أوضة العمليات حكـايـات أسمـا السـيد ×3

الفصل الثامن
فضلت ليلى تبص للظرف دقايق طويلة…
من غير ما تفتحه.
سارة كانت قاعدة قدامها.
وقالت:
“هتعملي إيه؟”
ليلى زفرت بهدوء.
“مش عارفة.”
“خايفة أي حاجة أخدها منهم بعدين يقولوا دي كانت بتجري ورا الفلوس.”
سارة ابتسمت.
وقالت:
“أنا أعرفك من عشرين سنة.”
“إنتِ آخر واحدة ممكن يجري وراها الكلام ده.”
فتحت ليلى الظرف.
كان فيه نسخة من وصية موثقة.
الحاج محمود كتب فيها إن جزءًا كبيرًا من أسهمه، وحسابًا استثماريًا، يكون باسم حفيديه آدم ومريم، ولا يحق لأي شخص التصرف فيه إلا بعد بلوغهما السن القانونية.
ليلى قفلت الملف.
وقالت:
“طالما ده حق الولاد… هقبله علشانهم.”
بعد يومين…
كريم طلب يشوف التوأم.
ليلى وافقت.
لكن في نادي أطفال قريب من بيتها.
وصل قبل الموعد بنص ساعة.
كان ماسك لعبتين صغيرين.
ولما شاف ليلى نازلة بعربية الأطفال…
وقف مكانه.
قرب بهدوء.
وقال:
“السلام عليكم.”
ردت:
“وعليكم السلام.”
شال آدم.
وكان بيبصله كأنه بيحاول يحفظ كل ملامحه.
قال بابتسامة باهتة:
“شبهك.”
ليلى ردت:
“والكل بيقول مريم شبهك.”
ابتسم لأول مرة من شهور.
وقعد يلعب معاهم أكتر من ساعتين.
ولا مرة رد على مكالمة شغل.
مدير شركته اتصل خمس مرات.
وكل مرة كان يقفل.
لحد ما المدير بعت رسالة:
“الاجتماع مع المستثمرين بدأ.”
بص كريم للرسالة…
وقفل الموبايل.
ورماه في الشنطة.
وقعد يكمل لعب مع ولاده.
ليلى كانت بتراقبه من بعيد.
ولأول مرة…
شافت أبًا…
وليس رجل أعمال.
في مساء نفس اليوم…
وصل كريم الشركة.
لقي مجلس الإدارة كله مستنيه.
أول ما دخل…
أحد الشركاء قال بغضب:
“حضرتك ضيعت أهم اجتماع في السنة.”
كريم قعد على الكرسي.
وقال بهدوء:
“كنت مع ولادي.”
سكتت القاعة.
الراجل ضحك بسخرية.
“أول مرة الشغل يبقى رقم اتنين عندك.”
كريم بصله.
وقال بثبات:
“للأسف… اتأخرت أعرف إن ده الطبيعي.”
في الناحية التانية…
نادين كانت قاعدة في مكتبها.
قدامها ورقة استدعاء للتحقيق.
دخل عليها المحامي.
وقال:
“لازم تقولي الحقيقة.”
قالت بتوتر:
“أي حقيقة؟”
رد:
“كل حاجة تخص الشركة.”
نزلت دموعها.
وقالت:
“أنا تعبت.”
“أنا عمري ما كنت عايزة أوصل لكل ده.”
المحامي سألها:
“هو كان فيه بينك وبين كريم علاقة بعد الجواز؟”
سكتت.
ثواني طويلة.
وبعدين قالت:
“لأ.”
“كان بينا شغل…”
“وصداقة قديمة.”
“لكن الصورة اللي الناس شافتها في عيد ميلادي… هي اللي دمرت كل حاجة.”
بعد أسبوع…
كانت جلسة الطلاق الأخيرة.
القاضي استمع للطرفين.
ثم قال:
“بعد الاطلاع على المستندات، وسماع الأقوال…”
“حكمت المحكمة بتطليق المدعية طلقة بائنة للضرر، مع إثبات حقوقها القانونية، وإلزام الأب بالنفقات المقررة، مع تنظيم حقه في رؤية طفليه.”
ساد الصمت.
كريم غمض عينيه.
انتهى الزواج رسميًا.
أما ليلى…
فأغمضت عينيها هي الأخرى.
ليس فرحًا…
ولا شماتة.
لكن لأنها شعرت أن صفحة مؤلمة من عمرها أغلقت أخيرًا.
خرج كريم من المحكمة.
وقف عند بابها.
ولما خرجت ليلى…
قال لها بهدوء:
“أنا عارف إني خسرتك.”
“ومش هطلب منك ترجعي.”
“لكن أوعدك بحاجة.”
بصت له.
قال:
“آدم ومريم…”
“مش هيكبروا أبدًا وهم حاسين إن أبوهم غايب.”
هزت رأسها.
وقالت:
“نفذ وعدك…”
“ومتقولوش.”
ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال:
“هعمل كده.”
ثم استدار ومشى…
بينما كانت ليلى تضم طفليها إلى صدرها، وقد أدركت أن بعض النهايات المؤلمة قد تكون بداية حياة أكثر هدوءًا، وأن الأمومة أعطتها القوة التي كانت تظن يومًا أنها فقدتها. تمت.
الفصل التاسع
عدّى ست شهور…
وحياة ليلى اتغيرت بالكامل.
بقت كل يومها بين آدم ومريم.
سهرتهم…
وضحتهم…
وأول مرة مريم نادت صوت شبه “ماما”…
كانت كفاية تنسيها كل اللي فات.
أما كريم…
فكان ملتزم بحرف واحد من وعده.
كل يوم جمعة…
يوصل قبل الميعاد بنص ساعة.
من غير هدايا غالية.
من غير استعراض.
يجيب معاه قصة أطفال…
أو كورة صغيرة…
ويقعد على الأرض يلعب معاهم.
في مرة…
آدم وقع وهو بيحاول يمشي أول خطوة.
كريم جري عليه قبل أي حد.
شاله بسرعة.
وقلبه كان هيقف من الخضة.
ضحكت ليلى لأول مرة قدامه من شهور.
وقالت:
“دي طبيعة الأطفال.”
بصلها.
ولأول مرة…
الابتسامة بينهم كانت من غير وجع.
…
وفي صباح يوم هادئ…
كانت ليلى بتحضر الفطار.
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت شاب واقف ببدلة رسمية.
قال:
“حضرتك مدام ليلى؟”
“أيوه.”
ناولها ظرف مختوم.
وقال:
“ده من مكتب المستشار القانوني للحاج محمود.”
استغربت.
فتحت الظرف.
كان فيه خطاب.
إلى ابنتي ليلى…
“لو وصلك الجواب ده، يبقى أنا في المستشفى أو يمكن سافرت للعلاج.”
“أنا اكتشفت متأخر إنك كنتِ البنت اللي كنت أتمنى تكون بنتي.”
“ولو حصلي أي حاجة… عندي طلب واحد.”
“متحرميش آدم ومريم من جدهم.”
ليلى قفلت الخطاب.
وحست بغصة.
رغم كل اللي حصل…
الحاج محمود عمره ما ظلمها.
…
في نفس اللحظة…
كان كريم واقف قدام باب غرفة العناية المركزة.
الدكتور خرج.
وشكله جاد.
قال:
“والد حضرتك محتاج عملية قلب مفتوح في أسرع وقت.”
كريم قال بقلق:
“اعملوا أي حاجة.”
الدكتور رد:
“في مشكلة.”
“العملية خطيرة جدًا.”
دخل كريم عند أبوه.
الحاج محمود ابتسم وهو شايفه.
وقال:
“متخافش… كله بإيد ربنا.”
كريم مسك إيده.
وقال:
“هتقوم بالسلامة.”
الرجل العجوز هز رأسه.
وقال:
“لو ربنا كتبلي عمر… الحمد لله.”
“ولو لأ…”
“نفذ وصيتي.”
“خلي بالك من ولادك.”
“ومتضيعهمش زي ما ضيعت أمهم.”
نزلت دموع كريم.
وقال:
“أوعدك.”
…
بعد ساعات…
وصل الخبر لليلى.
وقفت محتارة.
هل تروح تزور الراجل اللي وقف جنبها…
ولا تسيب الماضي وراه؟
بصت لآدم ومريم…
وقالت لنفسها:
“يمكن في مواقف… بنعملها علشان نفسنا ترتاح.”
لبست بسرعة…
وشالت التوأم…
واتجهت إلى المستشفى.
لكنها لم تكن تعرف أن اللحظة التي ستدخل فيها غرفة الحاج محمود…
ستجمعها بكريم في موقف سيغيّر شكل العلاقة بينهما للأبد… دون أن يعيد الزمن إلى الوراء.
الفصل العاشر

وصلت ليلى المستشفى وهي حاضنة مريم، وسارة شايلة آدم.

كانت خطواتها بطيئة…

مش خوفًا…

لكن لأن المكان رجّعلها ذكريات اليوم اللي دخلت فيه نفس المستشفى وهي بين الحياة والموت.

وقفت قدام أوضة العناية المركزة.

وقبل ما تخبط…

الباب اتفتح.

وخرج كريم.

أول ما شافها…

اتجمد مكانه.

ما كانش متوقع إنها تيجي.

قال بصوت منخفض:

“إنتِ… جيتي؟”

ردت بهدوء:

“جيت أطمن على الحاج محمود.”

هز رأسه.

ولأول مرة…

قال من قلبه:

“شكرًا.”

دخلت ليلى.

كان الحاج محمود نايم…

والأجهزة حوالينه بتطلع صوت منتظم.

لكن أول ما حس بوجودها…

فتح عينه بالعافية.

ولما شاف آدم ومريم…

ابتسم.

مد إيده المرتعشة.

وقالت ليلى وهي تقرب الطفلين:

“اتفضل… أحفادك جم يزوروك.”

نزلت دمعة من عين الراجل العجوز.

همس بصوت ضعيف:

“الحمد لله… شوفتهم.”

فضل يبص لهم كأنه بيحاول يحفظ ملامحهم.

وبعدين بص لليلى.

وقال:

“سامحيني…”

ليلى قربت منه.

وقالت:

“حضرتك ما غلطتش في حقي.”

قال وهو بيتنفس بصعوبة:

“غلطت…”

“لأني كنت شايف ابني بيبعد عن بيته…”

“وسكت.”

“افتكرت إنه هيعرف لوحده.”

“لكن السكوت ساعات بيبقى ذنب.”

ليلى مسكت إيده.

وقالت:

“اللي فات انتهى.”

ابتسم لأول مرة من أيام.

وقال:

“ربنا يجبر خاطرك يا بنتي.”

…

بعد دقائق…

الدكتور دخل بسرعة.

وقال:

“لازم نجهزه للعمليات.”

خرج الجميع.

وقف كريم في الممر.

وكان واضح عليه الانهيار.

قعد على أقرب كرسي…

وحط وشه بين إيديه.

ليلى بصتله من بعيد.

افتكرت يوم العملية…

لما كانت قاعدة لوحدها…

ومفيش حد جنبها.

فضلت واقفة مكانها.

الصراع جواها كان كبير.

قلبها بيقول:

“سيبيه يحس باللي حسيتيه.”

وضميرها بيقول:

“الوجع مالوش علاقة بالانتقام.”

في النهاية…

مشيت ناحيته.

وحطت إزازة مية قدامه.

قال من غير ما يرفع رأسه:

“أنا استاهل كل اللي أنا فيه.”

ردت بهدوء:

“يمكن.”

رفع عينه.

كانت أول مرة يتكلموا لوحدهم من غير محامين…

ولا محكمة.

قال:

“عارفة أصعب حاجة؟”

سكتت.

كمل:

“إني كل يوم بصحى… وأكتشف إني كنت موجود في حياتكم بجسمي بس.”

“أنا ما شوفتش أول حركة للولاد.”

“ولا أول ضحكة.”

“ولا أول مرة مرضوا.”

“ضيعت حاجات عمرها ما هترجع.”

ليلى ما ردتش.

لكن ملامحها كانت أهدى من قبل.

…

استمرت العملية خمس ساعات.

كل دقيقة كانت تقيلة.

وفي النهاية…

خرج الجراح.

خلع الكمامة.

وقال:

“الحمد لله…”

“العملية نجحت.”

كريم سجد في الممر.

وهو بيبكي.

أما ليلى…

فابتسمت لأول مرة وهي مطمنة.

دخلوا يشوفوا الحاج محمود بعد ما فاق.

أول حاجة قالها وهو بيبص لابنه:

“خد بالك…”

“النجاح الحقيقي…”

“مش كام شركة تملك.”

“النجاح…”

“إن ولادك لما يكبروا…”

“يفتخروا إنهم أولادك.”

الكلمات دي دخلت قلب كريم قبل ودنه.

وفي اللحظة دي…

أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا كان محتفظًا به منذ شهور.

مده إلى ليلى.

وقال:

“ده آخر طلب هطلبه منك.”

ليلى أخدته.

فتحته بهدوء.

ولقت جواه مفتاح…

ومعاه ورقة مكتوب فيها:

“ده مفتاح البيت اللي بدأنا فيه حياتنا… نقلته بالكامل باسم آدم ومريم. من النهارده… البيت ده بقى حقهم، مهما كانت الأيام اللي جاية.”

رفعت عينيها إليه…

ولم تقل كلمة واحدة.

لكنها أدركت أن الرجل الذي يقف أمامها لم يعد هو كريم الذي تركها تدخل غرفة العمليات وحدها… حتى وإن كانت الجراح بينهما لم تلتئم بعد.
الفصل الأخير

مرت خمس سنوات…

كبر آدم ومريم.

آدم كان هادئًا يشبه أمه.

أما مريم…

فكانت نسخة مصغرة من كريم.

عنيدة…

وتحب الضحك…

ولا تخاف من أحد.

ليلى بنت حياتها من جديد.

رجعت لشغلها بعد إجازة طويلة.

واستأجرت بيتًا بسيطًا، لكنه كان مليئًا بالدفء.

أما كريم…

فنفذ وعده.

لم يتأخر يومًا عن موعد رؤية طفليه.

لم يعد يرسل الهدايا الباهظة.

كان يأتي بنفسه.

يحضر حفلات المدرسة.

ويأخذهما إلى الحديقة.

ويساعدهما في الواجبات.

لم يحاول يومًا أن يضغط على ليلى لتعود إليه.

كان يعرف أن بعض الأبواب إذا أغلقت…

لا تُفتح مرة أخرى.

—

وفي أحد الأيام…

كانت مريم ترسم في المدرسة.

طلبت منهم المعلمة يرسموا “أجمل لحظة مع العائلة.”

رسمت بيتين.

بيتًا صغيرًا فيه هي وآدم وأمهم.

وبيتًا آخر فيه أبوهم.

ثم رسمت طريقًا بين البيتين.

ولما سألتها المعلمة:

“ليه رسمتي بيتين؟”

ابتسمت الطفلة وقالت:

“علشان بابا وماما ما بيعيشوش مع بعض…”

“بس الاتنين بيحبونا.”

وصلت الرسمة إلى ليلى.

فبكت.

ووصلت نسخة منها إلى كريم.

فبكى هو الآخر.

لأنهما أدركا…

أن الطفل لا يحتاج أبوين يعيشان في بيت واحد…

بقدر ما يحتاج أبوين يحترمان بعضهما.

—

بعد أشهر…

توفي الحاج محمود بهدوء.

بعد أن عاش آخر سنواته مطمئنًا على حفيديه.

وفي وصيته الأخيرة…

كتب سطرًا واحدًا:

«”سامحوا من أخطأ إذا ندم… لكن لا تنسوا الدرس الذي علمكم إياه الخطأ.”»

وقف كريم عند قبر والده طويلًا.

ثم همس:

“وعدتك إني أبقى أب كويس.”

“وهفضل أوفي بوعدي.”

—

مرت السنوات…

وأصبح آدم في المرحلة الإعدادية.

وأصبحت مريم من المتفوقات.

وفي حفل تكريمها…

وقفت على المسرح.

وسألها المذيع:

“مين أكتر شخص أثّر في حياتك؟”

ابتسمت.

وقالت:

“اتنين.”

“ماما…”

“علمتني إن الكرامة أهم من أي حاجة.”

“وبابا…”

“علمني إن الإنسان ممكن يغلط…”

“لكن لازم يكون عنده شجاعة يعترف ويصلح غلطه.”

ساد التصفيق في القاعة.

كانت ليلى جالسة في الصف الأول.

وبجوارها كريم.

ليس كزوجين…

ولكن كأبوين.

نظر كل منهما إلى الآخر.

وتبادلا ابتسامة هادئة.

ابتسامة لا تحمل حبًا قديمًا…

ولا ألمًا قديمًا…

بل احترامًا وامتنانًا.

—

بعد انتهاء الحفل…

اقترب آدم من والده.

وقال وهو يبتسم:

“بابا…”

“هتيجي ماتش المدرسة الأسبوع الجاي؟”

ابتسم كريم.

وربت على كتفه.

وقال:

“لو عندي أهم اجتماع في الدنيا…”

“هسيبه.”

ضحك آدم.

وقال:

“أصل أنا هكون الكابتن.”

رد كريم:

“يبقى أنا أول واحد هيشجعك.”

كانت ليلى تسمع الحوار من بعيد.

فتذكرت يومًا قديمًا…

يوم دخلت غرفة العمليات وحدها.

ويوم ظنت أن حياتها انتهت.

ثم نظرت إلى طفليها.

وابتسمت.

لأنها أدركت أن النهاية التي كانت تخشاها…

كانت في الحقيقة…

بداية الحياة التي تستحقها.

تمت بحمد الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *