بعد وفاة جوزي حكايات اسما السيد ×4
الفصل التاسع: اعتراف زينب الأخير
سادت حالة من الصمت داخل البيت.
لا أنا كنت قادرة أتكلم…
ولا عادل.
كل واحد فينا كان بيحاول يفهم.
لو فريد ماكانش هو اللي سلّم الطفل…
يبقى مين؟
وليه؟
كملت قراءة الرسالة.
“أنا عارفة إن اللي هكتبه دلوقتي هيغير حياة ناس كتير.
لكن ضميري معادش مستحمل.”
“اليوم ده كنت ممرضة متطوعة في المستشفى اللي استقبلت مصابي الحادث.”
بصيت لعادل.
وقلت:
“إذن هي كانت ممرضة.”
هز رأسه.
“أيوه… عمرها ما حكتلي أي حاجة عن اليوم ده.”
رجعت للرسالة.
“وأنا خارجة من المستشفى بعد نهاية المناوبة…
لقيت راجل واقف بعربية قديمة، وشايل طفل نايم.”
“أول ما شافني قال:
(لو سمحتي… خدي الولد ده يومين بس.)”
استغربت.
“قلت له: إنت مين؟
قال:
(مش مهم أنا مين… المهم إن فيه ناس بتدور عليه.)”
اتجمدت.
“سألته: أهله فين؟
قال وهو بيبكي:
(لو وصلوله دلوقتي… هيموت.)”
رفعت عيني.
“هو كان بيبكي.”
قال عادل بهدوء:
“واضح إنه ماكانش مجرم.”
كملت.
“رفض يقول اسمه.
رفض ياخد فلوس.
وساب مع الطفل نصف سلسلة فضة.
وقال لي:
(النص التاني مع أخوه… ولو ربنا أراد هيجتمعوا يوم.)”
أنا وعادل بصينا لبعض في نفس اللحظة.
السلسلة!
أخرجت نصف السلسلة من الصندوق.
وفضلت أتأملها.
كانت مكسورة من المنتصف.
لكنها مصنوعة بشكل مميز.
دائرة صغيرة محفور فيها حرف (ي).
قلت:
“يبقى يوسف معاه النص التاني.”
عادل همس:
“طول عمري كنت فاكرها مجرد سلسلة قديمة.”
رجعت أكمل الرسالة.
“بعد أسبوع…
رجعت أدور على الراجل.
اختفى.”
“وبعد شهر…
نشرت الجرائد صور الأطفال المفقودين.
عرفت إن الطفل اللي عندي واحد منهم.”
“كنت ناوية أبلغ الشرطة.
لكن قبل ما أعمل كده…
وصلني جواب.”
قلبي دق.
“الجواب كان فيه تهديد واضح.”
(لو اتكلمتي… الطفل هيموت.)
شهقت.
عادل قبض على طرف الكرسي بقوة.
“من يومها…
هربت من المدينة.
وربيت الطفل على إنه ابني.”
انتهت الرسالة.
لكن كان فيه ظرف صغير ملزوق في آخرها.
فتحته.
كان فيه صورة.
لراجل واقف بعيد.
وشه مش واضح.
لكن فيه شيء لفت نظري.
ساعة في إيده.
ساعة قديمة…
أنا أعرفها.
قربت الصورة من وشي.
وفجأة وقفت مكاني.
قلت بصوت يكاد لا يُسمع:
“مستحيل…”
عادل سألني:
“في إيه؟”
قلت:
“الساعة دي…”
“أنا شفتها قبل كده.”
“كانت عند محمود.”
عادل اتجمد.
“إيه؟”
بصيت للصورة مرة تانية.
فعلاً…
كانت نفس الساعة القديمة اللي كان جوزي بيحتفظ بيها في دولابه، ويقول إنها أغلى حاجة عنده.
لكن محمود كان دايمًا بيقول:
“الساعة دي هدية من راجل أنقذ حياتي وأنا صغير.”
رفعت رأسي ببطء.
وأدركت لأول مرة…
أن الرجل المجهول الذي سلّم عمر إلى زينب…
قد يكون هو نفسه الرجل الذي أنقذ محمود في شبابه.
وإذا كان ذلك صحيحًا…
فإن حياة محمود لم تكن مرتبطة بعمر بعد حادث الأتوبيس فقط…
بل كانت مرتبطة بذلك الرجل الغامض منذ سنوات طويلة، بطريقة لم يخبر بها أحدًا أبدًا.
يتبع…
الفصل العاشر: الحقيقة التي أخفاها حتى عن نفسه
قضيت الليلة كلها في بيت عادل.
ولا أنا…
ولا هو…
قدرنا نغمض عين.
كل شوية نبص للصورة.
ثم نبص للساعة.
ثم نرجع نسأل نفس السؤال:
مين الراجل ده؟
وقبل الفجر…
افتكرت حاجة.
قلت لعادل:
“استنى.”
فتحت شنطتي.
طلعت مفتاح بيتي.
قلت:
“الساعة لسه عندي.”
رجعنا المدينة أول ما النهار طلع.
دخلت غرفة محمود.
ولأول مرة…
فتحت الدولاب اللي كان بيحتفظ فيه بالحاجات القديمة.
طلعت علبة خشب صغيرة.
جواها الساعة.
ناولتها لعادل.
بص لها دقيقة كاملة.
وبعدين قلبها.
وفجأة قال:
“هنا…”
كان فيه نقش صغير جدًا من الخلف.
(س.ر)
استغربت.
“دي اختصار لاسم مين؟”
وقبل ما حد يرد…
افتكرت دفتر المواعيد القديم بتاع محمود.
كان دايمًا بيكتب فيه كل حاجة.
جريت أجيبه.
وقعدت أقلب صفحاته.
لحد ما وصلت لصفحة عمرها أكتر من أربعين سنة.
كان مكتوب فيها:
“اليوم… قابلت الراجل اللي أنقذني وأنا طفل.”
تحتها اسم واحد.
سامي رشوان.
بصيت لعادل.
“يبقى (س.ر)… سامي رشوان.”
لكن الغريب…
محمود كان كاتب تحت الاسم مباشرة:
“قال لي: لو قابلت طفل اسمه يوسف يومًا… احميه.”
أنا وعادل بصينا لبعض.
وقلنا في نفس اللحظة:
“يوسف؟!”
يعني سامي رشوان كان يعرف يوسف…
قبل حادث الأتوبيس؟
الموضوع بقى أعقد.
في اللحظة دي…
رن تليفوني.
كان الضابط سامح.
رديت بسرعة.
قال:
“لقيت حاجة في الأرشيف.”
قلت:
“إيه؟”
قال:
“سامي رشوان…”
“ماكانش شخص عادي.”
سكت لحظة.
ثم أكمل:
“كان ضابط مباحث.”
اتجمدت.
“إيه؟”
قال:
“وكان شغال سرًا على ق*ضية كبيرة جدًا.”
“ق*ضية خطف أطفال.”
قلبي وقع.
قال:
“والأغرب…”
“إن حادث الأتوبيس حصل في نفس الأسبوع اللي كانت القضي*ة قربت تتكشف.”
أنا بقيت مش قادرة أتكلم.
سألته:
“تقصد إن الحادث…”
قال:
“لحد النهارده… مفيش دليل إنه كان مجرد حادث.”
ساد الصمت.
ثم أكمل الضابط:
“فيه احتمال…”
“إن الأتوبيس كان مستهدف.”
عادل سحب الكرسي وقعد من الصدمة.
أما أنا…
فبدأت أحس إن محمود ماكانش بيخفي قصة إنسانية فقط…
كان بيخفي خيوط ق*ضية كاملة، انتهت بموت ناس، واختفاء أطفال، وضابط اختفى اسمه من كل الملفات.
وقبل ما الضابط يقفل المكالمة…
قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
“إحنا لقينا عنوان قديم لسامي رشوان.”
“لكن لما فتحنا البيت…”
“لقينا صندوق عليه اسم محمود…”
“وكأنه كان مستنيه ييجي ياخده.”
يتبع…
الفصل الحادي عشر: الصندوق الذي انتظر أربعين عامًا
وصلت أنا وعادل إلى بيت سامي رشوان بعد أقل من ساعة.
كان البيت قديمًا جدًا.
يقع في شارع هادئ، وكأن الزمن توقف عنده منذ عشرات السنين.
كان الضابط سامح واقفًا أمام الباب.
أول ما شافني قال:
“كنت مستنيكم.”
دخلنا.
البيت كان مغبرًا، لكنه مرتب بشكل غريب.
كأن صاحبه خرج أمس فقط.
في منتصف الصالة…
كان صندوق خشبي كبير.
وعليه ورقة صفراء.
مكتوب عليها بخط واضح:
“لا يُفتح إلا بحضور محمود… أو من يثق بها أكثر من نفسه.”
شعرت بقشعريرة.
قلت بصوت خافت:
“كان يقصدني…”
هز الضابط رأسه.
“أعتقد كده.”
فتحنا الصندوق.
في داخله ملفات كثيرة، وصور، وأشرطة كاسيت قديمة، ومفكرة جلدية.
لكن أكثر ما لفت انتباهي…
ظرف أبيض مكتوب عليه:
“إلى محمود… إذا سبقك الموت، فلتقرأه زوجتك.”
مددت يدي وفتحته.
كانت الرسالة قصيرة جدًا.
“يا محمود…
لو وصلت الرسالة دي، يبقى أنا فشلت أو اتأخرت.
وأول حاجة لازم تعرفها…
إنك طول عمرك كنت بتلوم نفسك ظلم.”
دموعي نزلت.
كملت.
“حادث الأتوبيس ماكانش حادثًا عشوائيًا.
كان محاولة لإسكات شاهد.”
رفعت رأسي.
الضابط سامح قال:
“شاهد؟”
رجعت للرسالة.
“الشاهد… كانت أم يوسف وعمر.”
اتسعت أعيننا جميعًا.
“اسمها الحقيقي ماكانش الاسم اللي اتسجل في المحضر.
كانت بتستخدم اسمًا مستعارًا لأنها كانت شاهدة في ق*ضية كبيرة.”
قلبت الصفحة.
“قبل الحادث بيومين…
قابلتني وسلّمتني ملفًا فيه أسماء ناس متورطين في خطف الأطفال وتزوير هوياتهم.”
تنفست بصعوبة.
“لكن قبل ما نسلم الملف للنيابة…
وقع الحادث.”
قلت:
“يعني كانوا عايزين يق*تلوها؟”
هز الضابط سامح رأسه ببطء.
“ده يفسر حاجات كتير.”
كملت القراءة.
“أنا وصلت متأخر دقائق.
لقيت الفوضى في كل مكان.
وشفت راجل بيحاول ياخد أحد الطفلين.”
شهق عادل.
“قدرت أخطف الطفل منه.
لكن الثاني اختفى وسط الزحام.”
بصيت لعادل.
“يبقى هو أنقذك.”
قال بصوت مرتجف:
“وسلمني لزينب.”
رجعت للرسالة.
“أنا أخفيت الطفل مؤقتًا.
لأن العصابة كانت لسه بتدور عليه.”
“كنت ناوي أرجعه بعد أيام.
لكن بعدها… اتعرضت لمحاولة اغتيال.”
“اتصبت، واضطريت أختفي.
ولما رجعت بعد شهور…
لقيت زينب نقلت من المدينة، والملفات كلها اختفت.”
حسيت إن كل قطعة بدأت تركب في مكانها.
لا محمود خان وعده.
ولا سامي هرب.
ولا زينب خطفت الطفل.
كل واحد منهم كان بيحاول يحميه بالطريقة اللي يقدر عليها.
لكن بقي سؤال واحد.
فين يوسف؟
وفي آخر الرسالة…
كان سامي كاتب:
“لو يوسف وعمر لسه عايشين…
ففيه دليل واحد يثبت إنهم إخوات.”
فتحنا جيبًا صغيرًا داخل الصندوق.
لقينا فيه…
النصف الثاني من السلسلة الفضية.
لكن المفاجأة الأكبر…
كانت رسالة صغيرة مثبتة معها.
مكتوب فيها:
“يوسف لا يعرف الحقيقة… لكنه يعمل في المستشفى نفسها التي بدأت فيها القصة.”
نظرت إلى عادل.
ثم إلى الضابط سامح.
وقلت بحزم:
“بكرة الصبح…”
“هنروح نقابل يوسف.”
ولأول مرة منذ بدأت الرحلة…
شعرت أن النهاية أصبحت قريبة.
لكنني لم أكن أعلم…
أن يوسف كان قد بدأ هو الآخر رحلة البحث، وأنه في تلك اللحظة
يتيعنفسها كان يحمل ملفًا قديمًا، ويتجه إلى بيتي… بحثًا عن محمود.
يتبع