بعد الطلاق حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثالث
أغلق الرجل الهاتف…
واختفى بين السيارات.
لم تلاحظ نورا شيئًا.
خرجت من العيادة وهي تحمل صور الأشعة في حقيبتها، بينما كان عم فؤاد ينتظرها أمام الباب.
ابتسم عندما رآها.
— طمني… الدكتور قال إيه؟
ابتسمت لأول مرة منذ أيام.
— الحمد لله… كل حاجة بخير.
تنفس الرجل الصعداء.
— ربنا يتمملك على خير يا بنتي.
ركبت السيارة…
لكنها لم تكن تعلم أن سيارة أخرى بدأت تسير خلفهما بهدوء.
في الجهة الأخرى…
لم ينم مالك طوال الليل.
ظل يعيد قراءة رسالة نورا عشرات المرات.
كل كلمة كانت تؤلمه أكثر من التي قبلها.
مع شروق الشمس…
اتخذ قرارًا.
لن يبحث عنها بنفس الطريقة القديمة.
ولن يفرض نفسه عليها.
لكن سيعرف الحقيقة كاملة.
بدأ أولًا بالمستشفى الذي كانت تتابع فيه حملها قبل الطلاق.
استقبله موظف الاستقبال.
قال مالك بقلق:
— لو سمحت… كنت عايز أعرف الدكتورة اللي كانت بتتابع حالة مراتي السابقة.
رد الموظف:
— حضرتك تقصد الدكتورة سارة؟
أومأ برأسه.
لكن الموظف قال باعتذار:
— الدكتورة سابت المستشفى من سبع شهور.
خرج مالك وهو يشعر أن كل باب يذهب إليه يُغلق في وجهه.
في مساء اليوم نفسه…
كانت نورا ترتب بعض ملابس الطفل الصغيرة.
وقفت فجأة…
وأخرجت من درج قديم علبة خشبية.
فتحتها بحذر.
داخلها كانت توجد صور زفافها.
وخاتم الزواج.
ورسالة قديمة كتبها لها مالك في أول سنة من زواجهما.
“مهما حصل… أوعدك إني عمري ما هسيب إيدك.”
ابتسمت بمرارة.
وأغلقت العلبة بسرعة.
همست لنفسها:
— الوعد كان جميل…
بس اللي كسره صاحبه.
في نفس اللحظة…
رن هاتف عم فؤاد.
نظر إلى الرقم…
فتغيرت ملامحه.
خرج إلى الشرفة ورد بصوت منخفض.
— أيوه.
جاءه صوت رجل غاضب:
— هو عرف مكانها؟
— لا.
— متخليش يعرف.
سكت عم فؤاد.
ثم قال بحزم:
— أنا مش هأذي بنت اتعلقت بيا زي بنتي.
رد الرجل بحدة:
— أنت ناسي الاتفاق؟
أغلق عم فؤاد الهاتف دون أن يجيب.
وبقي واقفًا ينظر إلى السماء.
وكأن شيئًا قديمًا عاد يطارده.
في اليوم التالي…
كان مالك يجلس في مكتبه…
عندما دخل عليه صديقه عمر.
وضع أمامه ملفًا قديمًا.
وقال:
— كنت بدور على ورق خاص بالشركة…
ولقيت الملف ده في درجك.
فتح مالك الملف.
فتجمد مكانه.
كان ملف الحمل.
تقارير نورا الطبية.
وصورة أول أشعة للجنين.
وفي آخر التقرير…
ملاحظة كتبها الطبيب بخط يده:
“الزوج لم يحضر أي زيارة متابعة حتى الآن.”
أغلق مالك الملف ببطء.
وشعر بثقل الكلمات يخنقه.
لم يكن أحد قد منعه من الحضور…
هو فقط…
لم يذهب.
وفي مساء ذلك اليوم…
كانت نورا عائدة إلى المنزل سيرًا على الأقدام.
فجأة…
توقفت سيارة سوداء بجوارها.
انخفض زجاج النافذة.
وخرج صوت رجل يقول:
— آنسة نورا…
ممكن دقيقة؟
نظرت إليه بحذر.
لم تعرفه.
قال بابتسامة باردة:
— متقلقيش…
إحنا عندنا كلام يخص مالك…
ويخص الطفل اللي في بطنك.
تراجعت خطوة إلى الخلف.
وشعرت أن قلبها بدأ يخفق بقوة.
أما الرجل…
فأخرج ظرفًا أبيض من السيارة.
وقال بهدوء:
— قبل ما ترفضي…
شوفي الصور دي الأول.
مد يده بالظرف…
بينما كانت نورا تشعر…
أن سرًا أكبر بكثير من الطلاق…
على وشك أن ينقلب في حياتها من جديد.
الفصل الرابع
ترددت نورا للحظات…
ثم أخذت الظرف.
كانت أصابعها ترتجف.
فتحته ببطء…
لتتسع عيناها فجأة.
في الداخل…
عدة صور.
إحداها لمالك وهو يجلس في مطعم فاخر مع امرأة شابة.
وصورة أخرى…
للمرأة نفسها وهي تخرج من شركته.
ثم صورة ثالثة…
وهي تضع يدها على كتفه وتضحك.
رفع الرجل صوته بهدوء:
— الصور دي اتصورت قبل طلاقكم بشهرين.
لم ترد نورا.
واصل الرجل كلامه:
— تعرفي مين دي؟
هزت رأسها بالنفي.
قال:
— اسمها داليا… وكانت سكرتيرته الخاصة.
قبضت نورا على الظرف بقوة.
لكنها قالت بثبات:
— لو جاي تجرحني… فأنت متأخر.
كل ده انتهى.
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة.
— لأ…
لسه ما ابتداش.
ثم أخرج ورقة أخرى.
كانت كشف تحويلات بنكية.
وتحت اسم المستفيد…
ظهر اسم “داليا”.
ومبالغ كبيرة.
قال الرجل:
— الفلوس دي خرجت من حساب الشركة قبل الطلاق بأيام.
وبعدها مباشرة…
مالك أعلن إن الشركة خسرانة.
وعلشان كده رفض يديكي أي حقوق مالية.
اتجمدت نورا.
لم تكن تعرف شيئًا عن هذه التحويلات.
رفعت رأسها وسألته:
— إنت مين؟
ابتسم.
— اسمي شريف.
محقق مالي.
وأشتغل مع جهة بتراجع قضايا غسل الأموال.
في البداية افتكرنا إن الموضوع مجرد اختلاس.
لكن بعد البحث…
اكتشفنا إن اسمك دخل في القضية.
شهقت نورا.
— أنا؟
— أيوه.
فيه حد استخدم بياناتك في عمليات مالية.
ولو متحلتش بسرعة…
ممكن تلاقي نفسك متهمة.
شعرت بدوار شديد.
جلست على أقرب مقعد.
وقالت بصوت مبحوح:
— أنا ماليش دعوة بأي حاجة.
أومأ شريف.
— عارف.
وعشان كده بدور على الحقيقة.
لكن لازم أعرف…
مالك كان يعرف ولا هو كمان ضحية؟
في نفس الوقت…
كان مالك في مكتبه…
يفتش في ملفات قديمة.
كلما قرأ ورقة…
ازداد قلقه.
حتى وصل إلى ملف التحويلات.
فتح الحسابات البنكية.
وتوقف فجأة.
هناك تحويلات بالفعل…
بملايين الجنيهات.
لكن توقيعه عليها…
لم يكن توقيعه الحقيقي.
همس لنفسه:
— مستحيل…
مين عمل كده؟
دخل عليه المدير المالي.
ولما شاف الأوراق…
تغير لون وجهه.
سأله مالك بسرعة:
— مين اللي اعتمد التحويلات دي؟
ارتبك الرجل.
— أنا… أنا كنت بنفذ تعليمات الأستاذ سامر.
قطب مالك حاجبيه.
— سامر؟
— أيوه…
مدير العمليات السابق.
اللي استقال قبل الطلاق بأسبوع.
اتسعت عينا مالك.
سامر…
كان أقرب شخص يثق فيه.
في تلك الليلة…
عاد مالك إلى منزله.
وقبل أن يفتح الباب…
وجد ظرفًا أسود موضوعًا أمامه.
التقطه بحذر.
فتح الظرف.
وجد بداخله فلاشة صغيرة.
ومكتوب عليها:
“لو عايز تعرف مين دمر حياتك… شغلها لوحدك.”
دخل المنزل بسرعة.
أغلق الأبواب.
ووصل الفلاشة بالحاسوب.
ظهر تسجيل من كاميرا مراقبة قديمة داخل الشركة.
تاريخ التسجيل…
قبل طلاقه بأيام.
ظهر سامر داخل المكتب.
ومعه…
داليا.
كانا يفتحان خزنة الملفات.
ثم بدأ سامر يقلد توقيع مالك على مجموعة من المستندات.
أما داليا…
فكانت تضحك وهي تقول:
— أول ما نورا تطلب الطلاق…
كل التهمة هتروح عليها.
رد سامر بثقة:
— ومالك مش هيلحق يفهم حاجة…
لأنه هيكون مشغول في خراب بيته.
تجمد مالك أمام الشاشة.
لم يصدق ما يراه.
ولأول مرة…
بدأ يشك أن ما حدث بينه وبين نورا…
لم يكن مجرد سوء تفاهم.
بل ربما…
كان جزءًا من مؤامرة أكبر.
الفصل الخامس
ظل مالك يحدق في شاشة الكمبيوتر…
غير قادر على استيعاب ما رآه.
أعاد المقطع مرة…
ثم مرتين…
ثم عشر مرات.
في كل مرة كان يتمنى أن يكون ما يشاهده خدعة.
لكن الحقيقة كانت واضحة.
سامر…
الرجل الذي اعتبره أخًا.
هو من زوّر توقيعه.
وداليا كانت معه.
أغلق الكمبيوتر بعنف.
وأمسك رأسه بين يديه.
ثم قال بصوت مخنوق:
— يعني… نورا كانت بريئة.
أنا ظلمتها.
في صباح اليوم التالي…
ذهب مالك مباشرة إلى قسم الشرطة.
طلب مقابلة ضابط مكافحة الجرائم الاقتصادية.
دخل الضابط إلى مكتبه.
نظر إلى مالك وقال:
— خير؟
وضع مالك الفلاشة على المكتب.
— عندي دليل على تزوير واختلاس.
فتح الضابط التسجيل.
وبدأت ملامحه تتغير.
قال بعد انتهاء الفيديو:
— التسجيل ده لو ثبتت صحته… هيقلب القضية كلها.
سأله مالك بسرعة:
— أقدر أعرف مكان سامر؟
رد الضابط:
— للأسف…
اختفى من البلد من سبع شهور.
لكن لو ظهر…
هيكون مطلوب رسميًا.
في الوقت نفسه…
كان شريف يجلس مع نورا في مقهى هادئ.
وضع أمامها ملفًا سميكًا.
وقال:
— بصي.
فتحت الملف.
وجدت عشرات المستندات.
تحويلات مالية.
عقود.
وتوكيلات.
ثم توقفت عند ورقة جعلتها تشهق.
كان عليها توقيعها.
لكنها لم توقعها يومًا.
قالت بصدمة:
— ده مش خطي.
أومأ شريف.
— عارف.
الورقة مزورة.
لكنها كانت كفاية إنها تدخلك في القضية لو حد بلغ.
سألته بقلق:
— وليه حد يعمل كده؟
أجاب بهدوء:
— لأن وجودك في الصورة كان هيغطي على الفاعل الحقيقي.
مرت أيام…
ومالك لم يتوقف عن البحث.
زار كل مكان يمكن أن يقوده إلى نورا.
لكنه لم يجدها.
وفي إحدى الليالي…
رن هاتفه من رقم مجهول.
رد بسرعة.
جاءه صوت رجل:
— لو عايز تشوف نورا…
تعالى لوحدك.
وأرسل له عنوانًا.
نظر مالك إلى الرسالة.
ثم انطلق بسيارته دون تردد.
وصل إلى مخزن قديم على أطراف المدينة.
كان المكان مهجورًا.
دخل بحذر.
وفجأة…
أضاءت الأنوار.
خرج شريف من الداخل.
نظر إليه مالك بغضب.
— إنت!
قال شريف بهدوء:
— متقلقش.
أنا اللي طلبت منك تيجي.
قطب مالك حاجبيه.
— ليه؟
أشار شريف إلى الكراسي.
— اقعد.
إحنا لازم نتكلم.
جلس مالك وهو لا يفهم.
فتح شريف جهازًا لوحيًا.
وعرض عليه صورًا.
قال:
— دي صور لمراقبة سامر قبل اختفائه.
بدأت الصور تتوالى.
سامر…
داليا…
ثم رجل ثالث.
توقف مالك فجأة.
اتسعت عيناه.
وقال بذهول:
— مستحيل…
شريف سأله:
— تعرفه؟
رد مالك بصوت مرتجف:
— ده…
ده عمي حسام.
شقيقي أبويا.
أكمل شريف:
— بالضبط.
الرجل ده كان بيمول سامر.
وكان بيخطط للاستيلاء على نسبة كبيرة من الشركة.
ولما عرف إن نورا هتورث جزءًا من الأسهم بعد الطلاق…
قرر يورطها.
شعر مالك وكأن الأرض تميد به.
لم يكن يتخيل أن الدم…
قد يكون وراء كل ما حدث.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف شريف.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغير وجهه فجأة.
رفع عينيه إلى مالك وقال:
— عندي خبر سيئ…
نورا اختفت.
منذ ساعة…
ولا أحد يعرف هي فين.
الفصل السادس
وقف مالك فجأة…
وانقلب الكرسي خلفه.
قال بلهفة:
— اختفت إزاي؟!
أغلق شريف الهاتف ببطء.
وقال:
— خرجت من عيادة المتابعة… كانت المفروض ترجع البيت.
لكنها ماوصلتش.
عم فؤاد هو اللي بلغ.
شحب وجه مالك.
— حد خطفها؟
هز شريف رأسه.
— لسه منعرفش.
لكن فيه حاجة غريبة.
سحب هاتفه.
وعرض تسجيلًا من كاميرا مراقبة أمام العيادة.
ظهرت نورا وهي تخرج بهدوء.
ثم توقفت بجوار سيارة بيضاء.
اقترب منها رجل.
تحدث معها أقل من دقيقة.
ثم…
ركبت السيارة بإرادتها.
قال مالك بسرعة:
— يعني محدش أجبرها.
رد شريف:
— ده اللي محيرني.
في الوقت نفسه…
كانت نورا تفتح عينيها ببطء.
وجدت نفسها داخل منزل قديم.
لكنها لم تكن مقيدة.
ولم يكن الباب مغلقًا.
سمعت صوتًا يأتي من الغرفة المجاورة.
— صحيت؟
دخل رجل مسن.
ملامحه تحمل وقارًا غريبًا.
قال بهدوء:
— متخافيش.
أنا مش هأذيكي.
نظرت إليه بحذر.
— أنا فين؟
جلس أمامها.
— في مكان آمن.
سألته بحدة:
— إنت مين؟
تنهد طويلًا.
ثم قال:
— اسمي عادل…
وكنت شريك والد مالك.
اتسعت عيناها.
— تعرف مالك؟
ابتسم بحزن.
— أعرفه وهو طفل.
وسكت سنوات طويلة…
لحد ما الغلط كبر.
في تلك الأثناء…
كان مالك وعم فؤاد يجلسان لأول مرة وجهًا لوجه.
ساد الصمت بينهما.
ثم قال عم فؤاد:
— قبل ما تلوم أي حد…
لوم نفسك الأول.
خفض مالك رأسه.
— أنا غلطت.
قال عم فؤاد:
— غلطت لما سيبت مراتك تواجه حملها لوحدها.
غلطت لما صدقت أي حاجة من غير ما تسمعها.
وغلطت لما افتكرت إن الفلوس أهم من البيت.
لم يعترض مالك.
كان يعرف أن كل كلمة صحيحة.
قال بصوت مكسور:
— أنا مستعد أصلح أي حاجة.
حتى لو دفعت عمري كله.
نظر إليه عم فؤاد طويلًا.
ثم قال:
— الإصلاح مش بالكلام.
الإصلاح إنك تنقذها.
في المنزل القديم…
أخرج عادل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
وضعه أمام نورا.
وقال:
— افتحي.
فتحت الصندوق.
وجدت بداخله ملفات…
وصورًا قديمة.
وفي الأسفل…
دفترًا صغيرًا.
فتحت أول صفحة.
فتجمدت.
كانت بخط يد والد مالك.
قرأته بصوت مرتجف:
“لو حصل لي أي مكروه… فاعرفوا أن أخويا حسام بيحاول يسرق الشركة بأي طريقة. ولو ابني مالك كبر من غير ما يعرف الحقيقة… هيضيع كل اللي بنيته.”
شهقت نورا.
ورفعت رأسها.
— يعني…
عمه كان بيخطط من زمان؟
أومأ عادل.
— من أكتر من عشر سنين.
وسامر وداليا…
كانوا مجرد أدوات.
في اللحظة نفسها…
وصلت رسالة إلى هاتف مالك.
رقم مجهول.
فتحها بسرعة.
كانت صورة لنورا.
جالسة على كرسي.
لكنها تبدو هادئة وغير مذعورة.
وتحت الصورة جملة واحدة:
“لو عايز تشوفها حية… تعالى وحدك. ولو بلغت الشرطة، هتخسرها للأبد.”
قبض مالك على الهاتف بقوة.
نظر إلى شريف.
ثم قال بحسم:
— مهما كان اللي مستنيني…
أنا رايح.
رد شريف بسرعة:
— لو رحت لوحدك، ممكن متطلعش.
ابتسم مالك ابتسامة حزينة.
وقال:
— ثمانية شهور وهي كانت بتحارب لوحدها…
جه دوري أحارب علشانها.
ثم خرج مسرعًا…
غير مدرك أن الشخص الذي أرسل الرسالة…
كان يراقبه من سيارة تقف على الجانب الآخر من الشارع…
ويبتسم، لأن المرحلة الأخيرة من خطته قد بدأت.
الفصل السابع
انطلق مالك بسيارته…
ولم يخبر أحدًا إلى أين يذهب.
كان الطريق طويلًا…
لكن داخله كان أطول.
كل دقيقة كان يتذكر فيها وجه نورا…
وهو يسأل نفسه سؤالًا واحدًا:
“لو كنت احتضنتها يوم قالت إنها أجهضت…
هل كنا وصلنا للي إحنا فيه؟”
في الوقت نفسه…
كان شريف لا يزال ينظر إلى موقع سيارة مالك عبر هاتفه.
زفر بضيق.
ثم أمسك هاتفه واتصل بالضابط.
قال بسرعة:
— متراقبوش.
سيبوه يفتكر إنه لوحده.
لكن أول ما يدخل المكان…
تدخلوا فورًا.
رد الضابط:
— تمام.
وصل مالك إلى العنوان.
كان مصنعًا قديمًا خارج المدينة.
البوابة الحديدية مفتوحة.
دخل بخطوات حذرة.
كل شيء كان صامتًا.
الغبار يملأ المكان.
وصوت الريح يمر بين النوافذ المكسورة.
وفجأة…
سمع صوتًا يعرفه جيدًا.
— كنت عارف إنك هتيجي.
استدار بسرعة.
كان عمه حسام.
يقف مبتسمًا.
يرتدي بدلة أنيقة…
وكأن ما يحدث مجرد اجتماع عمل.
نظر إليه مالك بذهول.
وقال:
— فين نورا؟
ضحك حسام.
— أول سؤال عن مراتك…
مش عن الشركة.
واضح إنك اتغيرت.
صرخ مالك:
— قول هي فين!
أشار حسام بيده.
فُتح باب جانبي.
خرجت نورا.
كانت بخير.
لم تكن مقيدة.
لكنها كانت تنظر إلى حسام بغضب شديد.
أسرع مالك نحوها.
— إنتِ كويسة؟
أومأت برأسها.
— أنا بخير.
بس متصدقوش أي كلمة هيقولها.
ابتسم حسام.
— للأسف…
الحقيقة أعقد من كده.
أخرج ملفًا سميكًا من حقيبته.
وألقاه أمام مالك.
— افتح.
فتح مالك الملف.
وجد داخله وصية والده.
لكنها مختلفة عن التي وجدتها نورا.
قرأها بسرعة.
ثم رفع رأسه.
— دي مزورة.
ابتسم حسام.
— أهو بدأت تفهم.
ألقى حسام ملفًا ثانيًا.
ثم ثالثًا.
كل واحد يحمل نسخة مختلفة.
وقال:
— عارف يعني إيه؟
يعني أي محكمة هتحتار.
وأي قضية هتطول سنين.
وأنا خلال السنين دي…
هكون خدت كل حاجة.
قال مالك بغضب:
— إنت دمرت عيلتك علشان فلوس؟
رد حسام ببرود:
— الفلوس مبتعرفش عيلة.
تقدمت نورا خطوة.
وقالت بثبات:
— إنت خسرت قبل ما تبدأ.
نظر إليها ساخرًا.
— وإيه اللي مخليكي واثقة؟
ابتسمت لأول مرة.
وقالت:
— لأنك كنت فاكر إني جاية لوحدي.
وفي اللحظة نفسها…
دوى صوت مكبرات الشرطة خارج المصنع.
— المكان محاصر بالكامل!
ارفعوا أيديكم!
تغير لون وجه حسام.
نظر إلى مالك.
ثم إلى نورا.
وصاح بغضب:
— مين بلغ؟
رد مالك بهدوء:
— أنا فعلًا جيت لوحدي…
لكن في ناس كانت بتحميني من بعيد.
انفتحت أبواب المصنع.
ودخل الضباط من كل الاتجاهات.
حاول حسام الهرب من الباب الخلفي.
لكن شريف كان يقف هناك.
قال وهو يضع القيود في يديه:
— الرحلة خلصت يا أستاذ حسام.
خفض حسام رأسه لأول مرة.
واقتيد إلى سيارة الشرطة.
بعد ساعات…
جلس مالك ونورا خارج المستشفى بعد أن اطمأن الطبيب على حملها.
ساد بينهما صمت طويل.
ثم قال مالك:
— أنا عارف إن الاعتذار مش هيصلح اللي فات.
ولا هيمحي وجعك.
لكن…
أنا مستعد أبدأ من الصفر.
حتى لو فضلت سنين أحاول أكسب ثقتك.
نظرت نورا إلى بطنها.
ثم إليه.
وقالت بهدوء:
— مشكلتنا عمرها ما كانت الخيانة.
كانت الغياب.
كنت موجود بجسمك…
وغايب بقلبك.
ولو رجعت لنفس الشخص…
يبقى مفيش بداية جديدة.
هز مالك رأسه.
وقال:
— وعد…
المرة دي هخلي أفعالي هي اللي تتكلم.
ابتسمت ابتسامة خفيفة…
لأول مرة منذ شهور.
لم تكن ابتسامة حب…
ولا ابتسامة تسامح.
كانت فقط…
ابتسامة أمل.
أما مستقبلهما…
فلم يكن قد حُسم بعد.
الفصل الأخير
مرت ثلاثة أشهر…
لم يحاول مالك أن يفرض نفسه على حياة نورا.
لم يقف تحت بيتها.
ولم يرسل عشرات الرسائل.
كان يكتفي كل أسبوع برسالة واحدة فقط.
“أنا موجود لو احتجتِ أي حاجة.”
وأحيانًا…
كانت لا ترد.
وأحيانًا…
كانت تكتفي بكلمة:
“شكرًا.”
وكان يعتبرها خطوة للأمام.
—
أما قضية حسام…
فكانت حديث الجميع.
مع كل جلسة…
كانت تظهر أدلة جديدة.
اعترف سامر بعد القبض عليه.
واعترفت داليا بكل شيء.
وكشفا أن حسام خطط منذ سنوات للاستيلاء على الشركة.
بدأ بتزوير المستندات.
ثم سرقة الأموال.
ثم إشعال الخلافات بين مالك ونورا حتى ينشغل كل واحد منهما عن الآخر.
بل واعترف سامر أنه هو من أوصل لمالك إشاعات كاذبة عن نورا.
وهو من أخفى عنه رسائل كانت ترسلها إليه أثناء سفره.
حتى رسالة حملها الأولى…
لم تصل إليه أبدًا.
كان حسام يريد بيتًا محطمًا…
لأن العائلة المتماسكة كانت العقبة الوحيدة أمام طمعه.
—
في يوم النطق بالحكم…
امتلأت المحكمة.
وقف حسام داخل القفص.
لكن هذه المرة…
لم يكن الرجل الواثق الذي اعتاد الجميع رؤيته.
صدر الحكم بالسجن المشدد…
ومصادرة كل الأموال التي حصل عليها بطرق غير مشروعة.
أغمض مالك عينيه.
لم يشعر بالشماتة.
شعر فقط أن حق والده عاد أخيرًا.
—
بعد انتهاء القضية…
عاد مالك لإدارة الشركة.
لكن أول قرار اتخذه…
كان مختلفًا.
باع السيارة الفاخرة.
وألغى المكتب الفخم.
وأنشأ صندوقًا لدعم موظفي الشركة الذين يمرون بأزمات صحية أو عائلية.
قال في أول اجتماع:
— الشركة اللي تنجح وتخسر أصحابها…
يبقى نجاحها ملوش قيمة.
—
أما نورا…
فكانت تستعد لاستقبال طفلها.
وفي ليلة ممطرة…
شعرت بآلام الولادة.
أسرع عم فؤاد بها إلى المستشفى.
وبعد دقائق…
وصل مالك.
لم يدخل غرفة الولادة.
وقف خارج الباب فقط.
يدعو…
ويبكي.
وبعد ساعات طويلة…
خرج الطبيب مبتسمًا.
وقال:
— ألف مبروك…
رزقتم بولد.
لم يشعر مالك بنفسه.
دموعه سبقت كلماته.
سأل الطبيب:
— هي كويسة؟
ابتسم الطبيب.
— هي والبيبي بخير.
—
دخل الغرفة بهدوء.
كانت نورا متعبة…
لكنها تبتسم وهي تحمل طفلها.
اقترب ببطء.
وقال:
— ممكن…
أشيله؟
نظرت إليه.
ثم نظرت إلى الطفل.
ووضعته بين ذراعيه.
لأول مرة…
حمل مالك ابنه.
كانت يداه ترتجفان.
نظر إلى وجهه الصغير.
وهمس:
— سامحني…
إني اتأخرت عليك.
دمعت عينا نورا.
وقالت:
— الأطفال مبيفهموش الكلام…
بيفهموا الأفعال.
رفع رأسه إليها.
وأجاب:
— وهقضي عمري كله أخلي أفعالي تقول اللي لساني معرفش يقوله.
—
مرت سنة كاملة.
لم يعودا زوجين.
لكنهما أصبحا أبوين حقيقيين.
كان مالك يزور ابنه باستمرار.
يحضر مواعيد الطبيب.
ويحتفل بكل خطوة جديدة.
ولم يحاول يومًا أن يضغط على نورا.
حتى جاء يوم عيد ميلاد الطفل الأول.
اجتمعت العائلة.
كان الطفل يضحك بينهما.
وفجأة…
مد يده الصغيرة.
وأمسك يد أمه…
ثم أمسك يد أبيه.
وضم اليدين معًا بعفوية.
ضحك الجميع.
أما نورا…
فنظرت إلى مالك.
وقالت بابتسامة هادئة:
— شكله مش عاجبه إننا بعيد.
ابتسم مالك.
لكنه لم يرد.
جلس في صمت.
فقالت هي:
— عارف…
أنا سامحتك من زمان.
بس كنت مستنية أشوف إنك اتغيرت فعلًا.
رفع عينيه إليها.
— وقدرت؟
هزت رأسها.
— الإنسان بيتغير لما يتعلم من غلطه…
وأنت دفعت تمن غلطك.
مد يده نحوها.
ولم يسحبها عندما ترددت.
بل انتظر.
وبعد لحظات…
وضعت نورا يدها في يده باختيارها.
لا لأنها نسيت الماضي…
بل لأنها رأت حاضرًا مختلفًا.
—
وبعد ستة أشهر…
أقيم عقد قرانهما من جديد.
لكن هذه المرة…
لم تكن هناك وعود كبيرة.
ولا كلمات رنانة.
فقط قال مالك أمام الجميع:
— أوعدك إني كل يوم هختارك من جديد.
ابتسمت نورا وهي ترد:
— وأنا أوعدك إن أي وجع هيقابلنا… هنتكلم عنه، مش هنهرب منه.
صفق الجميع.
وكان عم فؤاد أول من بكى.
وقال وهو يضحك:
— الحمد لله…
البيت رجع بيت.
—
وفي نهاية اليوم…
وقف مالك يحمل ابنه على كتفه.
وقالت نورا وهي تنظر إليهما:
— تعرف…
أكبر كذبة قلتها في حياتي كانت إني أجهضت.
ابتسم مالك وقال:
— وأكبر غلطة عملتها في حياتي…
إني صدقت الكلمة…
وما سألتش عن وجعك.
ابتسمت وهي تمسك يده.
وسارا معًا.
ليس لأن الحياة أصبحت بلا مشاكل…
ولكن لأنهما أخيرًا تعلما…
أن الحب لا ينجو بالصمت…
بل بالثقة، والصدق، والوجود في وقت الاحتياج.
تمت.