رجع اللي راح.
لكن بقيت مؤمنة…
إن الإنسان…
مش بيتقاس بعدد سنين عمره.
بيتقاس بالأثر اللي بيسيبه.
أما ريان…
فرغم إنه عاش خمس سنين بس…
علّم أمه…
إن الحب الحقيقي…
ما بيموتش.
وعلّم أبوه…
إن دقيقة مع ابنك…
أغلى من ألف اجتماع.
وعلّم كل اللي عرف حكايته…
إن كلمة “هرد عليك بعدين”…
ممكن في لحظة…
يبقى بعدها…
مفيش فرصة تانية.
تمت.