عشيقة جوزي حكايات اسما×3

الفصل الثامن

أعدت قراءة الرسالة أكثر من مرة.

“ابحثي عن الشخص الوحيد… اللي ما حدش شك فيه أبدًا.”

فضلت الجملة تدور في دماغي.

كريم؟

لا.

هو كان واجهة.

لكن الرسالة بتتكلم عن شخص…

قدر يفضل بعيد عن كل الشبهات.

مايا كانت بتراقبني.

وقالت:

“بتفكري في مين؟”

حطيت الورقة على المكتب.

وقلت بهدوء:

“الشخص اللي كان موجود في كل المراحل…”

“من غير ما حد يسأله أي سؤال.”

سكتنا ثواني.

وفجأة…

بصينا لبعض في نفس اللحظة.

وقلنا الاسم معًا:

“فؤاد.”

المحامي القديم للعائلة.

الرجل اللي حضر كتب كتابي.

وهو نفسه اللي راجع أول عقود الشركة بعد وفاة أمي.

وهو نفسه اللي كان شاهدًا في نقل بعض الأصول.

الغريب…

إننا عمرنا ما شكينا فيه.

—

طلبت من سكرتيرتي ملفًا قديمًا.

كل التوكيلات اللي أمي وقعتها قبل وفاتها.

بدأت أقلب الأوراق واحدة واحدة.

وفي آخر الملف…

لقيت توكيلًا أُلغي بعد ستة أشهر.

المستفيد منه…

الأستاذ فؤاد.

لكن الإلغاء…

ماكانش متسجل في نسخة الشركة.

رفعت الورقة لمايا.

وسألتها:

“يعني إيه ده؟”

أخدتها بسرعة.

ودققت فيها.

ثم قالت:

“يعني لو حد استخدم النسخة القديمة…”

“كان يقدر يتصرف كأنه لسه معاه صلاحيات.”

أغمضت عيني.

وبدأت أفهم.

كريم كان بينفذ.

لكن فيه حد…

كان بيعرف القانون كويس جدًا.

—

في الوقت نفسه…

كان كريم خارجًا من التحقيق.

اقترب منه صحفي.

وسأله:

“هل عندك تعليق؟”

وقف كريم.

ولأول مرة منذ بدأت الأزمة…

قال جملة واحدة:

“مش أنا صاحب الفكرة.”

انتشرت الجملة في كل المواقع خلال دقائق.

الناس افتكرتها محاولة للهروب من المسؤولية.

لكن أنا…

حسيت إنها أول مرة يقول الحقيقة.

—

في المساء…

وصلني اتصال من رقم خاص.

رديت.

جالي صوت أعرفه.

الأستاذ فؤاد.

قال بهدوء:

“واضح إنك وصلتي لآخر الخيط.”

قلت ببرود:

“لأ.”

“أنا لسه في أوله.”

ضحك ضحكة قصيرة.

وقال:

“أمك كانت ذكية.”

“لكن استعجلت.”

قبضت على الهاتف بقوة.

“إنت تقصد إيه؟”

رد:

“تعالي المكتب القديم.”

“وهقولك كل حاجة.”

ثم أغلق الخط.

—

اعترضت مايا.

وقالت:

“ممكن يكون فخ.”

ابتسمت.

وقلت:

“أكيد فخ.”

“لكن الفرق…”

“إن المرة دي…”

“أنا اللي عارفة إنه فخ.”

قبل ما أخرج…

اتصلت بضابط القضية.

وسلمته عنوان المكتب.

وقلت له:

“لو ما خرجتش بعد ساعة…”

“ادخلوا.”

هز رأسه.

وقال:

“اتفقنا.”

—

وصلت إلى المكتب القديم.

كان مهجورًا.

الأثاث مغطى بالأقمشة.

ورائحة الورق القديم تملأ المكان.

كان فؤاد واقفًا أمام الشباك.

ظهره ناحيتي.

قال من غير ما يلف:

“اتأخرتِ.”

قلت:

“الحقيقة تستحق الانتظار.”

استدار ببطء.

وفي يده ملف سميك.

وضعه فوق المكتب.

وقال:

“كل حاجة هنا.”

“الأوراق…”

“والعقود…”

“وحتى الرسائل اللي كريم عمره ما شافها.”

سألته:

“ليه دلوقتي؟”

تنهد.

وقال:

“لأن اللعبة انتهت.”

“وكل واحد لازم يشيل نتيجة اختياراته.”

في اللحظة دي…

سمعنا صوت سيارات تقف خارج المبنى.

ابتسم فؤاد.

وقال:

“واضح إنك ما جيتيش لوحدك.”

ابتسمت لأول مرة.

وأجبته:

“اتعلمت الدرس.”

وبينما كان الضباط يصعدون السلم…

فتح فؤاد الملف بنفسه.

وكانت أول ورقة فيه…

اعترافًا مكتوبًا بخط كريم.

يقر فيه بأنه أخفى تحويلات مالية ووقّع مستندات غير صحيحة، لكنه يذكر أيضًا أن من وضع الخطة القانونية وأدارها كان شخصًا آخر.

رفع فؤاد عينيه نحوي.

وقال بهدوء:

“دلوقتي…”

“بقي عندك الحقيقة كاملة.”

“والباقي…”

“هيقوله القضاء.”
الفصل الأخير

مرت ثمانية أشهر.

ثمانية أشهر…

امتلأت بالمحاكم.

والتحقيقات.

وجلسات طويلة.

وشهادات.

وأوراق.

كل يوم…

كانت الحقيقة تظهر قطعة جديدة.

وكل قطعة…

كانت تهدم الكذبة التي عاش عليها كريم سنوات.

اعترف فؤاد بكل شيء.

اعترف أنه استغل خبرته القانونية.

وصمم شبكة من العقود والاتفاقيات لإخفاء التحويلات.

واعترف أن كريم…

في البداية…

دخل طمعًا في المال.

ثم ظن أنه أصبح أقوى من الجميع.

أما ياسمين…

فقدمت ما لديها من رسائل وتحويلات وصور، وأكدت أنها لم تكن تعرف تفاصيل المخالفات المالية، بينما تحملت مسؤوليتها عن تصرفاتها الشخصية وما ارتبط بها من وقائع.

أما أنا…

فلم أطلب الانتقام.

طلبت الحقيقة فقط.

—

وفي آخر جلسة…

وقف القاضي يقرأ الحكم.

كانت القاعة مليئة بالصحفيين.

ورجال الأعمال.

والموظفين الذين عملوا معنا سنوات.

لم أنظر إلى كريم.

ولم أحاول أن أقرأ ملامحه.

اكتفيت بالنظر إلى صورة أمي الصغيرة داخل حقيبتي.

انتهى القاضي من تلاوة الحكم.

وانتهت معه…

سنوات من الخداع.

خرج الجميع من القاعة.

كل واحد يحمل رأيًا.

أما أنا…

فكنت أحمل راحة لم أشعر بها منذ زمن.

—

بعد أسابيع…

دعاني مجلس الإدارة لاجتماع.

قال رئيس المجلس:

“الشركة محتاجة بداية جديدة.”

ثم دفع أمامي ملفًا.

“إحنا عايزين حضرتك تتولي رئاسة المجلس.”

ابتسمت.

وأغلقت الملف.

قلت بهدوء:

“أنا هرجع.”

“لكن مش علشان أثبت حاجة لحد.”

“هرجع علشان أحافظ على تعب الناس اللي اشتغلت هنا بضمير.”

وافق الجميع.

ومن يومها…

بدأت صفحة جديدة.

أول قرار أصدرته…

كان إنشاء لجنة رقابة مستقلة.

وثاني قرار…

أن أي تحويل مالي أو تعاقد كبير يمر بأكثر من مراجعة.

وقلت في أول اجتماع:

“الثقة مهمة.”

“لكن الرقابة أهم.”

—

أما الفيلا…

رجعت كما كانت.

دخلت غرفة أمي.

رجعت عقد الياقوت إلى مكانه.

ولم ألمسه.

وقفت أمام صورتها.

وقلت بابتسامة هادئة:

“حقك رجع.”

ثم فتحت شبابيك الغرفة.

دخل هواء البحر.

لأول مرة…

لم يحمل معه وجعًا.

بل بداية.

—

بعد عام…

افتتحنا مركزًا لدعم رائدات الأعمال الشابات.

خصصنا جزءًا من أرباح الشركة لتمويل المشروعات الصغيرة.

وفي حفل الافتتاح…

وقفت فتاة صغيرة وسألتني:

“إيه أهم درس اتعلمتيه؟”

ابتسمت.

ونظرت إلى الحضور.

ثم قلت:

“الناس بتفتكر إن القوة إنك ترد بسرعة.”

“لكن الحقيقة…”

“إن القوة إنك تعرف إمتى تسكت.”

“وإمتى تتكلم.”

“ولما تتكلم…”

“يبقى معاك دليل.”

ساد الصمت.

ثم بدأ التصفيق.

—

وأنا خارجة…

وقفت لحظة أمام باب الشركة.

بصيت إلى السماء.

وتذكرت أول ليلة…

لما شفت الفيديو من داخل فيلتي.

وقتها…

افتكرت إن حياتي انتهت.

لكن الحقيقة…

إنها كانت مجرد بداية.

بداية امرأة…

لم تنتصر لأنها كانت الأقوى.

بل لأنها رفضت أن تبيع كرامتها…

مهما كان الثمن.
بعد النهاية… عامان لاحقًا

مرت سنتان.

لم يعد اسم الشركة يرتبط بفضيحة…

بل بالنجاح.

ارتفعت الأرباح.

وعادت ثقة المستثمرين.

أما أنا…

فلم أعد أقضي معظم وقتي داخل المكتب.

كنت أزور المشروعات الجديدة.

وأجلس مع الموظفين.

وأستمع أكثر مما أتكلم.

تعلمت أن الإدارة…

ليست إصدار أوامر.

بل تحمل مسؤولية.

—

وفي صباح هادئ…

وصلني ظرف أبيض.

لا يحمل اسم المرسل.

فتحته.

وجدت بداخله مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.

ومعه ورقة صغيرة.

مكتوب فيها:

“الآن…

أصبح المفتاح عند صاحبته.”

ابتسمت.

عرفت المفتاح فورًا.

كان مفتاح الجناح الشرقي في الفيلا.

المفتاح الذي كان سببًا في بداية كل شيء.

أمسكته للحظات…

ثم سلمته إلى مدير الفيلا.

وقلت:

“غير الأقفال كلها.”

نظر إليّ باستغراب.

فسأل:

“وده القديم؟”

ابتسمت.

“خليه في المتحف الصغير اللي هنفتحه هنا.”

ضحك.

“متحف؟”

قلت:

“أيوه.”

“علشان كل واحد يدخل الفيلا يعرف…”

“إن البيوت بتحميها الأمانة…

مش المفاتيح.”

—

وفي مساء اليوم نفسه…

وقفت أمام البحر.

نفس البحر…

الذي شهد أصعب أيام حياتي.

لكن إحساسي كان مختلفًا.

رن هاتفي.

كانت مايا.

قالت وهي تضحك:

“نسيتِ.”

سألتها:

“نسيت إيه؟”

قالت:

“النهارده الذكرى الثانية لأول اجتماع بعد الأزمة.”

ابتسمت.

وقلت:

“فاكرة.”

“بس بقيت أحب أفتكر البداية…

مش النهاية.”

—

أغلقت الهاتف.

وبينما كنت أستعد للرحيل…

اقتربت مني سيدة في الخمسين من عمرها.

قالت بخجل:

“حضرتك ندى؟”

ابتسمت.

“أيوه.”

قالت:

“أنا واحدة من الموظفات القدامى.”

“كنت هسيب الشركة وقت الأزمة.”

“بس حضرتك خليتينا نصدق إن العدل ممكن يرجع.”

مدت يدها.

وفيها صورة قديمة.

صورة جماعية لكل موظفي الشركة.

قالت:

“احتفظي بيها.”

“دي أهم من أي جائزة.”

أخذت الصورة.

نظرت إلى الوجوه.

وجوه أشخاص تعبوا…

وصبروا…

ورفضوا الاستسلام.

أدركت في تلك اللحظة…

أن أعظم انتصار لم يكن خسارة كريم.

ولا استرداد الفيلا.

ولا حتى الفوز في القضايا.

أعظم انتصار…

أنني لم أسمح للخيانة…

أن تحولني إلى نسخة أخرى ممن ظلمني.

ولهذا…

كلما سألني أحد بعد سنوات:

“إيه أكتر حاجة كسبتيها؟”

كنت أبتسم…

وأجيب بجملة واحدة:

“نفسي.”

النهاية الحقيقية.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *