لست امي حكـايـات أسمـا السـيد
وإحنا قاعدين بنتعشى، ابني اللي عنده 4 سنين شاور على أمه وقال: “الوحش.” ولما سألته ليه قال كده… حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
أنا وسارة عرفنا بعض من وإحنا عندنا 14 سنة. كانت أول حب في حياتي، والوحيدة اللي تخيلت إني هكمل عمري معاها. كبرنا سوا، واتجوزنا، وربنا رزقنا بابننا آدم، ومن يومها كنت حاسس إن حياتي بقت كاملة.
سارة كانت الأم المثالية. حنينة، صبورة، وما بتسيبش آدم لحظة. كنت أشتغل ساعات طويلة علشان أوفر لهم حياة كويسة، وكل يوم أرجع البيت وأنا مستني أشوفهم. عمري ما شكيت فيها، ولا مرة حسيت إن فيه حاجة غلط.
لحد الليلة اللي فاتت…
كنا قاعدين كلنا على سفرة العشا، وسارة بتحط الأكل وهي مبتسمة. فجأة آدم وقع الشوكة من إيده، وبص ناحية أمه، ورفع صباعه الصغير وهو بيرتعش.
وقال بصوت واطي:
“الوحش.”
سارة ضحكت وقالت:
“يا سلام! أنا بقيت وحش؟”
وافتكرت إنه بيهزر.
لكن آدم ما ضحكش.
فضل باصلها بنفس النظرة، وردد تاني:
“الوحش.”
حسيت بانقباض في قلبي.
قربت منه، ونزلت لمستوى عينه، وقلت بهدوء:
“حبيبي… ليه بتقول على ماما الوحش؟”
بصلي ثواني.
وبعدين رجع بص لأمه.
وقال بصوته البريء:
“لأن كل ليلة…”
“…ماما بتخرج من أوضتها بعد ما إنت تنام.”
سارة اتجمدت مكانها.
أما أنا فقلت بسرعة:
“وتروح فين؟”
هز كتفيه وقال:
“بتقف قدام سريري.”
“وتبصلي من غير ما ترمش.”
ضحكة سارة اختفت.
وقالت وهي بتحاول تضحك:
“ده حلم يا آدم.”
لكن آدم هز راسه بعنف.
وقال:
“لا.”
“أنا بصحى كل يوم.”
“وبشوفها.”
سكت لحظة…
وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم يتسحب من وشي:
“بس…”
“دي مش ماما.”
“ماما الحقيقية…”
“…بتستخبى جوه الدولاب، والوحش هو اللي لابس وشها.”
في اللحظة دي…
وقعت المعلقة من إيد سارة.
وبصتلي بخوف غريب.
لكن قبل ما أي حد ينطق…
آدم شاور ناحية باب أوضته.
وقال بصوت مرتعش:
“هو هناك دلوقتي…”
“…وبيستنى الليل.”
يتبع…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
ابتلعت ريقي، وبصيت ناحية باب أوضة آدم.
الباب كان مفتوح نص فتحة…
والنور اللي خارج من الصالة كان عامل خط طويل على الأرض.
مفيش أي حد.
لكن الغريب…
إن آدم كان باصص لنفس المكان، وعينيه متثبتين كأنه شايف حد واقف فعلًا.
سارة قامت بسرعة.
وقالت وهي بتحاول تسيطر على ارتباكها:
“أنا هدخله ينام.”
لكن آدم صرخ فجأة.
“لاااا!”
وجري استخبى ورايا.
ومسك رجلي بكل قوته.
وقال وهو بيعيط:
“متخليهاش تدخل معايا.”
“هي مش ماما.”
بصيت لسارة.
كانت ملامحها كلها وجع.
وقالت بصوت مكسور:
“إنت… إنت مصدق كلام طفل؟”
هززت راسي.
“لا… بس لازم أفهم.”
في الليلة دي…
قررت أفضل صاحي.
قلت لسارة إني عندي شغل.
وهي دخلت أوضتنا ونامت.
أما أنا…
فقعدت في الصالة، مطفي كل الأنوار.
والساعة قدامي.
واحدة…
اتنين…
تلاتة.
كل البيت ساكت.
لحد الساعة اتنين وسبعتاشر دقيقة.
سمعت صوت الباب.
ببطء…
باب أوضتنا اتفتح.
وسارة خرجت.
كانت ماشية حافية.
خطواتها بطيئة جدًا.
وراسها نازل.
افتكرت إنها بتمشي وهي نايمة.
لكن أول ما قربت من أوضة آدم…
وقفت.
فضلت واقفة قدام الباب…
من غير أي حركة.
بالضبط زي ما آدم قال.
استنيت دقيقة…
اتنين…
خمسة.
ولا رمشت حتى مرة.
قلبي كان بيدق بعنف.
قمت بهدوء…
وقربت منها.
ولما بقيت على بعد خطوة…
همست:
“سارة.”
في ثانية…
لفت وشها ناحيتي.
لكن الطريقة اللي لفت بيها…
كانت سريعة بشكل مستحيل.
ابتسمت.
ابتسامة واسعة…
أوسع من الطبيعي.
وقالت بهدوء:
“لسه صاحي؟”
قولتلها:
“بتعملي إيه هنا؟”
بصت لباب أوضة آدم.
وقالت:
“كنت بطمن عليه.”
فتحت الباب.
لقيت آدم نايم…
وحاضن لعبته.
رجعنا أوضتنا.
لكن النوم هرب من عيني.
تاني يوم…
وأنا بنضف الدولاب في أوضة آدم…
لقيت حاجة غريبة.
في الجدار الخشبي من جوه…
كان فيه خربشات.
كأن طفل صغير هو اللي عاملها.
لكنها قديمة.
جداً.
ولما قربت…
قدرت أقرا الكلمات.
“ماما جوه.”
“متفتحوش.”
“اللي بره… مش هي.”
جسمي كله اتجمد.
لأن الخربشات دي…
كانت موجودة قبل ما آدم يتعلم يكتب.
جريت ناديت سارة.
أول ما شافت الكتابة…
وشها اصفر.
وسألتني:
“إنت اللي كتبت ده؟”
قلت:
“لأ.”
في اللحظة دي…
آدم دخل الأوضة.
بص للدولاب…
وبعدين قال بهدوء غريب:
“قلتلكم.”
“ماما لسه مستخبية.”
وقبل ما أقدر أسأله أي حاجة…
سمعنا صوت خبط خفيف.
“دق…”
“دق…”
“دق…”
الصوت…
كان جاي من جوه الدولاب نفسه.
بصينا كلنا ناحية الباب الخشبي.
وسارة رجعت خطوة لورا.
أما آدم…
فابتسم لأول مرة من يومين.
وقال بصوت واطي:
“سمعتوا؟”
“هي صحيت.”
ثم مد إيده الصغيرة ناحية مقبض الدولاب…
وبدأ يفتحه ببطء…
في اللحظة اللي إيد آدم لمست فيها مقبض الدولاب…
جريت عليه وشدّيته بعيد.
صرخ بعصبية.
“سيبني!”
“دي ماما!”
قفلنا باب الدولاب بسرعة.
لكن…
صوت الخبط وقف.
وساد البيت صمت تقيل.
بصيت لسارة.
كانت وشها شاحب.
وقالت:
“افتحه.”
استغربت.
“إيه؟”
قالت وهي بتحاول تضحك:
“أكيد قطة… أو ماسورة… افتحه ونخلص.”
لكن صوتها كان بيترعش.
فتحت الدولاب بحذر…
كان مليان هدوم بس.
ولا أي حاجة غريبة.
اتنفست الصعداء.
وقلت لنفسي إننا مكبرين الموضوع بسبب كلام طفل.
لكن وأنا بقفل الباب…
لاحظت إن الضهر الخشبي للدولاب أعمق من الطبيعي.
خبطت عليه بإيدي.
“طق… طق…”
الصوت كان فاضي.
كأن وراه فراغ.
شلت الرفوف.
وبعد شوية لقيت لوح خشب رفيع متثبت بمسامير قديمة.
فكّيته.
ورا اللوح…
كان فيه تجويف صغير.
وفي آخره…
علبة معدنية صدئة.
فتحتها.
كان جواها صور قديمة جدًا.
أول صورة كانت للبيت…
لكن بشكله من أكتر من أربعين سنة.
والتانية…
لعيلة واقفة قدامه.
راجل…
وست…
وبنت صغيرة.
قلبت الصورة.
كان مكتوب بخط باهت:
“بيت عائلة منصور – 1981.”
وتحتها:
“إلى ابنتنا سارة.”
وقفت مكاني.
بصيت لسارة.
“إيه ده؟”
قالت باستغراب حقيقي:
“أنا أول مرة أشوف الصور دي.”
كان في آخر العلبة دفتر صغير.
أول صفحة فيه كانت مذكرات كتبها الجد اللي كان ساكن البيت.
كان بيحكي إن بنته الصغيرة، واسمها سارة، كانت كل ليلة تقول إن “في واحدة شبه ماما” بتقف عند باب أوضتها.
في الأول محدش صدقها.
وافتكروا إنها كوابيس.
لكن مع الأيام…
البنت بقت ترفض تنام.
وتقول جملة واحدة:
“ماما الحقيقية مستخبية.”
قفلت الدفتر بسرعة.
لأن نفس الجملة…
قالها آدم بالحرف.
رفعت عيني.
لقيت سارة بتبكي.
وقالت:
“أنا… وأنا صغيرة…”
“كنت فعلًا بخاف من الدولاب.”
“بس كنت فاكرة إن دي مجرد ذكريات طفولة.”
في اللحظة دي…
آدم دخل الأوضة وهو ماسك لعبة الدب.
وقال بهدوء:
“هي زعلانة.”
سألته:
“مين؟”
بص ناحية التجويف اللي ورا الدولاب.
وقال:
“البنت الصغيرة.”
“بتقول إنها كانت لوحدها زمان…”
“…ومش عايزة حد تاني يخاف زيها.”
سكتنا كلنا.
وبعد لحظات…
خرج هواء بارد جدًا من التجويف.
وسمعنا صوتًا خافتًا…
كأنه تنهيدة طويلة.
لكن بدل ما يزيد الرعب…
اختفى الإحساس الثقيل اللي كان في البيت من أيام.
في اليوم التالي استدعينا نجارًا.
لما كشف على الدولاب، قال إن التجويف ده كان مكانًا قديمًا مخفيًا بين الحائطين، واتقفل من عشرات السنين.
شيلنا الدولاب كله.
وقفلنا الفتحة بالحائط.
ومن الليلة دي…
آدم نام لأول مرة من غير ما يصحى مفزوع.
وبعد أسبوع…
سألته:
“الوحش راح؟”
ابتسم وقال:
“أيوه.”
“البنت لقت بابها… ومشت.”
ومن يومها…
ما سمعناش أي خبط.
ولا آدم قال إنه شاف “الوحش” تاني.
لكن…
كلما أمرّ بجوار المكان الذي كان يقف فيه الدولاب…
أتذكر الخربشات على الخشب.
وأتساءل…
هل كان ما حدث مجرد خوف طفل انتقل من جيل إلى جيل؟
أم أن هناك أسرارًا في بعض البيوت…
تظل حبيسة الجدران…
إلى أن يجدها طفل آخر.
بعد شهر تقريبًا…
رجعت حياتنا لطبيعتها.
آدم بقى يضحك تاني.
وسارة بدأت تنام من غير ما تصحى مفزوعة كل شوية.
وأقسمت لنفسي إن كل اللي حصل كان مجرد صدفة…
لحد ما جه اتصال غيّر كل حاجة.
المتصل كان راجل كبير في السن.
قال:
“حضرتك الأستاذ كريم؟”
قلت:
“أيوه.”
قال:
“أنا المحامي اللي كان مسؤول عن ورث صاحب البيت الأول.”
استغربت.
وسألته:
“خير؟”
رد:
“إحنا لقينا ملف قديم جدًا… والمفروض كان يتسلم لأي حد يشتري البيت.”
روحت أقابله.
سلمني ظرف أصفر.
وقال:
“بصراحة… أنا نفسي مش فاهم المكتوب فيه.”
فتحت الظرف.
كان فيه جواب.
وصورة.
أول ما شفت الصورة…
قلبي وقف.
كانت نفس صورة العيلة…
لكن أوضح.
الأب…
الأم…
والبنت الصغيرة.
لكن المرة دي…
كان في شخص رابع واقف بعيد شوية.
ست.
لابسة نفس هدوم الأم.
ونفس وشها.
لكن وهي بتكبر الصورة…
كان واضح إن ابتسامتها مختلفة.
وبصتها مخيفة بشكل غريب.
قلبت الصورة.
ولقيت مكتوب:
“لو شفتوها مرتين…
اعرفوا إن الوقت فات.”
حسيت بقشعريرة.
فتحت الجواب.
كان مكتوب بخط مرتب:
“لو وصلت الرسالة دي لحد بيسكن البيت…
يبقى أنا غالبًا مت.”
“أنا الدكتور سامح عزت.”
“اشتغلت طبيب نفسي لأكتر من عشرين سنة.”
“البنت الصغيرة اللي كانت عايشة هنا…
ما كانتش مريضة.”
“لكن كل أفراد البيت…
كانوا بيشوفوا نفس المرأة.”
“كل واحد في وقت مختلف.”
“الغريب…
إنها كانت تظهر بنفس شكل الشخص الأقرب لقلبه.”
وقفت عن القراءة.
افتكرت كلام آدم.
“دي مش ماما.”
كملت.
“في البداية…
كنا نفتكرها هلوسة.”
“لكن بعد شهور…
بدأت الكاميرات تسجل حاجات غريبة.”
“شخص يدخل أوضة…
في الوقت اللي يكون موجود فيها أصلًا.”
“ونسخة تانية منه…
تمشي في الممر.”
إيدي بدأت ترتعش.
لأن عندي كاميرات في البيت.
رجعت بسرعة.
وأول حاجة عملتها…
فتحت تسجيلات الليلة اللي آدم قال فيها:
“الوحش.”
الكاميرا اللي في الصالة…
كانت بتوريني إني داخل أوضتي أنا وسارة الساعة 11:08.
كل شيء طبيعي.
لكن…
في كاميرا الممر…
الساعة 2:17…
ظهرت سارة خارجة من الأوضة.
وده اللي أنا شوفته.
لكن بعد ثانية واحدة فقط…
ظهر شيء مستحيل.
الكاميرا اللي جوه أوضتنا…
كانت بتصور سارة…
نايمة جنبي في نفس اللحظة.
يعني…
في التسجيل نفسه…
كانت سارة نايمة…
وسارة تانية ماشية في الممر.
حسيت إن نفسي اتقطع.
لفيت أبص لسارة…
لقيتها واقفة ورايا.
وقالت بهدوء:
“في إيه؟”
قفلت شاشة الكمبيوتر بسرعة.
وقبل ما أرد…
سمعنا صوت آدم من أوضته.
كان بيضحك.
ضحكته كانت عالية.
جرينا عليه.
لقيناه قاعد على السرير…
وبيكلم حد مش موجود.
ولما شافنا…
قال بابتسامة واسعة:
“متخافوش…”
“المرة دي…”
“هي مش جاية علشان تاخد ماما.”
سألته وأنا بالكاد قادر أتكلم:
“أمال جاية ليه؟”
رفع عينيه ناحية ركن الأوضة المظلم…
وقال بهدوء شديد:
“علشان…”
“تاخدك إنت.”
تجمدت في مكاني.
ضحكة آدم اختفت فجأة.
وبص لنفس الركن المظلم في الأوضة.
وقال بصوت واطي:
“لا… استنى.”
“هو مش قصده.”
“هو بيحب ماما.”
بصيت ناحية الركن.
طبعًا…
ماكانش فيه أي حد.
لكن لأول مرة…
أنا نفسي حسيت إن في حد واقف.
إحساس غريب…
كأن حد بيراقبك من بعيد.
شيلت آدم بين إيديا.
وقلت لسارة:
“هنمشي من البيت.”
في أقل من ساعة…
كنا سايبين كل حاجة.
هدوم…
أثاث…
حتى الصور.
رحنا قعدنا في شقة مفروشة.
وقلت لنفسي إن كل اللي حصل مرتبط بالبيت.
لكن في أول ليلة هناك…
صحيت الساعة تلاتة إلا ربع.
على صوت آدم.
كان بيتكلم وهو نايم.
قربت منه.
ولقيته بيهمس:
“إحنا بعدنا عنه…”
“بس هو عرف الطريق.”
قلبي وقع.
صحيت سارة.
وفي اللحظة دي…
نور الحمام اشتغل لوحده.
بعدين اتطفى.
وبعدين اشتغل تاني.
قلت لنفسي إنها كهربا.
لكن وأنا رايح أقفل الباب…
لقيت على المراية بخار.
رغم إن محدش استخدم ميه سخنة.
وعلى البخار…
كانت مكتوبة جملة.
“مش البيت.”
“أنا.”
رجعت لورا خطوة.
ومسحت المراية بسرعة.
اختفت الكتابة.
لما بصيت تاني…
ماكانش فيه أي أثر.
تاني يوم…
قررت أعمل الحاجة اللي كان المفروض أعملها من الأول.
روحت لبيت أهل سارة.
وحكيت لحماتي كل حاجة.
فضلت ساكتة فترة طويلة.
وبعدين قامت.
فتحت درج قديم.
طلعت منه ألبوم صور.
وقلبت صفحاته لحد ما وقفت عند صورة لسارة وهي عندها خمس سنين.
كانت واقفة قدام نفس الدولاب.
لكن اللي خلاني أتجمد…
إن سارة الصغيرة كانت راسمة بإيدها على الصورة دائرة حوالين ركن فاضي.
وتحتها بخط طفل مكتوب:
“دي الست اللي محدش بيشوفها.”
بصيت لحماتي.
قلت:
“حضرتك عمرك شوفتي الكلام ده؟”
نزلت دموعها.
وقالت:
“شفناه.”
“بس خبيناه.”
“لأن كل ما كنا نوديها لدكتور…”
“كان يقول إنها بتتخيل.”
“ومع الوقت…”
“بطلت تتكلم عنها.”
سكتت لحظة…
وأضافت:
“لكن قبل ما تسكت…”
“قالتلي جملة عمري ما نسيتها.”
سألتها بسرعة:
“إيه هي؟”
بصت ناحيتي…
وقالت بصوت مرتعش:
“قالت…”
“لما أكبر…”
“هترجع تدور عليا…”
“ولو خلفت ولد…”
“هيشوفها قبلي.”
في اللحظة دي…
رن موبايل سارة.
ردت.
كان آدم على الخط مع جدته، لأنه كان بيلعب في الجنينة.
سمعنا صوته وهو بيضحك ويقول:
“تيتا…”
“الست الجميلة بتقولكم متقلقوش…”
“هي أخيرًا لقت اللي كانت مستنياه.”
سألته سارة بسرعة:
“مين يا حبيبي؟”
رد ببراءة:
“بابا.”
وساعتها…
التفتُّ ببطء ناحية باب الصالون…
لأني سمعت صوت خطوات…
حد بيمشي…
داخل البيت.
اتسمرت مكاني.
الخطوات كانت بطيئة…
خطوة…
وبعدين سكون.
وبعدين خطوة تانية.
سارة مسكت إيدي بقوة.
وهمست:
“إحنا لوحدنا… صح؟”
ما قدرتش أرد.
مشيت ناحية الصالون وأنا بحاول أسيطر على رعشة إيديا.
بصيت يمين…
شمال…
مفيش حد.
لكن الكرسي الهزاز اللي في الركن…
كان بيتحرك لوحده.
حركة خفيفة…
كأن حد كان لسه قاعد عليه وقام.
في نفس اللحظة…
رن جرس الباب.
فتحت بسرعة.
كان آدم واقف مع جدته.
أول ما دخل…
وقف مكانه.
لف وشه ناحية الكرسي.
وابتسم.
وقال:
“هي راحت.”
تنفست الصعداء.
لكن جدته بصتله باستغراب.
وقالت:
“مين يا حبيبي؟”
رد ببساطة:
“البنت.”
كلنا بصينا لبعض.
قلت:
“إيه بنت؟”
قال:
“البنت اللي كانت مستخبية.”
“قالتلي أشكرك.”
سألته:
“أشكرك على إيه؟”
قال:
“عشان فتحتلها الباب.”
استغربت.
“أنا ما فتحتش أي باب.”
هز راسه.
“لأ…”
“فتحت الباب اللي في قلبك.”
ما فهمناش قصده.
لكن من اليوم ده…
اختفت كل الحاجات الغريبة.
لا خبط.
ولا أصوات.
ولا آدم شاف “الوحش” تاني.
مرت ستة شهور.
وبدأنا ننسى.
وفي يوم…
كنت برتب الورق القديم اللي جبناه من البيت.
لقيت ظرف صغير وقع من بين صفحات الدفتر القديم.
كان مقفول بالشمع.
فتحتُه.
كان جواه رسالة قصيرة جدًا.
مكتوب فيها:
“الوحش لم يكن شخصًا…
كان الخوف.
وكل طفل يراه بالشكل الذي يخيفه أكثر.
إذا واجهه أحد، ينتهي كل شيء.
وإذا صدقه الجميع… يكبر.”
سكتُّ طويلًا.
وبصيت لآدم وهو بيلعب في الجنينة ويضحك.
لأول مرة…
ضحكته كانت من غير خوف.
حرقت الرسالة.
وحرقت الصور القديمة كلها.
وقررنا ما نتكلمش عن اللي حصل تاني.
بعد عشر سنين…
كبر آدم.
وفي عيد ميلاده الرابع عشر…
كنت بساعده يرتب أوضته الجديدة.
فتح كرتونة قديمة من غير ما أعرف.
طلع منها الدب اللعبة اللي كان بينام بيه وهو صغير.
ضحك وقال:
“فاكر اللعبة دي؟”
قلت:
“أكيد.”
قلبها بين إيده…
وفجأة لقى في ظهرها سحّاب صغير.
فتح السحّاب باستغراب.
كان جواه ورقة مطوية.
الورقة كانت قديمة جدًا…
وعليها نفس خط الطفل اللي كان على الدولاب.
لكن الجملة كانت مختلفة:
“لو قريت الرسالة دي… يبقى أنت كبرت. ولو كبرت… مش هتقدر تشوفني تاني.”
ابتسم آدم.
وقال:
“يعني كانت بتحاول تطمني.”
سألته:
“مين؟”
بصلي باستغراب.
وقال:
“البنت اللي كانت محبوسة.”
ثم أضاف وهو بيطوي الورقة بهدوء:
“أنا فاكر وشها دلوقتي…”
“ما كانتش وحش.”
“كانت طفلة…
بتستنى حد يصدقها.”
وانتهت الحكاية… لكن ظل سؤال واحد بلا إجابة:
هل كانت كل الأحداث مجرد خوفٍ طفولي انتقل عبر الأجيال؟
أم أن هناك بالفعل طفلة ظلت حبيسة ذلك البيت لعقود… حتى وجدها طفل آخر أخيرًا؟
بعد كلام آدم…
فضلت أبصله وأنا مش قادر أنطق.
كان بيتكلم بهدوء…
وبثقة غريبة.
مش ثقة طفل بيتخيل.
ثقة حد شاف حاجة بعينه.
قلتله:
“إنت فاكر اسمها؟”
سكت شوية…
وبعدين قال:
“كانت بتقول إن اسمها… مريم.”
الاسم وقع على قلبي زي الصاعقة.
لأني افتكرت الدفتر القديم.
رجعت أدور عليه.
كان لسه موجود.
قلبت صفحاته بسرعة.
لحد ما وصلت لآخر صفحة…
صفحة ما كنتش شفتها قبل كده.
كانت لازقة ببعضها بسبب الرطوبة.
فصلتها بحذر.
وكان مكتوب فيها:
“ابنتي مريم…
لو حد قرأ الرسالة دي…
اعرفوا إننا فشلنا نحميها.”
“البيت اتحرق سنة 1981.”
“وكل الناس افتكرت إنها ماتت.”
“لكن الحقيقة…
إحنا لقيناها مستخبية جوه الدولاب…
بعد ما النار طفت.”
“كانت لسه عايشة.”
“لكن من الخوف…
ما نطقتش ولا كلمة.”
“وماتت بعدها بأيام.”
“وآخر جملة قالتها كانت…”
توقفت الكلمات.
لأن آخر السطر كان ممزقًا.
لكن آدم…
كان واقف ورايا.
وقرأ المكان الفاضي…
وقال بهدوء:
“قالت…
قولوا لماما إني كنت مستنياها.”
بصيتله بصدمة.
قلت:
“إنت عرفت منين؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال:
“هي قالتلي.”
في اليوم التالي…
قررنا نروح لمكان البيت القديم.
البيت كان اتهد.
واتبنى مكانه عمارة جديدة.
لكن صاحب الأرض وافق ندخل الجنينة الخلفية.
وقف آدم في ركن بعيد.
وقال:
“هنا.”
بدأ العمال يحفروا.
بعد أقل من متر…
المعول خبط في صندوق خشبي.
طلعوه بحذر.
كان جواه…
سلسلة فضة صغيرة.
ولعبة قماش محترقة من طرفها.
وشهادة ميلاد.
الاسم:
“مريم إبراهيم السيوفي.”
وتاريخ الوفاة…
ماكانش موجود.
الشرطة فتحت تحقيق قديم.
واتأكدوا إن الطفلة اختفت فعلًا وقت الحريق.
وإن محدش عرف مصيرها.
بعد أسابيع…
تم دفن بقاياها في مقابر العيلة.
وحضرنا كلنا الجنازة.
الإمام دعا لها.
وسارة فضلت تبكي طول الوقت…
رغم إنها عمرها ما عرفتها.
ولما رجعنا البيت…
قال آدم فجأة:
“خلص.”
سألته:
“إيه اللي خلص؟”
قال وهو مبتسم:
“هي ودعتني.”
“وقالت متشكر.”
ومن اليوم ده…
ولا مرة تانية…
شاف حاجة غريبة.
عدت السنين.
كبر آدم.
اتجوز.
وخلف بنت.
وفي يوم…
كنت شايل حفيدتي الصغيرة.
كان عندها أربع سنين…
نفس سن آدم وقت بداية الحكاية.
وفجأة…
بصت في وشي.
وقالت:
“جدو…”
ابتسمت.
“نعم يا حبيبتي؟”
قالت:
“في بنت جميلة واقفة وراك.”
اتجمدت.
لكنها كملت وهي بتضحك:
“بتقولك…”
“متخافش.”
“أنا وعدي انتهى.”
لفيت بسرعة.
طبعًا…
ماكانش فيه حد.
لكن لأول مرة من سنين…
ماحستش برعب.
حسيت براحة.
كأن حد كان بيقفل باب قديم…
اتفتح بالغلط من عشرات السنين.
في الليلة دي…
رجعت آخر مرة للبيت القديم.
الأرض كانت فاضية.
وقفت في المكان اللي كان فيه الدولاب.
وقلت بصوت واطي:
“لو كنتِ هنا…
أتمنى تكوني لقيتي السلام.”
في نفس اللحظة…
هبت نسمة هوا خفيفة.
وسمعت ضحكة طفلة…
بعيدة جدًا.
مش ضحكة مخيفة.
ضحة مرتاحة.
وبعدها…
اختفى كل شيء.
ومن يومها…
لم يرَ أحد “الوحش” مرة أخرى.
ولم يعد أي طفل في تلك العائلة يستيقظ وهو يشير إلى الدولاب.
كأن الحكاية…
لم تكن عن وحش أصلًا.
بل عن طفلة ظلت تنتظر من يسمعها…
حتى جاء طفل آخر، بعد أربعين عامًا، وصدقها.
تمت.