المقعد الاخير حكـايـات أسمـا السـيد ×1
الفصل الأول: قائد الطائرة
قائد الطائرة وقف عند صفنا مباشرة.
كان راجل في أواخر الأربعينات، طويل، ملامحه هادية، لكن نظرته حادة بشكل خلّى الست اللي جنبي تسكت فورًا.
المضيفة مدت له بطاقة صعودي.
قرا الاسم المكتوب عليها، وبعدين رفع عينه وبصلي.
قال:
— حضرتك ندى حسن المنشاوي؟
هزيت راسي بتوتر.
— أيوه.
سألني:
— والدك الدكتور حسن المنشاوي؟
قلبي اتقبض.
— أيوه… حضرتك تعرفه؟
فضل ساكت ثواني.
وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة.
— والدك أنقذ حياتي من سبعتاشر سنة.
الركاب بدأوا يهمسوا.
أما أنا فبصيت له بعدم تصديق.
كمل:
— كنت وقتها مساعد طيار، وعملت حادثة عربية خطيرة. اتنقلت لمستشفى صغيرة، وكل الدكاترة قالوا إن فرصتي ضعيفة. لكن والدك أصر يدخلني العمليات، وفضل واقف ست ساعات كاملة لحد ما حالتي استقرت.
عيني دمعت من غير ما أحس.
بابا عمره ما حكالي الحكاية دي.
قائد الطائرة بص للست اللي جنبي.
— حضرتك طلبتي إن الآنسة ندى تتنقل؟
ردت بسرعة:
— طبعًا. أنا دفعت تمن تذكرتي، ومن حقي أقعد مرتاحة. هي…
قاطعها بهدوء:
— الآنسة ندى قاعدة في مقعدها الصحيح، وحجزها مستوفي كل الشروط.
قالت بعصبية:
— لكن حضرتك شايف حجمها!
صوت قائد الطائرة بقى أكثر حزمًا.
— وأنا شايف كمان أسلوب حضرتك.
المكان كله سكت.
قال:
— قواعد الطيران بتسمح لنا بإنزال أي راكب يهين أو يهدد راحة راكب آخر، أو يسبب فوضى قبل الإقلاع.
ملامح الست اتبدلت.
— أنا ما هددتش حد.
راجل قاعد في الصف اللي ورانا قال:
— إحنا كلنا سمعنا اللي حضرتك قلتيه.
وست كبيرة قدامنا لفتت وقالت:
— البنت ما غلطتش فيكي ولا ضايقتك. إنتِ اللي أحرجتيها قدام الناس.
الست بصت حواليها، كأنها اتفاجئت إن محدش واقف في صفها.
قائد الطائرة قال:
— قدام حضرتك اختيارين. تقعدي في مكانك وتحترمي كل الركاب، أو تنزلي من الطائرة قبل ما نقفل الأبواب.
ضغطت شفايفها بعصبية.
وبعدين قعدت وهي بتشد شنطتها ناحيتها.
كنت فاكرة إن الموقف خلص.
لكن قائد الطائرة ما اتحركش.
بصلي وقال:
— المضيفة قالت إن والدك في المستشفى.
حاولت أتكلم، لكن صوتي طلع مكسور.
— جاله جلطة… وحالته خطيرة.
هز راسه.
— هنحاول نوصل في أسرع وقت ممكن، وهطلب أولوية الهبوط. وكمان هيتوفر لكِ موظف يساعدك تخرجي من المطار بسرعة.
قلت وأنا بمسح دموعي:
— شكرًا.
رد:
— أنا اللي أشكر والدك. الدين اللي في رقبتي له عمره ما اترد.
لف علشان يرجع لقمرة القيادة، لكنه وقف لحظة.
وبص للست اللي جنبي وقال:
— وبالمناسبة… قيمة الإنسان مش بتتقاس بحجم جسمه، لكن بحجم أخلاقه.
الممر كله غرق في الصمت.
وقبل ما يرجع لقمرة القيادة، بصلي مرة أخيرة وقال:
— والدك أنقذ حياتي قبل سنين. النهارده، دوري أساعدك تلحقيه.
رجع لمكانه.
الست اللي جنبي فضلت باصة قدامها.
أما أنا…
فغمضت عيني، وبدأت أدعي إن بابا يفضل مستنيني.
لكن بعد حوالي عشرين دقيقة من الإقلاع…
سمعت الست اللي جنبي تاخد نفسها بصعوبة.
بصيت لها.
وشها كان شاحب.
إيدها فوق صدرها.
وقالت بصوت مخنوق:
— مش… قادرة أتنفس.
المضيفة جريت ناحيتنا.
والست مدت إيدها ناحيتي، كأنها بتطلب النجدة من نفس الإنسانة اللي أهانتها من شوية.
ماكنتش تعرف…
إني ممرضة عناية مركزة.
وإن حياتها، في اللحظة دي، بقت بين إيديا.
الفصل الثاني: بين الحياة والندم
المضيفة وصلت بسرعة وهي بتقول:
— يا فندم… حضرتك سامعاني؟
الست كانت بتحاول تتكلم، لكن نفسها كان متقطع، وإيديها بترتعش.
بصيت في عينيها.
الخوف اللي كان ماليها، كان مختلف تمامًا عن الغرور اللي شوفته فيها من شوية.
من غير ما أفكر، فكيت حزام الأمان وقربت منها.
قلت للمضيفة:
— هاتي أسطوانة الأكسجين بسرعة… واسألي لو فيه دكتور على الطيارة.
المضيفة استغربت.
— حضرتك دكتورة؟
هزيت راسي.
— لأ… ممرضة عناية مركزة.
خلال ثواني، اتجمع كذا راكب.
واحد منهم قال:
— أنا طبيب قلب.
بدأنا نفحصها مع بعض.
الدكتور قاس نبضها وقال:
— الضغط عالي جدًا… شكلها داخلة في نوبة هلع بسبب ارتفاع الضغط.
ركبنا لها الأكسجين.
وأنا مسكت إيدها بهدوء.
قلت:
— بصيلي… خدي نفس ببطء… وأنا معاكي.
بصتلي بعين مليانة دموع.
همست:
— أنا… آسفة…
قلت:
— دلوقتي أهم حاجة تهدي.
فضلت أعد معاها وهي بتنظم نفسها.
بعد دقائق…
لون وشها بدأ يرجع طبيعي.
الركاب كلهم كانوا بيتابعوا في صمت.
واحدة من السيدات قالت بصوت منخفض:
— سبحان الله… دي لسه كانت بتهينها.
وراجل كبير رد:
— الأخلاق بتبان وقت الشدة.
الست بدأت تبكي.
قالت وهي بتبصلي:
— أنا عمري ما توقعت إنك تساعديني بعد اللي عملته.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
— لو كنت سبتك تتعبي، كنت هبقى شبهك… وأنا مش عايزة أبقى كده.
نزلت راسها في الأرض.
ولأول مرة…
بان عليها الندم الحقيقي.
بعد دقائق، خرج قائد الطائرة من قمرة القيادة مرة تانية.
سأل الطبيب:
— الحالة مستقرة؟
رد الدكتور:
— الحمد لله… لكن لازم أول ما نهبط تتنقل للمستشفى للاطمئنان.
قائد الطائرة شكرني قدام الركاب.
وقال بصوت واضح:
— اللي حصل النهارده درس لينا كلنا… الإنسان مش بيتقاس بشكله، ولا بوزنه، ولا بلبسه… بيتقاس بموقفه وقت الشدة.
الممر كله امتلأ بالتصفيق.
احمر وشي من الإحراج.
كنت أتمنى الأرض تبلعني.
لكن لأول مرة في حياتي…
ماكنتش حاسة بالخجل من نفسي.
بعد ساعة تقريبًا…
أعلنت المضيفة:
— هنبدأ الهبوط خلال عشر دقائق.
قلبي رجع يدق بعنف.
بابا…
يا ترى لسه مستنيني؟
أول ما الطيارة لمست الأرض، قائد الطائرة طلب من الركاب يفضلوا قاعدين علشان يسمحوا لي بالنزول أولًا.
لكن قبل ما أقوم…
الست اللي كانت أهانتني مدت إيدها وهي بتبكي.
وقالت:
— ممكن… تسامحيني؟
بصيت لها للحظات.
ثم قلت بهدوء:
— التسامح سهل… لكن جرح الكلمة بيفضل وقت طويل.
هزت رأسها وهي تبكي.
وأنا نزلت من الطائرة بسرعة.
كنت فاكرة إن أصعب لحظات اليوم انتهت…
لكن أول ما شغلت موبايلي…
وصلتني رسالة من أختي.
رسالة قصيرة جدًا.
ثلاث كلمات فقط.
“الحقي… شريف اختفى.”
تجمدت في مكاني.
لأن شريف…
كان ابن عمي.
وكان آخر شخص كان مع بابا قبل ما تجيله الجلطة.
الفصل الثالث: الرسالة التي قلبت كل شيء
وقفت في صالة الوصول، وأنا ببص للموبايل مش مصدقة.
الرسالة كانت قصيرة:
“الحقي… شريف اختفى.”
اتصلت بأختي فورًا.
ردت وهي بتبكي.
— ندى… فين إنتِ؟
— لسه نازلة من الطيارة… إيه اللي حصل؟
قالت بصوت متقطع:
— شريف كان مع بابا قبل ما يدخل العمليات… وبعدها اختفى، ومحدش عارف راح فين.
— والملف الطبي؟
— اختفى هو كمان.
حسيت إن في حاجة مش طبيعية.
قلت بسرعة:
— أنا جاية حالًا.
خرجت من المطار، ولقيت عربية إسعاف خاصة مستنياني.
اتفاجئت.
السواق قال:
— الكابتن بلغ إدارة المطار بحالة والد حضرتك، وطلب يوفروا وسيلة توصلك أسرع.
ركبت وأنا بدعي ربنا.
بعد أقل من عشرين دقيقة وصلت المستشفى.
جريت ناحية قسم العناية المركزة.
أول ما دخلت، شفت أختي سارة حضنتني وهي بتعيط.
— الحمد لله إنك وصلتي.
— بابا عامل إيه؟
— العملية نجحت… لكن لسه في العناية، وممنوع حد يشوفه.
تنفست الصعداء لأول مرة.
لكن الدكتور خرج في نفس اللحظة.
قال:
— مين بنت الدكتور حسن؟
رفعت إيدي.
— أنا.
ناولني ظرفًا أبيض.
— والدك كان مسلمنا الظرف ده من أسبوع.
— وقال لو حصل له أي حاجة… نسلمه لبناته بس.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
كان فيه خطاب بخط بابا.
“ندى… وسارة…
لو بتقروا الرسالة دي، يبقى حصل اللي كنت خايف منه.
أنا اكتشفت إن في حد بيحاول يسرق المصنع.
وللأسف…
اللي بيعمل كده حد من العيلة.
احتفظت بكل الأدلة في المكان اللي محدش يعرفه غير إنتِ يا ندى.
المكتبة القديمة…
خلف الرف الثالث…
هتلاقي صندوق خشب صغير.
جواه كل الحقيقة.
ومتثقيش في أي حد…
حتى لو كان قريب.”
بصيت لسارة.
هي كمان كانت مرعوبة.
قالت:
— يعني شريف؟
قبل ما أرد…
دخل ظابط شرطة المستشفى.
وقال:
— لو سمحتوا… محتاجين نتكلم معاكم.
في بلاغ اتقدم من نص ساعة.
بأن والدكم…
ممكن يكون ما أصيبش بالجلطة بشكل طبيعي.
وإن في شبهة…
محاولة قتل.
وقع الكلام علينا كالصاعقة.
سارة شهقت.
أما أنا…
فافتكرت آخر كلمة قالها بابا قبل ما أسافر بأسبوع.
“خلي بالك من شريف…”
وقتها افتكرت إنه بيبالغ.
لكن دلوقتي…
بدأت أفهم إنه كان شايف الخطر قبل الكل.
وفي نفس اللحظة…
رن موبايل سارة.
رقم مجهول.
ردت وهي متوترة.
لكن ملامحها اتغيرت فجأة.
بصتلي وقالت بصوت مرتعش:
— ندى…
المتصل…
شريف.
الفصل الرابع: المكالمة الأخيرة
سارة كانت ماسكة الموبايل بإيد بترتعش.
شغلت السماعة الخارجية.
وجالنا صوت شريف…
هادئ بشكل مخيف.
قال:
— الحمد لله إنكم وصلتوا.
صرخت فيه:
— إنت فين؟
ضحك ضحكة قصيرة.
— المكان ده مش مهم.
— إنت عملت إيه في بابا؟
سكت ثواني.
وبعدين قال:
— أنا ما أذيتوش.
قلت بغضب:
— كفاية كذب! اختفيت بعد ما خدِت الملف الطبي، وكل الناس بتدور عليك.
رد بهدوء:
— لو كنت عايز أهرب… كنت سافرت بره البلد.
— أمال مستخبي ليه؟
— علشان في ناس عايزة تلبسني كل حاجة.
بصيت للضابط، كان بيسجل المكالمة.
قلت:
— لو إنت بريء، تعالى المستشفى.
تنهد.
— مقدرش.
— ليه؟
— لأن أول ما أوصل… هموت.
سكتنا كلنا.
قال بصوت منخفض:
— اللي عمل اللي حصل لعمي… مش شخص واحد.
جسمي كله اتجمد.
— يعني إيه؟
— يعني في حد أكبر مني.
— مين؟
قبل ما يرد…
سمعنا صوت خبطة قوية.
وبعدين صوت حد بيزعق:
— هات الموبايل!
اتقطع الخط.
فضلنا نبص لبعض في ذهول.
الضابط قال بسرعة:
— لازم نحدد مكان المكالمة.
خرج يجري وهو بيكلم غرفة العمليات.
أما أنا…
فافتكرت الرسالة اللي كتبها بابا.
“المكتبة القديمة…”
قلت لسارة:
— لازم نروح البيت.
قالت بخوف:
— دلوقتي؟
— أيوه… قبل ما أي حد يوصل للصندوق.
استأذنا من الدكتور.
ووعدناه إن أول ما بابا يفوق هنرجع.
ركبنا العربية.
طول الطريق كنت ساكتة.
حاسسة إن الحقيقة أكبر بكتير من مجرد خلاف على مصنع.
وصلنا البيت.
كان هادي بشكل غريب.
فتحت الباب بمفتاحي.
كل حاجة كانت مكانها.
كأن الزمن وقف.
دخلت مكتب بابا.
وقفت قدام المكتبة الكبيرة.
عديت الرفوف.
الأول…
التاني…
التالت.
حركته بهدوء.
وفجأة…
سمعنا صوت “تك”.
الرف اتحرك للخلف سنتيمترات.
ورا الرف…
كان فيه تجويف صغير.
وفي وسطه…
صندوق خشبي قديم.
مديت إيدي وطلعته.
كان عليه اسم بابا محفور بخط إيده.
فتحت القفل.
لقيت ملفات…
وفلاشة…
ودفتر ملاحظات صغير.
لكن قبل ما ألمس أي حاجة…
سمعنا صوت الباب الرئيسي بيتفتح.
حد دخل البيت.
وخطواته كانت بتقرب من المكتب ببطء…
شديت نفسي، وبصيت لسارة.
همست:
— حد هنا…
والخطوات وقفت…
بالضبط…
قدام باب المكتب.
الفصل الخامس: الرجل خلف الباب
تجمدت مكاني.
أنا وسارة بصينا لبعض من غير ما ننطق.
الخطوات وقفت قدام باب المكتب.
وبعدين…
“تك… تك…”
حد خبط على الباب بهدوء.
قلبي كان بيدق بعنف.
سارة همست:
— نعمل إيه؟
قبل ما أرد…
الباب اتفتح ببطء.
دخل راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادي، وشعره أبيض.
أول ما شافنا، رفع إيديه وقال بسرعة:
— متخافوش… أنا مش جاي أؤذيكم.
بصيت له بحذر.
— حضرتك مين؟
قال:
— اسمي محمود السيوفي… المحامي الشخصي لوالدكم.
اتصدمت.
أنا أعرف المحامي اللي بيتعامل مع بابا، لكنه ماكانش هو.
كأنه قرأ أفكاري، طلع بطاقة تعريف من جيبه.
— والدكم استعان بيا من ست شهور في سرية تامة، بعد ما شك إن في حد بيتلاعب في أوراق المصنع.
ناولني ظرفًا مختومًا.
— قال لي لو حصل له أي مكروه، أو لو اختفى شريف… أسلمكم الظرف ده.
فتحت الظرف بسرعة.
كان جواه ورقة بخط بابا.
«”لو وصلتوا للرسالة دي، يبقى الصندوق اتفتح. لكن أهم دليل مش موجود هنا. الفلاشة مجرد نسخة احتياطية. أما الأصل… فموجود في خزنة البنك.”»
رفعت عيني للمحامي.
— مفتاح الخزنة فين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— معاكم.
أنا وسارة بصينا لبعض باستغراب.
قال:
— افتحوا الدفتر الصغير.
فتحت الدفتر.
بين صفحاته كان فيه مفتاح ذهبي صغير ملزوق بشريط لاصق، وعليه رقم:
317
في اللحظة دي…
رن جرس الباب.
كلنا سكتنا.
المحامي قرب من الشباك وبص بره.
وشه شحب.
همس:
— الشرطة.
تنفست براحة.
لكن بعدها بثانية قال:
— ومعاهم…
شريف.
جريت للشباك.
شريف كان نازل من عربية الشرطة، إيده متكتفة، ووشه كله كدمات.
أول ما رفع رأسه وشافني…
صرخ بأعلى صوته:
— ندى… متفتحيش الخزنة!
اتجمدت في مكاني.
قبل ما أكلمه…
ضابط شدّه بعنف ناحية العربية.
لكن شريف فضل يزعق:
— اللي جوا الخزنة… هيقتلكم كلكم!
وسكت فجأة…
لأن رصاصة مجهولة انطلقت من مكان بعيد.
واستقرت…
في كتف شريف.
الفصل السادس: سر الخزنة
دوّى صوت الرصاصة في الشارع.
صرخت سارة، وانحنى رجال الشرطة فورًا وهم يبحثون عن مصدر إطلاق النار.
أما شريف…
فسقط على الأرض وهو يمسك كتفه، والدم ينزف بين أصابعه.
الضابط صاح:
— إسعاف… بسرعة!
لكن قبل أن يفقد شريف وعيه، أشار إليّ بيده المرتعشة.
اقتربت منه رغم اعتراض الضابط.
همس بصعوبة:
— أنا… غلطت… لكن… مش أنا اللي حاولت أقتل عمي…
قلت بسرعة:
— مين؟ مين اللي عمل كده؟
نظر حوله بخوف، ثم قال كلمة واحدة:
— سامر…
وتوقفت أنفاسه للحظات قبل أن يغيب عن الوعي.
—
بعد ساعة…
كان شريف في غرفة العمليات، والرصاصة استقرت في كتفه ولم تصب أي عضو حيوي.
أما أنا، فظل اسم “سامر” يتردد في رأسي.
التفتُّ إلى المحامي محمود.
— مين سامر؟
ظهر الارتباك على وجهه.
قال بصوت خافت:
— سامر عزت…
المدير المالي للمصنع.
شهقت سارة.
— مستحيل… بابا كان بيثق فيه جدًا.
أجاب المحامي:
— والثقة دي هي اللي خلت محدش يشك فيه.
—
في صباح اليوم التالي…
ذهبنا أنا والمحامي إلى البنك.
قدمنا المفتاح رقم 317، وبعد مراجعة الأوراق، أحضر الموظف صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتحناه…
فوجدنا بداخله:
– فلاشة سوداء.
– دفتر حسابات.
– ظرف مختوم.
فتحت الظرف أولًا.
كان بخط والدي:
«”إذا وصلتم إلى هنا، فاعلموا أن سامر ليس مجرد موظف… بل شريك لشريف في سرقة أموال المصنع. لكني اكتشفت أن سامر كان يسرق شريف أيضًا. لهذا أخشى أن يتحول الطمع بينهم إلى جري\مة.”»
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أدخلنا الفلاشة في حاسوب البنك.
ظهر ملف واحد فقط.
عنوانه:
“الحقيقة كاملة”.
ضغطت عليه.
ظهر تسجيل من كاميرا مكتب أبي.
كان أبي يجلس أمام سامر.
قال له بهدوء:
— الحسابات دي فيها اختلاس بأكتر من خمسين مليون جنيه.
ارتبك سامر.
— حضرتك فاهم غلط.
رد أبي وهو يدفع نحوه كشف الحساب:
— لا… أنا فاهم كويس.
ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء:
— بلغت هيئة الرقابة… وبعد يومين هيكون عندهم كل المستندات.
تغير وجه سامر تمامًا.
وقف فجأة وقال:
— لو عملت كده… هتضيع الكل.
أجاب أبي بثبات:
— اللي سرق يتحاسب.
انتهى التسجيل عند هذه اللحظة.
ساد الصمت.
قال المحامي:
— دلوقتي فهمنا.
سألت:
— فهمنا إيه؟
قال:
— لو سامر عرف إن والدك بلغ الرقابة… يبقى كان عنده دافع أقوى من أي حد علشان يسكته.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف المحامي.
رد، ثم تغير لون وجهه.
سألته بقلق:
— في إيه؟
أغلق الهاتف ببطء وقال:
— سامر…
اختفى من بيته…
ومن مكتبه…
ومنذ ساعة…
لا أحد يعرف له أي أثر.
يتبع