غرفة الطواريء حكـايـات أسمـا ×1
كنت في نبطشية عادية بالمستشفى وأنا حامل في الشهر السابع… وفجأة دخل جوزي اللي هرب مني شايل بنته وهي بتنـزف. أول ما شاف بطني اتجمد مكانه، لكن اللي حطم حياته فعلًا كان اعتراف بنته بكلمة واحدة.
الجزء الأول
“الحقوا بنتي…حد ينقذها!”الصوت ده…
جمد الدم في عروقي.لفيت بسرعة…واتسعت عيني من الصدمة.كان كريم.خطيبي السابق.
الراجل اللي اختفى من حياتي من 6 شهور…من غير تفسير.
وسابني…قبل حتى ما يعرف…إني حامل في ابنه.
كان شايل بنته الصغيرة ليان…وعلامات الد م مالية هدومه.وأول ما عينه وقعت على بطني…وشه فقد لونه.
همس بصوت متقطع:”ريم…!إنتِ… حامل؟”
بلعت وجعي…ودفنته جوايا…أنا الدكتورة ريم.
ومهما كان اللي بينا…المريضة الأول.
صرخت في طاقم التمريض:
“على أوضة الطوارئ بسرعة!”
حطينا ليان على السرير.
كان عندها جرح كبير في دراعها…وورم واضح في رسغها.
بدأت أكشف عليها…وكريم واقف…مش قادر يشيل عينه من بطني.
قال بصوت مكسور:”ريم…أنا…”
قاطعته ببرود:
“اتفضل اقف بعيد..وسيـبني أشتغل.”
سكت…وأنا كملت إسعاف البنت.
وفجأة…ليان شدت طرف البالطو الأبيض بتاعي.
وقالت بصوت ضعيف:”دكتورة ريم…”
ابتسمت لها بحنان…”إيه يا حبيبتي؟”
بصت ناحية أبوها…وبعدين همست:
“بابا ما سابكيش.”رفعت عيني لكريم.
ملامحه اتجمدت…لكن ليان كملت.
“تيتا هي اللي قالت …”
“لو رجعت الدكتورة ريم…بالبيبي…” “هيخلوها تختفي للأبد.”
وقع الصمت…كريم رجع خطوة لورا.
وشه بقى أبيض.
قال:
“إيه؟!”
ليان كانت بتتكلم بعفوية الأطفال.
ما تعرفش إن كل كلمة…
بتنسف حياة كاملة.
همست تاني:
“سمعت تيتا…وهي بتقول للسواق…”
“خليها ما ترجعش تاني.”
إيدي وقفت فوق الجرح.
وقلبي دق بعنف.
يعني…
هو ما سابنيش بإرادته؟
يعني…
في حد لعب بينا؟
قبل ما حد ينطق…
باب أوضة الطوارئ اتفتح.
دخل راجل طويل…
لابس بدلة سودا غالية.
واقف عند الباب…وعينه علينا.أول ما شاف كريم…
هز راسه إشارة صغيرة.
لكن لما شافني…
وبص على بطني…
ملامحه اتغيرت.
حسيت إن في مصيبة أكبر…
لسه داخلة علينا.
ولأول مرة…
خفت…
مش على نفسي.
خفت على ابني اللي لسه ما اتولدش.
يتبع…حكايات أسما السيد
الفصل الثاني
ثبّتُّ الضمادة على ذراع ليان، ثم رفعت بصري نحو الرجل الواقف عند الباب.
كان طويل القامة، هادئ الملامح، لكن نظرته لم تكن نظرة شخص جاء يطمئن على طفلة مصابة.
كانت نظرة رجل جاء يبحث عن إجابة.
اقترب بخطوات ثابتة.
وقال وهو ينظر إلى كريم:
“كنت بكلمك من نص ساعة… ومقولتليش إنك هنا.”
رد كريم بصوت مرتبك:
“ما كانش عندي وقت… ليان كانت بتنـزف.”
ثم التفت الرجل نحوي.
“حضرتك الدكتورة ريم؟”
أجبته بحذر:
“أيوه.”
مد يده ببطاقة تعريف.
“المستشار ياسين الدمنهوري.”
عرفت الاسم.
مستشار نيابة.
وجوده في الطوارئ لم يكن أمرًا عاديًا.
قال بهدوء:
“ممكن بعد ما تخلصي مع الطفلة… نتكلم خمس دقايق؟”
نظرت إليه باستغراب.
“في إيه؟”
أجاب:
“موضوع يخص سلامتك… وسلامة الطفل.”
تجمد الدم في عروقي.
خرجت ليان من غرفة الطوارئ بعد أن استقرت حالتها.
كان الكسر بسيطًا، والجرح احتاج إلى عدة غرز فقط.
جلست على السرير تضم لعبتها الصغيرة.
اقتربت منها وابتسمت.
“بقيتي شاطرة.”
ابتسمت لي بخجل.
ثم أمسكت يدي فجأة.
وقالت:
“إنتِ مامت البيبي؟”
هززت رأسي.
“أيوه.”
ابتسمت.
“يبقى البيبي هيبقى عنده ماما حلوة.”
دمعت عيناي رغمًا عني.
أما كريم…
فكان يقف في آخر الغرفة كأنه لا يعرف أين ينظر.
خرجنا إلى غرفة جانبية.
أغلق المستشار الباب.
ثم وضع ملفًا سميكًا فوق الطاولة.
وقال:
“الدكتورة ريم… هل قبل ست شهور حصل لك حادث؟”
هززت رأسي.
“لا.”
“حد هددك؟”
“لا.”
فتح الملف.
وأخرج صورة.
شهقت.
كانت سيارتي.
السيارة التي اختفت يوم اختفى كريم.
لكن الصورة كانت بعد أن اصطدمت بحاجز خرساني.
قلت بذهول:
“دي عربيتي!”
نظر إليّ.
“اتبلغ إنها اتسرقت.”
التفتُّ إلى كريم.
كان مذهولًا أكثر مني.
همس:
“أنا… أنا أول مرة أشوف الصورة دي.”
قال المستشار:
“في يوم اختفائك… العربية اتعرضت لمحاولة عبث بالفرامل.”
شعرت بأن الأرض تميد بي.
“إيه؟!”
أكمل:
“والبلاغ اتقفل بعد تدخل شخصية صاحبة نفوذ.”
نظر مباشرة إلى كريم.
“والاسم اللي اتكرر أكتر من مرة…”
سكت لحظة.
“…هو اسم والدتك.”
رفع كريم رأسه بعنف.
“مستحيل.”
رد المستشار بهدوء:
“أنا ما بحكمش.”
“أنا بقول اللي موجود في التحقيق.”
جلس كريم على الكرسي كأن ساقيه لم تعودا تحملانه.
همس:
“أمي قالتلي إن ريم سابتني.”
“وقالت إنها اتجوزت واحد غني.”
“وقالت إنها كانت بتخوني.”
نظرت إليه بمرارة.
“وأنت صدقتها.”
خفض رأسه.
ولأول مرة…
رأيته يبكي.
رن هاتف كريم.
ظهرت على الشاشة كلمة واحدة:
“ماما.”
نظر إلى الهاتف طويلًا.
ثم فتح السماعة.
وجعلها على مكبر الصوت.
جاء الصوت باردًا.
“خلصت من البنت؟”
رد بصوت مرتجف:
“أيوه.”
قالت:
“كويس… وإوعى تروح للدكتورة دي لو شفتها.”
سألها:
“ليه؟”
ضحكت.
“لأنها لو رجعت لحياتك… هتضيع كل اللي عملناه.”
اتسعت عيناي.
أما المستشار…
فضغط زر التسجيل بهدوء.
لكن الأم لم تكن تعلم أنها أكملت بنفسها.
قالت:
“أنا دفعت فلوس كتير عشان تختفي من حياتك.”
ثم أضافت بثقة:
“ولو كانت رجعت… كنت هخلّص منها قبل ما تولد.”
ساد الصمت.
ثم انقطع الخط.
نظر كريم إلى الهاتف.
وكأن العالم كله انهار فوق رأسه.
أما المستشار…
فأغلق التسجيل.
وقال بهدوء شديد:
“أعتقد… بقينا نملك بداية الق*ضية.”
يتبع في الفصل الثالث…
الفصل الثالث
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.
لم يكن أحد قادرًا على الكلام.
كريم كان ينظر إلى شاشة هاتفه كأنها تحولت إلى مرآة يرى فيها كل أخطائه دفعة واحدة.
أما أنا…
فكنت أضع يدي فوق بطني.
أحاول أن أستوعب أن الأشهر الستة الماضية…
لم تكن مجرد خيانة.
بل كانت مؤامرة كاملة.
قطع المستشار ياسين الصمت.
وقال بهدوء:
“التسجيل ده مهم… لكنه لوحده مش كفاية.”
رفع كريم رأسه.
“يعني إيه؟”
“يعني لازم نثبت إن فيه أفعال حصلت فعلًا… مش مجرد كلام.”
أخرج ورقة من الملف.
“وفيه شاهد.”
سألته بسرعة:
“مين؟”
نظر إلى كريم.
“السواق.”
شهقت.
هو نفس السواق الذي ذكرت ليان اسمه.
قال المستشار:
“اختفى من أربعة شهور.”
رد كريم بذهول:
“اختفى؟”
“بعد ما حاول يقدم استقالته بيومين.”
بدأ القلق يزداد في صدري.
إذا كان السواق اختفى…
فكم شخصًا تضرر بسبب هذه القصة؟
في تلك اللحظة…
طرقت إحدى الممرضات الباب.
“يا دكتورة ريم…”
“في ست كبيرة برا… مصرة تشوف حضرتك.”
تبادلنا النظرات.
سأل المستشار:
“قالت اسمها؟”
أجابت الممرضة:
“الحاجة سعاد.”
تجمد كريم في مكانه.
همس:
“أمي.”
خرجنا إلى الممر.
كانت الحاجة سعاد تقف بكامل أناقتها.
ملابس فاخرة.
وحقيبة يد باهظة الثمن.
وكأنها جاءت إلى حفل…
وليس إلى مستشفى.
أول ما رأت بطني…
اتغيرت ملامحها للحظة.
ثم استعادت ابتسامتها المصطنعة.
قالت وهي تنظر إلى كريم:
“كنت بدور عليك.”
ثم التفتت إليّ.
“وحمد لله على السلامة يا دكتورة.”
أجبتها ببرود:
“خير؟”
اقتربت خطوة.
وقالت بصوت منخفض:
“ممكن نتكلم لوحدنا؟”
رد المستشار فورًا:
“أي كلام هيكون هنا.”
نظرت إليه بضيق.
“حضرتك مين؟”
أخرج بطاقته.
وفور أن قرأت صفته…
اختفت الابتسامة من وجهها.
قالت وهي تحاول التماسك:
“أنا جاية أطمن على بنت ابني.”
سألتها:
“ولا جاية تتأكدي إني لسه عايشة؟”
ساد الصمت.
أما كريم…
فنظر إلى أمه لأول مرة بعين مختلفة.
وقال:
“ماما…”
“إنتِ قلتيلي إن ريم خانتني.”
لم ترد.
“وقلتي إنها سابتني.”
ظلت صامتة.
ثم رفع هاتفه.
وشغّل التسجيل.
ما إن سمعت صوتها…
حتى شحب وجهها.
صرخت:
“اقفل التسجيل ده!”
لكن الوقت كان قد فات.
حاولت انتزاع الهاتف من يده.
إلا أن المستشار أوقفها.
قال بحزم:
“من فضلك… اهدئي.”
صرخت بعصبية:
“إنتوا مش فاهمين حاجة.”
نظر إليها كريم والدموع في عينيه.
“يبقى فهمينا.”
تنهدت طويلًا.
ثم قالت الجملة التي أوقفت الجميع.
“أيوه… أنا عملت كل ده.”
شهقتُ دون إرادة.
أما ليان…
فكانت تقف عند باب الغرفة، تمسك يد إحدى الممرضات.
سمعت الاعتراف كاملًا.
جلست الحاجة سعاد على المقعد.
وكأن سنوات عمرها سقطت فوق كتفيها فجأة.
وقالت:
“لما عرفت إن ريم حامل…”
نظرت إليّ.
“…خفت.”
سألها كريم:
“خفتي من إيه؟”
أجابت:
“من الحقيقة.”
“إيه الحقيقة؟”
أطرقت برأسها.
ثم قالت بصوت مرتعش:
“لأنك… يا كريم…”
“…مش ابني الحقيقي.”
ساد صمت مرعب.
حتى أجهزة المستشفى بدا صوتها وكأنه توقف.
تراجع كريم خطوة إلى الخلف.
“إنتِ… بتقولي إيه؟”
أجهشت بالبكاء.
“إحنا تبنيناك وإنت رضيع.”
“وأبوك رفض يقولك الحقيقة.”
“ولما حملت ريم… خفت تطلع الحقيقة كلها.”
شعرت أن القصة التي كنت أظنها انتهت…
كانت في الحقيقة قد بدأت للتو.
لكن قبل أن ينطق أحد…
دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا وهو يلهث.
وقال للمستشار ياسين:
“يا فندم… لقينا السواق.”
رفع الجميع رؤوسهم في وقت واحد.
لكن الجملة التالية كانت أشد صدمة.
“لقيناه… في العناية المركزة.”
يتبع في الفصل الرابع…
الفصل الرابع
انطلقت أنا والمستشار ياسين وكريم نحو قسم العناية المركزة.
كان الممر طويلًا…
وصوت خطواتنا يملأ المكان.
وصلنا إلى الغرفة.
وقف الطبيب أمام الباب وقال:
“المريض رجع له الوعي من دقائق… لكن حالته غير مستقرة.”
نظر المستشار إليه.
“محتاجين نسأله سؤالين بس.”
هز الطبيب رأسه.
“دقيقة واحدة… ومن غير أي ضغط.”
دخلنا.
كان السائق، عم محمود، مستلقيًا على السرير.
وجهه شاحب.
ورقبته مليئة بالكدمات القديمة.
فتح عينيه ببطء.
وحين رأى كريم…
بدأت دموعه تنزل.
قال بصوت متعب:
“سامحني يا ابني…”
اقترب كريم منه.
“سامحك على إيه؟”
تنهد الرجل بصعوبة.
“أنا… أنا اللي وصلت لك جواب مزور.”
نظرت إليه بصدمة.
“جواب؟”
أومأ برأسه.
“الحاجة سعاد ادتني ظرف…”
“وقالت أوصله لكريم.”
التفت كريم إلى المستشار.
“أنا فاكر.”
“كان فيه جواب مكتوب فيه إن ريم سافرت مع واحد تاني… وإنها مش عايزة تشوفني تاني.”
شهقت.
“أنا عمري ما كتبت أي جواب.”
هز السائق رأسه.
“أنا عرفت بعدين إنه مزور.”
“ولما اعترضت…”
رفع كم قميصه بصعوبة.
ظهرت آثار جروح قديمة.
“هددوني.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“ولما عرفت إن الدكتورة حامل…”
“طلبوا مني أراقبها.”
ارتجفت يداي.
“كنتوا بتراقبوني؟”
أطرق رأسه.
“آه.”
“بس والله… ما أذيتكيش.”
“ولما رفضت أكمل معاهم…”
“عملولي الحادث.”
نظر المستشار إلى كريم.
“دلوقتي بقى عندنا شاهد.”
في تلك اللحظة…
رن هاتف المستشار.
استمع لثوانٍ.
ثم أغلقه.
وقال:
“صدر إذن بضبط وإحضار الحاجة سعاد.”
لكن الممرضة دخلت مسرعة.
وقالت وهي تلهث:
“يا فندم…”
“الست اللي كانت هنا…”
“اختفت.”
خرج الجميع إلى الممر.
لم تكن موجودة.
ولا حتى حقيبتها.
كأنها تبخرت.
بعد ساعة…
رجعت إلى مكتبي.
كنت مرهقة.
وضعت يدي على بطني.
وفجأة…
شعرت بركلة قوية.
ابتسمت لأول مرة منذ شهور.
همست:
“اطمن يا حبيبي…”
“مامتك معاك.”
طرق كريم الباب برفق.
وقف عند العتبة.
ولم يجرؤ على الدخول.
قال بصوت مكسور:
“ممكن أتكلم؟”
نظرت إليه للحظات.
ثم قلت:
“اتفضل.”
دخل ببطء.
وقف أمام المكتب.
ثم قال:
“أنا عارف إن الاعتذار مش هيصلح اللي حصل.”
“وعارف إني غلطت لما صدقت أي حد من غير ما أسمعك.”
“ولو فضلتِ رافضاني عمرك كله…”
“هيكون من حقك.”
سكت قليلًا.
ثم نظر إلى بطني.
وامتلأت عيناه بالدموع.
“بس… هو ابني؟”
وضعت يدي فوق بطني.
ونظرت إليه بثبات.
ثم قلت الكلمة التي كان ينتظرها منذ ستة أشهر.
“أيوه.”
انهار كريم باكيًا.
وجلس على الأرض…
يخفي وجهه بين كفيه.
أما أنا…
فلم أبكِ.
لأن الجرح…
كان أكبر من أن تداويه الدموع.
لكن في اللحظة نفسها…
دخل أحد أفراد الأمن إلى المكتب وهو يحمل ظرفًا أبيض مغلقًا.
وقال للمستشار ياسين:
“الظرف ده اتساب عند بوابة المستشفى.”
“ومكتوب عليه…”
“إلى الدكتورة ريم… لو عايزة تعرفي الحقيقة كلها، افتحيه لوحدك.”
نظرت إلى الظرف…
وشعرت أن السر الأكبر…
لم يُكشف بعد.
يتبع في الفصل الخامس…
الفصل الخامس
ظللت أنظر إلى الظرف الأبيض لعدة ثوانٍ.
لم ألمسه.
وكأنني كنت أعرف…
أن ما بداخله سيغير كل شيء.
قال المستشار ياسين:
“ما تفتحيهوش قبل ما نتأكد إنه آمن.”
أخذه بحذر.
فتح الظرف أمامنا.
لم يكن بداخله سوى ورقة واحدة…
وصورة قديمة.
أمسكت الصورة.
وتجمدت.
كانت صورتي أنا وكريم.
في يوم خطوبتنا.
لكن خلفنا…
كان يقف شخص لم ألاحظه يومًا.
رجل يرتدي بدلة رمادية.
ويبتسم للكاميرا.
سأل كريم:
“مين ده؟”
قلب المستشار الصورة.
وجد على ظهرها اسمًا مكتوبًا بخط اليد:
“فؤاد العشري.”
عبس كريم.
“أنا معرفوش.”
أما أنا…
فاتسعت عيناي.
همست:
“ده مدير الحسابات القديم في شركة والد كريم.”
نظر الجميع إليّ.
قلت:
“اختفى من سنتين.”
أما الورقة…
فكانت عبارة عن رسالة قصيرة.
“لو عايزين تعرفوا ليه الحاجة سعاد فرقت بينكم… دوروا في ملفات شركة والد كريم. الموضوع عمره ما كان مجرد زواج.”
ساد الصمت.
قال المستشار:
“واضح إن فيه سبب أكبر.”
في اليوم التالي…
اتجهنا إلى الشركة.
كانت شركة عريقة.
أسسها والد كريم منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
استقبلنا المدير المالي الحالي.
وبمجرد أن رأى المستشار…
سمح لنا بدخول الأرشيف.
بدأنا نراجع الملفات القديمة.
وبعد ساعات…
وجدنا ملفًا باسم فؤاد العشري.
لكن الملف…
كان فارغًا.
كل الأوراق منزوعة.
قال الموظف:
“غريبة…”
“الملف ده كان مليان.”
سأل المستشار:
“مين آخر واحد طلبه؟”
راجع السجل.
ثم رفع رأسه ببطء.
وقال:
“الحاجة سعاد.”
خرجنا من الشركة.
وفي سيارة المستشار…
قال كريم بصوت خافت:
“أنا بقيت حاسس إني معرفش أمي.”
رد ياسين:
“يمكن لأنك فعلاً ما كنتش تعرفها.”
في تلك اللحظة…
رن هاتف كريم.
رقم مجهول.
فتح الخط.
جاء صوت رجل مسن:
“لو عايز تعرف الحقيقة…”
“تعالى المخزن القديم في المنطقة الصناعية.”
“ولو اتأخرت…”
“كل الأدلة هتتحرق.”
ثم أغلق الخط.
اعترض المستشار.
“ممكن يكون فخ.”
لكن كريم قال:
“لو فيه واحد في المية إنه يعرف الحقيقة… لازم أروح.”
نظرت إليه.
ثم قلت:
“أنا جاية معاكم.”
رفض فورًا.
“إنتِ حامل.”
ابتسمت لأول مرة منذ زمن.
“وأنا كمان طرف في اللي حصل.”
وصلنا إلى المخزن قبل غروب الشمس.
كان المكان مهجورًا.
الأبواب صدئة.
والغبار يملأ كل شيء.
دخل المستشار أولًا.
ثم كريم.
ثم أنا.
وفجأة…
سمعنا صوتًا يأتي من الداخل.
“اتأخرتوا.”
خرج رجل مسن من بين الظلال.
كان يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
نظر إلى كريم طويلًا.
ثم قال:
“أنا اشتغلت عند أبوك أكتر من عشرين سنة.”
“والنهارده…”
“جيت أسدد ديني.”
وضع الصندوق أمامنا.
وقال:
“كل اللي فيه…”
“هيثبت إن الحاجة سعاد ما كانتش بتحارب ريم بس…”
“…كانت بتحارب أي حد يقرب من الحقيقة.”
مد المستشار يده ليفتح الصندوق.
لكن قبل أن يرفع الغطاء…
دوى صوت إطلاق نار من خارج المخزن.
ثم تحطم الزجاج.
وانطفأت الأنوار.
وسقط الصندوق من فوق الطاولة.
وتناثرت عشرات المستندات على الأرض.
وفي الظلام…
سمعنا صرخة رجل عجوز.
ثم عمّ السكون.
يتبع في الفصل السادس…