بعد الطلاق حكـايـات أسمـا السـيد ×1
بعد الطلاق اختفت تمامًا… وبعد ثمانية أشهر رآها بالصدفة، حاملًا، تمشي بكل هدوء وكأنها لم تقل له يومًا إنها أجهضت طفله.
كانت نورا تسير بخطوات ثابتة، كأن الأرض تعرفها وتفسح لها الطريق. لم تكن مستعجلة، ولم تكن تلتفت خلفها. كانت تمشي بثقة امرأة تخلّت عن عبء التبرير، ولم تعد تخشى أي سؤال.
في الجهة المقابلة…
تجمّد مالك في مكانه.
كأن جسده استوعب الحقيقة قبل عقله.
لم يصرخ باسمها.
ولم يختبئ.
ظل واقفًا يراقبها، بينما الذكريات تهجم عليه واحدة تلو الأخرى.
طريقة سيرها الهادئة…
انحناءة كتفيها الخفيفة…
واليد التي ارتفعت تلقائيًا لتستقر فوق بطنها.
حركة صغيرة…
لكنها كانت كافية لتقلب عالمه كله.
بطنها كان واضحًا.
لا يحتاج إلى تفسير.
ولا يترك مجالًا للشك.
كانت حاملًا…
بكل وضوح.
شعر أن أنفاسه اختنقت، وأن الهواء من حوله أصبح أثقل من أن يُستنشق.
مرت من أمامه…
ولم تلتفت.
وربما رأته بالفعل…
لكنها اختارت أن تواصل طريقها، وكأن الرجل الذي حطم قلبها أصبح مجرد غريب.
في تلك اللحظة…
عاد بذاكرته إلى آخر ليلة جمعتهما.
كانت تجلس أمامه بهدوء غريب، وقالت بصوت خافت:
“متقلقش… الحمل انتهى… أجهضت.”
قالتها بلا دموع.
بلا انفعال.
وكأنها تخبره بخبر لا يخصها.
أما هو…
فلم يسألها كيف.
ولم يحتضنها.
ولم يحاول أن يخفف عنها.
اختار الصمت…
لأنه كان أسهل من المواجهة.
واليوم فقط…
أدرك أن صمته لم يكن حكمة.
كان تخليًا.
وأن بروده لم يكن قوة.
بل هروبًا من مسؤولياته.
أفاق من شروده فجأة…
واندفع نحوها كالمجنون.
وقف أمامها يلهث، وعيناه معلقتان ببطنها.
وقال بصوت مرتعش اختلطت فيه الصدمة بالرجاء:
— إنتِ… إنتِ قولتيلي إنك أجهضتي… ده ابني؟!
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
كان صوت مالك يرتجف وهو يردد:
— إنتِ… إنتِ قولتيلي إنك أجهضتي… ده ابني؟!
توقفت نورا.
ببطء شديد.
رفعت رأسها إليه.
لم يظهر على وجهها أي ارتباك.
ولا حتى غضب.
مجرد هدوء بارد…
ذلك الهدوء الذي لا يصل إليه الإنسان إلا بعد أن يبكي كل دموعه.
نظرت إلى عينيه لثوانٍ طويلة.
ثم قالت:
— وسّع من قدامي يا مالك.
اقترب خطوة أخرى.
وعيناه لا تفارقان بطنها.
— جاوبيني… ده ابني؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لكنها لم تكن ابتسامة فرح.
كانت ابتسامة مليئة بالخذلان.
وقالت:
— بعد ثمانية شهور… افتكرت تسأل؟
بلع ريقه بصعوبة.
— يعني… يعني ما أجهضتيش؟
تنهدت.
وأغمضت عينيها للحظة.
ثم قالت:
— لا.
الكلمة نزلت عليه كالصاعقة.
رجع خطوة للخلف.
وكأن الأرض اهتزت تحت قدميه.
همس لنفسه:
— يبقى… ابني عايش…
دمعت عيناه لأول مرة.
اقترب منها بسرعة.
— ليه كذبتي عليا؟
ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة.
وقالت:
— وأنا أسألك سؤال الأول…
لما قلتلك وقتها إني أجهضت…
عملت إيه؟
سكت.
لم يجد إجابة.
أكملت وهي تنظر إليه بثبات:
— سألتني كنت في مستشفى إيه؟
لا.
حضنتني؟
لا.
قلتلي هنعوض؟
لا.
حتى بصيتلي؟
لا.
كل اللي عملته إنك قلت…
“قدر الله وما شاء فعل.”
وبعدها فتحت اللابتوب…
وكملت شغلك.
خفض رأسه.
كأن كل كلمة كانت صفعة.
قال بصوت خافت:
— كنت مصدوم…
هزت رأسها.
— لأ…
إنت كنت مرتاح.
كنت شايف إن الطفل ده هيعقد حياتك.
كنت مستني أي سبب يخلصك من المسئولية.
رفع رأسه بسرعة.
— والله ما حصل.
صرخت لأول مرة:
— حصل!
التفت المارة إليهما.
لكنها لم تهتم.
وقالت بصوت مكسور:
— يومها خرجت من البيت وأنا مستنية إنك تجري ورايا.
كل دقيقة كنت ببص ورايا.
أقول أكيد هييجي.
أكيد هيوقفني.
أكيد هيقولي ارجعي.
لكنك…
ما جيتش.
دموع مالك بدأت تنزل.
قال:
— أنا افتكرت إنك محتاجة تبقي لوحدك.
ابتسمت بمرارة.
— وأهو…
فضلت لوحدي فعلًا.
ثمانية شهور.
أروح للدكتور لوحدي.
أسمع نبض ابني لوحدي.
أشتري هدومه لوحدي.
وأرجع البيت لوحدي.
كل مرة كنت بقول…
يمكن يرن.
يمكن يسأل.
يمكن يعرف أنا عايشة ولا ميتة.
لكنك اختفيت…
زي ما كنت مختفي طول جوازنا.
ساد الصمت.
لم يعد يسمع إلا صوت السيارات.
قال بعد لحظات:
— ليه قولتي أجهضتي؟
تنهدت طويلًا.
ثم قالت:
— لأني كنت عايزة أعرف…
لو فقدت الطفل…
هتفقدني أنا كمان؟
ولا هتكمل حياتك عادي؟
وربنا جاوبني بدل ما تجاوبني إنت.
همس:
— سامحيني.
هزت رأسها بالنفي.
— كلمة سامحيني سهلة.
إنما اللي اتكسر…
صعب يرجع.
اقترب منها أكثر.
وقال:
— اديني فرصة.
عشان خاطره.
وأشار إلى بطنها.
نظرت إلى يده.
ثم أبعدتها بهدوء.
وقالت:
— متستخدمش ابني علشان ترجعلي.
لو هتبقى أب…
يبقى علشان هو.
مش علشان تكسبني.
في تلك اللحظة…
توقفت سيارة سوداء فاخرة بجوار الرصيف.
نزل منها رجل في أواخر الخمسينيات.
بشعر يغزوه الشيب.
ووجه يحمل ملامح الوقار.
اتجه مباشرة نحو نورا.
وقال بقلق:
— اتأخرتي ليه يا بنتي؟ الدكتور قال متتعبيش نفسك.
نظر مالك إليه باستغراب.
أما نورا…
فاكتفت بالابتسام.
وقالت:
— آسفة يا عمي فؤاد… الطريق عطّلني شوية.
ثم التفتت إلى مالك.
وقالت بهدوء:
— أعرفك…
ده عمي فؤاد.
أقرب إنسان وقف جنبي من يوم ما خرجت من بيتك.
مد الرجل يده لمالك.
لكن نظرته كانت حادة.
وقال:
— سمعت عنك كتير.
مالك صافحه في صمت.
فسأله فؤاد:
— إنت مالك؟
أومأ برأسه.
قال الرجل:
— كنت أتمنى أتعرف عليك في ظروف أحسن.
لكن للأسف…
عرفتك من دموع بنت كانت بترجع كل ليلة منهارة.
ارتبك مالك.
أما نورا فقالت:
— يلا يا عمي.
تأخرنا.
وقبل أن تفتح باب السيارة…
استدار مالك وهو يناديها بصوت مرتفع:
— نورا!
التفتت إليه.
قال وعيناه تمتلئان بالدموع:
— حتى لو كرهتيني…
أنا مش هسيب ابني.
هفضل أحاول أصلح اللي عملته.
مش علشان أرجعك…
لكن علشان ميكبرش وهو فاكر إن أبوه سابه.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت بصوت هادئ:
— الكلام سهل يا مالك…
اللي هيحكم بينا من النهارده…
الأفعال.
ثم ركبت السيارة.
وانطلقت ببطء.
بينما ظل مالك واقفًا في منتصف الطريق…
يراقبها حتى اختفت من أمام عينيه.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعر أن أكبر معركة في حياته…
لم تبدأ بعد.
الفصل الثاني
لم يتحرك مالك من مكانه…
حتى اختفت السيارة تمامًا.
ظل ينظر إلى الطريق الفارغ…
وكأنه ينتظر أن تعود.
لكنها لم تعد.
أخرج هاتفه بيد ترتجف.
فتح آخر محادثة بينها وبينه.
آخر رسالة كانت منذ ثمانية أشهر.
“خلي بالك من نفسك.”
رسالة قصيرة…
رد عليها وقتها بكلمة واحدة فقط:
“تمام.”
نظر إليها طويلًا.
وأغلق الهاتف.
همس لنفسه:
— أنا اللي ضيعت كل حاجة بإيدي.
في الجهة الأخرى…
كانت نورا تنظر من نافذة السيارة.
لاحظ عم فؤاد دموعها التي حاولت إخفاءها.
فسألها بهدوء:
— شافك؟
أومأت برأسها.
— أيوه.
— وعرف؟
— أول ما بص على بطني… عرف كل حاجة.
تنهد الرجل.
وقال:
— كنت متوقع إن اليوم ده هييجي.
قالت وهي تمسح دموعها:
— كنت فاكرة إني لما أشوفه مش هحس بحاجة…
بس قلبي وجعني.
ربت على يدها.
— طبيعي…
لكن متنسيش اللي عيشتيه.
هزت رأسها.
وقالت:
— مش ناسية.
مستحيل أنسى.
عاد مالك إلى بيته…
فتح الباب.
البيت كان كما تركه يوم الطلاق.
باردًا…
صامتًا…
وخاليًا.
جلس على الأريكة.
ثم وقع بصره على صورة زواجهما.
كانت نورا تضحك فيها من قلبها.
رفع الصورة…
وتذكر أول سنة زواج.
كانت تملأ البيت ضحكًا.
تكتب له ملاحظات صغيرة على الثلاجة.
توقظه على رائحة القهوة.
وتنتظره كل مساء حتى يعود.
ثم بدأ هو يتغير.
العمل…
الصفقات…
السفر…
صار يقول لها دائمًا:
— بعدين يا نورا… مش فاضي.
حتى أصبحت كلمة “بعدين” هي كل ما تسمعه منه.
رن هاتفه.
كان صديقه عمر.
— فين يا مالك؟ الاجتماع مستنيك.
رد بصوت شارد:
— مش جاي.
استغرب عمر.
— أول مرة تلغي اجتماع بملايين.
قال مالك:
— في حاجات أغلى من ملايين الدنيا.
وأغلق الخط.
في صباح اليوم التالي…
وقف أمام العمارة التي كانت نورا تسكن فيها بعد الطلاق.
صعد إلى الشقة.
طرَق الباب.
فتحت له صاحبة العقار.
عرفته فورًا.
قطبت حاجبيها.
وقالت ببرود:
— خير؟
قال بسرعة:
— نورا فين؟
ردت:
— نقلت من ست شهور.
اتسعت عيناه.
— راحت فين؟
هزت رأسها.
— معرفش.
وقبل أن يغادر…
قالت السيدة:
— استنى.
دخلت ثم عادت بصندوق صغير.
— ده كان عندي أمانة.
قالت لو سألك يومًا… اديله ده.
فتح الصندوق بسرعة.
وجد بداخله…
حذاءً صغيرًا لطفل.
وصورة أشعة.
وتقويم حمل…
وعليه علامات بالقلم عند كل زيارة للطبيب.
وفي آخر ورقة…
رسالة بخط نورا.
فتحها بلهفة.
وجاء فيها:
“مالك…
لو الرسالة دي وصلت لإيدك… يبقى أكيد حاولت تدور عليا.
أنا كذبت لما قلتلك إني أجهضت.
مش علشان أعاقبك… لكن علشان أعرف مكانتي عندك.
كنت مستنية تيجي. أو حتى تتصل. أو تسأل.
لكن الأيام عدت… وأنت ماجتش.
وقتها فهمت إن ابني لازم يتربى في مكان يحس فيه إنه مرغوب.
مش همنعك تشوف ابنك لو أثبت إنك فعلاً اتغيرت.
لكن لو جيت بنفس الشخص اللي كسرني… متدورش علينا تاني.”
انتهى مالك من القراءة…
ولأول مرة…
انهار تمامًا.
جلس على درجات السلم…
يبكي كطفل.
في الوقت نفسه…
كانت نورا في عيادة الطبيبة.
ابتسمت الطبيبة وهي تراجع الفحوصات.
وقالت:
— الحمد لله… البيبي ممتاز.
ابتسمت نورا أخيرًا.
وضعت يدها على بطنها.
وقالت همسًا:
— أوعدك…
هعمل كل اللي أقدر عليه علشان تعيش في أمان.
لكنها لم تكن تعلم…
أن شخصًا كان يقف خارج العيادة.
يراقب خروجها من بعيد.
لم يكن مالك.
ولم يكن عم فؤاد.
كان رجلًا يرتدي نظارة سوداء.
أخرج هاتفه.
واتصل بشخص مجهول.
وقال بصوت منخفض:
— لقيتها…
نورا حامل فعلًا…
والوقت جه ننفذ الخطة.
يتبع