اوضة العمليات حكـايـات أسمـا السـيد ×2

الفصل الخامس
فضل كريم ماسك الورقة بإيده…
وقراها مرة…
واتنين…
وتلاتة.
كانت عبارة عن تقرير رسمي صادر من المستشفى.
بالدقيقة والثانية.
10:41 صباحًا…
دخول ليلى غرفة العمليات.
10:46…
محاولة الاتصال بالزوج.
10:48…
محاولة ثانية.
10:51…
محاولة ثالثة.
ثم عشرات المحاولات بعدها.
وفي آخر التقرير…
مرفق كشف من شركة الاتصالات.
يوضح إن تليفون كريم كان مغلقًا بإرادته طوال فترة العملية.
لكن الصدمة الحقيقية…
كانت في الصفحة الأخيرة.
صورة منشورة من الحساب الرسمي لنادين.
مكتوب عليها وقت النشر.
10:49 صباحًا.
كريم بيبتسم…
ورافع قطعة التورتة قدام الكاميرا.
يعني…
في نفس اللحظة اللي كانت ليلى بتدخل فيها غرفة العمليات…
كان هو بيحتفل.
وقع الملف من إيده.
ولأول مرة…
اتمنى لو الزمن يرجع دقيقة واحدة.
…
بعد أسبوع…
بدأت أول جلسة.
المحكمة كانت مليانة.
الصحفيين واقفين بره.
لأن الق\ضية بقت حديث الناس.
رجل أعمال مشهور…
وزوجته بتطلب الطلاق بعد ما سابها تدخل عملية خطيرة لوحدها.
دخل كريم القاعة.
ولأول مرة…
ماكانش لابس بدلة غالية.
كان شكله مرهق.
عينه غائرة.
ودقنه طالعة.
أما ليلى…
دخلت بهدوء.
لابسة إسدال بسيط.
وشايلة مريم.
وسارة شايلة آدم.
كل اللي في القاعة بصوا عليها.
كانت هادئة بشكل غريب.
القاضي بدأ يسمع الطرفين.
محامي كريم وقف وقال:
“موكلي لم يقصر ماديًا.”
“تكفل بكل مصاريف العلاج.”
“ووفر ممرضة خاصة.”
“وحول مبلغ ثلاثة ملايين جنيه.”
القاضي بص لليلى.
وقال:
“رد حضرتك؟”
وقفت.
وبصت للقاضي.
وقالت بهدوء هز القاعة كلها:
“يا سيادة القاضي…”
“أنا ماكنتش داخلة أشتري شقة.”
“أنا كنت داخلة أنقذ حياتي.”
“أنا ماكنتش محتاجة تحويل بنكي.”
“كنت محتاجة إيده تمسك إيدي.”
سكتت لحظة.
وبعدين كملت والدموع في عينيها:
“أنا كنت داخلة أوضة العمليات ومش عارفة هخرج منها ولا لأ.”
“كنت خايفة أموت.”
“كنت خايفة ولادي يعيشوا من غير أم.”
“كل اللي طلبته…”
“إن أبوهم يبقى موجود.”
“بس اختار يبقى مع واحدة تانية.”
الصمت ملأ القاعة.
حتى القاضي نزل بنظره في الأوراق ثواني.
…
خرج كريم من المحكمة مكسور.
الصحفيين جريوا عليه.
“هل صحيح كنت في حفلة؟”
“هل هترجع مراتك؟”
“هل هتعتذر؟”
ما ردش على حد.
ركب عربيته ومشي.
…
في الليل…
فتح الدولاب في أوضة النوم لأول مرة من شهور.
كان بيدور على ملف قديم.
لكن وقعت قدامه علبة صغيرة.
فتحها.
لقي فيها عشرات الجوابات.
كلها بخط إيد ليلى.
أول جواب كان مكتوب عليه:
“افتحه لو زعلت مني.”
فتحه.
كان مكتوب:
“أنا عارفة إنك ساعات بتتعب من الشغل… ولو في يوم حسيت إني قصرت، افتكر إني بحاول أحبك بالطريقة اللي أعرفها.”
فتح التاني.
“لو ربنا رزقنا بطفل… أتمنى يشبهك.”
فتح التالت.
كان مكتوب بتاريخ قبل خمس سنين.
“الدكتور قال إن فرصة الحمل ضعيفة… بس أنا مش هفقد الأمل… علشان نفسي أشوفك أب.”
كل جواب كان بيمزق قلبه أكثر.
وصل لآخر ظرف.
كان عليه تاريخ قبل الولادة بيومين.
ومكتوب:
“يتفتح لو حصل لي حاجة.”
اتجمد مكانه.
إيده بدأت ترتعش.
فتح الظرف ببطء.
وفي أول سطر…
قرأ كلمات خلت نفسه يتقطع:
“كريم… لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا ما رجعتش من العملية…”.
وانهمرت دموعه لأول مرة منذ سنوات… لكنه لم يكن يعرف أن ما تبقى من الرسالة سيكشف له سرًا احتفظت به ليلى طوال زواجهما، سرًا سيغيّر كل ما كان يظنه عن حياتهما.
الفصل السادس
فضل كريم ماسك الورقة…
وإيده بترتعش.
حاول يكمل القراءة…
لكن الدموع كانت مغرقة الكلمات.
مسح عينيه…
وبدأ يقرأ من جديد.
“كريم… لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا ما رجعتش من العملية.”
“ولو ربنا كتبلي النهاية… فأنا مش زعلانة منك.”
اتسعت عينه.
كمل.
“يمكن الناس كلها تلومك… لكن أنا عارفة إنك طول عمرك كنت فاكر إن الفلوس هي الأمان.”
“وأنا الغلط كان غلطي… لأني سكت سنين، وكل مرة كنت أقول لنفسي بكرة هيتغير.”
نزلت دمعة على الورقة.
لكن السطر اللي بعده…
كان أصعب من كل اللي قبله.
“في حاجة عمري ما قلتها لك.”
وقف عن القراءة لحظة.
قلبه بدأ يدق بعنف.
رجع يكمل.
“بعد أول سنة جواز، لما عرفنا إن الإنجاب متأخر… الدكتور قال إن المشكلة مشتركة بينا، ومحتاجة علاج من الطرفين.”
“إنت خرجت من العيادة يومها محطم.”
“ولما سمعتك بتقول إنك مش هتستحمل حد يعرف… روحت للدكتور بعدها لوحدي.”
“طلبت منه ما يقولش الحقيقة لحد.”
“وخليت الكل يفتكر إن المشكلة عندي أنا.”
وقع كريم على الكرسي.
افتكر اليوم ده.
افتكر إزاي رجع البيت ساكت.
وإزاي ليلى حضنته وقالت لأهله:
“العلاج هيكون عندي أنا.”
وقتها…
صدقها.
وما سألش.
كمل يقرا.
“كنت عارفة إن كرامتك هتتوجع لو حد عرف.”
“فاخترت أنا أشيل الكلام كله.”
“سمعت كلام الناس… وعيشت سنين بيتقال عليا إني السبب.”
“حتى والدتك كانت كل زيارة تسألني: هتفرحينا إمتى؟”
“وكنت بابتسم… وأسكت.”
هنا…
انهار كريم تمامًا.
افتكر أمه وهي بتجرح ليلى بكلامها.
وافتكر إنه…
ولا مرة دافع عنها.
ولا مرة قال الحقيقة.
لأنه…
ما كانش يعرفها أصلًا.
لكن ليه؟
ليه ما قالتلوش؟
رجع للرسالة.
“أنا عملت كده لأني كنت بحبك.”
“الحب الحقيقي ساعات بيستر… حتى لو صاحبه اتوجع.”
آخر سطر كان مكتوب بخط مهزوز.
“ولو ربنا كتبلي عمر… أتمنى في يوم تبقى أب حقيقي لولادنا… مش مجرد شخص بيصرف عليهم.”
قفل الرسالة.
وحطها على صدره.
وبكى…
زي طفل صغير.
في الناحية التانية…
كانت ليلى قاعدة في بيتها الجديد.
آدم ومريم ناموا أخيرًا.
دخلت سارة ومعاها ظرف.
قالت:
“دي نتيجة التحريات اللي طلبتيها.”
ليلى فتحته.
كان فيه تقرير كامل عن تحويلات كريم المالية.
وعن شراكاته.
وفجأة…
وقعت عينها على اسم مألوف.
نادين فؤاد.
لكن مش كحبيبة قديمة.
كانت شريكة بنسبة 30% في شركة جديدة.
ليلى عقدت حواجبها.
وقالت:
“هو قال إنها مجرد صاحبة قديمة.”
سارة ردت:
“واضح إن الموضوع أكبر من كده.”
قلبت ليلى باقي الأوراق.
ولقت تحويلات بمبالغ ضخمة.
وشقة فاخرة مسجلة باسم شركة…
الشركة دي نادين شريكة فيها.
بصت لسارة.
وقالت بهدوء:
“يبقى كان بيكدب.”
سارة هزت رأسها.
“والظاهر إن المحكمة لسه هتشوف مفاجآت كتير.”
في نفس اللحظة…
رن هاتف كريم.
كان المتصل…
نادين.
رد بصوت متعب:
“خير؟”
لكن أول جملة قالتها…
خلت ملامحه تتغير تمامًا.
قالت وهي تبكي:
“كريم… إحنا في مصيبة… في حد بلغ عن كل حسابات الشركة، والنيابة بدأت تراجع الملفات.”
أغمض عينيه…
وأدرك أن حياته التي كانت تتهاوى بسبب خسارة ليلى…
قد تبدأ الآن في الانهيار من جهة أخرى أيضًا.
الفصل السابع
كريم سكت للحظات…
وكأن صوت نادين بقى بعيد.
قال أخيرًا:
“إيه اللي حصل؟”
نادين كانت بتتكلم بسرعة وهي بتبكي:
“النيابة طلبت كل ملفات الشركة… وكل التحويلات… والبنك جمّد جزء من الحسابات لحين المراجعة.”
كريم عقد حاجبيه.
“مين قدم البلاغ؟”
“لسه محدش عارف.”
قفل المكالمة…
وقعد لوحده في مكتبه.
لأول مرة…
ماكانش خايف على الفلوس.
كان خايف إن كل الأخطاء اللي دفنها السنين…
تطلع للنور مرة واحدة.
في اليوم التالي…
وصلت ليلى المحكمة بدري.
كانت أول جلسة خاصة بالنفقة وحضانة التوأم.
دخل كريم القاعة…
وشاف ليلى لأول مرة من شهرين.
كانت ماسكة آدم.
أما مريم…
فكانت نايمة في عربية الأطفال.
وشها كان باين عليه الإرهاق…
لكن عينيها بقى فيهم قوة عمره ما شافها قبل كده.
بعد انتهاء الجلسة…
خرجت ليلى من القاعة.
ولقيت كريم واقف مستنيها في الممر.
قال بصوت هادي:
“ممكن دقيقة؟”
سارة بصت لليلى.
ليلى قالت:
“سيبينا.”
وقفت قدامه.
من غير غضب…
ومن غير ابتسامة.
قال كريم:
“أنا قريت الرسالة.”
اتغيرت ملامحها.
“أنهي رسالة؟”
“اللي كتبتيها قبل العملية.”
سكتت.
كمل وهو صوته بيتكسر:
“ليه عملتي كده؟”
“ليه شيلتي اللوم كله عني؟”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت:
“علشان كنت بحبك.”
نزل كريم برأسه.
وقال:
“أنا ظلمتك.”
ردت بهدوء:
“أيوه.”
“وأهملتك.”
“أيوه.”
“وخذلتك.”
“أيوه.”
رفع عينه وقال برجاء:
“ينفع تسامحيني؟”
ليلى فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين قالت الجملة اللي وجعته أكتر من أي حاجة:
“أنا سامحتك من زمان.”
رفع رأسه بسرعة.
قال:
“يبقى نرجع؟”
هزت رأسها بالنفي.
“التسامح غير الرجوع يا كريم.”
“أنا سامحت علشان أرتاح.”
“لكن الثقة… لما بتتكسر، صعب ترجع زي الأول.”
سكت.
وهي كملت:
“أنا دلوقتي مسؤولة عن طفلين.”
“ومش هبني حياتهم على أمل إنك تتغير.”
لفت تمشي…
لكن صوت كريم وقفها.
“ممكن أشوف ولادي؟”
بصتله طويلًا.
وبعدين قربت عربية الأطفال.
شال مريم لأول مرة.
كانت صغيرة جدًا…
إيديها قد كف إيده.
فتحت عينيها للحظة…
ومسكت صباعه الصغير.
كريم حس إن قلبه هيقف.
بدأ يبكي.
وقال بصوت مخنوق:
“أنا أبوكي… سامحيني.”
أما آدم…
فكان نايم بهدوء.
ليلى أخدته منه بعد دقائق.
وقالت:
“لو عايز تبقى أب ليهم…”
“ابدأ من النهارده.”
“مش بالهدايا.”
“ولا بالتحويلات.”
“ابدأ بالوقت.”
بعد أسبوع…
كانت ليلى قاعدة في البيت مع التوأم.
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت راجل كبير في السن.
شعره أبيض.
ولابس بدلة بسيطة.
قال باحترام:
“أنا الحاج محمود… والد كريم.”
ليلى اتفاجئت.
لأنها من يوم جوازها…
الراجل ده كان مسافر أغلب الوقت.
ونادر جدًا ما كانت تشوفه.
قال:
“ممكن أدخل؟”
دخل…
وبص للتوأم بابتسامة.
ثم التفت إليها وقال:
“أنا عرفت كل اللي حصل.”
“وجاي أعتذر.”
ليلى استغربت.
قال:
“أعتذر عن ابني.”
“وأعتذر عن نفسي.”
“لأني وأنا بربيه… علمته ينجح في الشغل.”
“لكن ما علمتوش ينجح في بيته.”
ثم أخرج ظرفًا من جيبه…
ووضعه على الطاولة.
وقال:
“دي وصيتي الجديدة.”
“وفيها جزء كبير من أملاكي باسم آدم ومريم.”
ليلى حاولت ترفض.
لكنه ابتسم وقال:
“ده حقهم… مش منّة.”
وقبل أن يغادر…
قال جملة ظلت ترن في أذنها طويلًا:
“ابني خسر زوجة صالحة…”
“وأتمنى ما يخسرش فرصة إنه يبقى أب صالح.”
وأغلق الباب خلفه…
بينما كانت ليلى تنظر إلى الظرف، دون أن تعرف أن القرار الذي ستتخذه بشأنه سيغير مجرى الق\ضية كلها.
يتيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *