القائد العسكري حكـايـات اسما السيد
القائد العسكري دلق مايه بتـغلي على المجندة قدام الكتيبة كلها وقال: اتصلي بأهلك… وخليهم يسمعوا صوت الفشل اللي طالع منك.. الجيش مش للستات الستات مكانها المطبخ… لكن اللي حصل بعدها قلب المعسكر كله…
=======
قاعة التدريب…كانت ساكتة بشكل مخيف.
أكتر من خمسين مجند واقفين في صفوف مستقيمة.
ولا حد بيتكلم…ولا حتى بيتنفس بصوت.
العميد فؤاد وقف في منتصف القاعة…وفي إيده جردل معدني…وبص للمجندة أسما بنظرة باردة…وقال:
— اتصلي بأهلك… وخليهم يسمعوا إن بنتهم فشلت.
أسما ما ردتش…وقبل ما أي حد يفهم هيحصل إيه…
قلب الجردل كله عليها…سائل شديد السخونة…
نزل على كتفها…وصدرها…ودراعاتها.
والبخار طلع في ثواني…وصوت احتكاك السائل بالبدلة العسكرية…خلى القاعة كلها تتجمد.
ليلى حست إنها هتقع عالارض…لكنها تماسكت.
ووقفت مستقيمة…مسعف الوحدة جرى خطوة لقدام.
لكن العميد لف وشه ناحيته وقال بحدة: مكانك… محدش يتحرك.
المسعف وقف مكانه فورًا…أما أسما…
فرفعت عينيها ناحية العلم المعلق في آخر القاعة.
وثبتت نظرها عليه..كأنها بتحاول تهرب من الوجع.
السائل الساخن اخترق القماش…والحرقان كان بيزيد كل ثانية…لكنها…لا صرخت…ولا لمست مكان الإصابة.
ولا طلبت مساعدة…العميد حط الجردل الفاضي على الأرض.
وبصلها مستني يشوفها تنهار…لكنها فضلت واقفة…وده ضايقه أكتر.
لأنه كان عامل المشهد ده….علشان يكسرها قدام الجميع.
لف ناحية الجنود وقال بصوت عالي:
— شوفوا كويس… الضعيف نهايته كده…ولا حد اتكلم.
لكن الرعب…كان واضح في العيون.
المجند آدم كان باصص للأرض…والعريف كريم وشه شاحب.
والرقيب سارة كانت واقفة بثبات…
لكن إيدها كانت بتترعش ورا ضهرها…كلهم كانوا عارفين سمعة العميد…عارفين إنه يقدر يدمر مستقبل أي حد…
بمجرد تقرير واحد…وكانوا عارفين…
إن أي اعتراض…ثمنه غالي…قرب من أسما خطوة.
وبقى وشه قريب من وشها…وقال بسخرية:
— فاكرة إن سكوتك بطولة؟
أسما أخيرًا بصتله…كان الألم واضح في عينيها.
لكن…مكانش فيها استسلام…ولا خوف…ولا رجاء.
كانت نظرة واحدة…خلت العميد يفهم…إنه قدر يوجع جسمها…لكن لسه ما قدرش يكسرها.
وفي اللحظة دي…دوى جرس الطوارئ في القاعدة كلها.
ودخل ضابط من باب القاعة وهو بيجري…
وصاح بأعلى صوته:
— سيادة العميد… لجنة التفتيش العسكرية وصلت… وفي أمر مباشر بإيقاف التدريب فورًا!
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الفصل الثاني
ساد الصمت.
العميد فؤاد لف ناحية الضابط اللي دخل وهو بيجري، وملامحه اتغيرت للحظة… لكنه رجع أخفى انفعاله بسرعة.
قال بحدة:
— لجنة إيه؟ مين بلغهم؟
رد الضابط وهو بياخد نفسه:
— أمر مباشر يا فندم… اللجنة في ساحة العرض دلوقتي، وطلبوا يشوفوا جميع أفراد الكتيبة بالحالة اللي هم عليها.
أسما كانت لسه واقفة…
جسمها بيرتعش من الألم.
لكنها رفضت تقع.
العريف كريم همس للمجند آدم:
— لو اللجنة شافت إصابتها بالشكل ده… الموضوع مش هيعدي.
آدم رد بصوت واطي:
— لو عرفوا الحقيقة فعلًا.
العميد سمع الهمس.
لف ناحيتهم وقال بغضب:
— ولا كلمة… أي حد هيفتح بقه هيتحول للتحقيق العسكري.
وفجأة…
ظهر ثلاثة ضباط برتب أعلى عند باب القاعة.
وفي المنتصف…
لواء بشعر أبيض ونظرة حادة.
كل الموجودين أدوا التحية فورًا.
أما العميد…
فوقف ثابت يحاول يخفي توتره.
اللواء بص على الجميع…
ثم وقعت عينه على أسما.
وقف مكانه.
وقال بهدوء:
— المجندة دي… مالها؟
رد العميد بسرعة:
— إصابة بسيطة أثناء التدريب يا فندم.
لكن اللواء ما ردش.
قرب بنفسه من أسما.
ولاحظ آثار البلل والبخار الطالع من بدلتها.
وسألها مباشرة:
— مين المسؤول عن إصابتك؟
القاعة كلها اتجمدت.
الكل كان منتظر إجابتها.
أسما سكتت ثواني…
وبعدين قالت بثبات:
— حضرتك… أطلب كاميرات القاعة.
العميد حس لأول مرة إن الأرض بتهتز تحت رجليه.
الفصل الثالث
اتغير لون وش العميد.
وقال بسرعة:
— الكاميرات كانت خارج الخدمة.
اللواء رفع حاجبه.
— خارج الخدمة؟
رد الضابط المسؤول عن الاتصالات من آخر القاعة:
— اسمح لي يا فندم…
العميد بصله نظرة تحذير.
لكن الضابط أكمل:
— الكاميرات كانت شغالة لحد قبل التدريب بعشر دقائق… وبعدها صدر أمر بإيقاف التسجيل.
لف اللواء ناحية العميد ببطء.
— ومين أصدر الأمر؟
محدش رد.
الصمت بقى أتقل من أي كلام.
في اللحظة دي…
المسعف العسكري أخيرًا اتكلم.
— يا فندم… المجندة محتاجة إسعاف فورًا.
اللواء أشار بإيده.
— انقلوها حالًا للمستشفى العسكري.
ولما المسعف قرب منها…
أسما أخيرًا فقدت توازنها.
وقبل ما تقع…
آدم جرى وسندها.
كان أول واحد يكسر حاجز الخوف.
العميد صرخ:
— ارجع مكانك!
لكن اللواء قال بصوت قاطع:
— سيبه.
ثم بص للعميد وقال:
— ومن اللحظة دي…
أنت ممنوع تصدر أي أوامر داخل المعسكر…
إلى أن ينتهي التحقيق.
الوجوه كلها اتغيرت.
لأول مرة…
العميد فؤاد حس إن السلطة اللي كان بيخوف بيها الناس…
بدأت تخرج من بين إيديه.
يتبع…
الفصل الرابع
خرجت أسما على السرير الطبي…
والممر الطويل للمستشفى العسكري كان مليان صمت ثقيل.
المسعف بدأ يبعد أجزاء من البدلة المحترقة بحذر.
وأول ما شاف آثار الإصابة…
شهق.
وقال للطبيبة:
— لازم تدخل حالًا… الإصابة أخطر مما كانت باينة.
الطبيبة هزت رأسها بسرعة.
— حضروا غرفة العلاج.
في نفس الوقت…
كانت لجنة التفتيش قاعدة داخل مكتب قيادة المعسكر.
اللواء فتح ملفًا فارغًا قدامه.
وقال بهدوء:
— محدش هيتكلم تحت ضغط… كل واحد هيدخل لوحده.
أول شاهد دخل…
كان العريف كريم.
إيده كانت بتترعش.
اللواء سأله:
— اللي حصل النهارده… شفته بنفسك؟
كريم بلع ريقه.
افتكر تهديدات العميد.
وافتكر كمان نظرة أسما وهي واقفة رغم الألم.
أغمض عينيه لحظة…
ثم قال:
— أيوه يا فندم… شفته كله.
رفع اللواء رأسه.
— احكي من البداية.
بدأ كريم يحكي…
ولا مرة غير في كلامه.
وكل جملة كان بيقولها…
كانت تقرب العميد خطوة من المساءلة.
الفصل الخامس
بعده دخل الرقيب سارة.
وقفت بأعلى درجات الانضباط.
لكن صوتها كان ثابتًا.
قالت:
— المجندة أسما عمرها ما خالفت أمر عسكري.
سألها اللواء:
— يبقى ليه حصل اللي حصل؟
ردت بعد لحظة صمت:
— لأن سيادة العميد كان عايز يكسر معنوياتها قدام الكتيبة.
ساد الصمت.
أحد أعضاء اللجنة كتب ملاحظاته بسرعة.
ثم قال:
— هل فيه حد يقدر يؤكد كلامك؟
ردت سارة:
— كل اللي كانوا في القاعة.
لكنهم كانوا خايفين.
نظر اللواء إلى الضباط الجالسين حوله.
وقال:
— الخوف مفهوم…
لكن الحقيقة لازم تتقال.
الفصل السادس
في المستشفى…
فتحت أسما عينيها ببطء.
الطبيبة كانت واقفة جنبها.
وقالت بابتسامة مطمئنة:
— هتحتاجي علاج ومتابعة… لكن حالتك مستقرة.
أسما سألت بصوت ضعيف:
— الكتيبة؟
ابتسمت الطبيبة.
— التحقيق بدأ.
وفي اللحظة نفسها…
دخل اللواء إلى الغرفة.
وقف عند الباب.
ثم قال:
— المجندة أسما…
أهم حاجة دلوقتي صحتك.
أما التحقيق…
فهيستكمل وفق الإجراءات العسكرية، وكل شهادة وكل دليل هيتراجع بدقة.
أسما أغمضت عينيها للحظة.
لم تكن تعرف كيف ستكون نهاية التحقيق…
لكنها عرفت شيئًا واحدًا.
إن اللحظة التي ظن فيها العميد أنه كسرها…
كانت هي نفسها اللحظة التي بدأ فيها كل شيء يتغير.
الفصل السابع
مرّ يومان…
وكان المعسكر مختلفًا تمامًا.
لا صراخ.
لا عقوبات مهينة.
ولا خطوات العميد فؤاد التي كانت تُرعب الجميع.
الكل كان ينتظر…
قرار لجنة التحقيق.
في المستشفى العسكري…
كانت أسما تجلس على السرير، وذراعها ملفوفة بالضمادات.
دخلت الطبيبة وقالت:
— الحروق هتحتاج وقت علشان تلتئم… لكن الأهم إنك التزمتي بالعلاج من أول لحظة.
ابتسمت أسما ابتسامة خفيفة.
ثم سألت:
— حد من الكتيبة سأل عليّا؟
ردت الطبيبة:
— تقريبًا… الكتيبة كلها.
طرقات خفيفة على الباب.
دخل آدم.
كان ماسك باقة ورد بسيطة.
وقال بتردد:
— إذن يا فندم… جئت أطمئن عليها.
ضحكت الطبيبة.
— ادخل.
وقف آدم قدامها وهو مش عارف يبدأ منين.
وأخيرًا قال:
— كلنا كنا فاكرين إننا لو اتكلمنا هنضيع… لكن سكوتك خلانا نحس إننا ضيعنا نفسنا.
ردت أسما بهدوء:
— لسه في فرصة… المهم الحقيقة.
الفصل الثامن
في قاعة التحقيق…
كان العميد فؤاد جالسًا وحده.
اللواء وضع أمامه ملفًا سميكًا.
وقال:
— عندنا شهادات متعددة… وتقارير طبية… وأقوال أفراد من الكتيبة.
رد العميد بثقة مصطنعة:
— كله تدريب يا فندم… والجيش محتاج شدة.
أغلق اللواء الملف.
وقال بحزم:
— الشدة شيء… وتعريض الأفراد للأذى شيء آخر.
ساد الصمت.
ثم دخل أحد الضباط حاملاً وحدة تخزين إلكترونية.
وقال:
— يا فندم… فريق الصيانة قدر يسترجع جزءًا من التسجيلات المحذوفة.
اتسعت عينا العميد.
همس:
— مستحيل…
وُضع التسجيل أمام اللجنة…
وبدأ العرض.
ظهر العميد وهو يحمل الجردل…
ثم ظهرت أسما واقفة في مكانها…
وسُمعت أوامره بوضوح.
لم ينطق أحد.
ولأول مرة…
لم يجد العميد أي كلمة يدافع بها عن نفسه.
الفصل التاسع
بعد ساعات…
اصطف أفراد الكتيبة في ساحة العلم.
وقف اللواء أمامهم.
وقال بصوت هادئ لكنه حازم:
— الانضباط أساس العمل العسكري… لكن احترام الإنسان لا ينفصل عنه.
نظر إلى أسما، التي كانت تقف بضماداتها بين زملائها.
ثم أكمل:
— ما حدث محل تحقيق وإجراءات رسمية، ولن يُسمح بتجاوز الأنظمة أو الإضرار بأي فرد تحت أي مبرر.
ساد صمت طويل…
ثم دوّى صوت التحية العسكرية من كل أفراد الكتيبة.
هذه المرة…
لم تكن التحية خوفًا.
بل احترامًا.
أما أسما…
فرفعت رأسها نحو العلم مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
لم تكن تهرب من الألم…
كانت تستقبل بداية جديدة.
الفصل العاشر
مر أسبوع…
والحديث داخل المعسكر لم يعد عن الواقعة نفسها…
بل عن التغيير الذي بدأ بعدها.
الأوامر أصبحت تُراجع.
وتدريبات السلامة أصبحت تُنفذ بدقة.
وكل قائد صار يعرف…
أن أي تجاوز سيخضع للمساءلة.
دخلت أسما ساحة التدريب لأول مرة بعد عودتها.
كانت الضمادات قد خفت…
لكن آثار الإصابة ما زالت واضحة على ذراعها.
ساد الصمت بين المجندين.
ثم تقدم آدم خطوة.
وأدى لها التحية العسكرية.
بعده كريم…
ثم سارة…
وفي ثوانٍ…
كانت الكتيبة كلها تؤدي التحية.
ابتسمت أسما بخجل.
وقالت:
— أنا معملتش حاجة بطولية… أنا بس رفضت أستسلم.
رد آدم:
— ساعات… عدم الاستسلام بيغير حياة ناس كتير.
الفصل الحادي عشر
في نفس الوقت…
دخل العميد فؤاد قاعة التحقيق للمرة الأخيرة.
كان بملابس الخدمة…
لكن من غير أي ملامح للثقة القديمة.
وقف أمام اللجنة.
وقال رئيسها:
— هل لديك ما تضيفه قبل انتهاء الإجراءات؟
ظل ساكتًا لثوانٍ طويلة.
ثم قال بصوت منخفض:
— كنت فاكر إن القسوة بتصنع جنودًا أقوى.
رد رئيس اللجنة بهدوء:
— الانضباط لا يعني الإهانة… والقوة لا تعني تعريض أحد للأذى.
أطرق العميد رأسه…
ولم يرد.
انتهت الجلسة…
وخرج من القاعة دون أن يلتفت خلفه.
الفصل الثاني عشر
مع شروق شمس يوم جديد…
اصطفت الكتيبة في ساحة العلم.
وقف قائد الوحدة الجديد أمام الجميع.
قال:
— كل فرد هنا له واجبات…
وله أيضًا حقوق.
احترام الإنسان جزء من شرف الخدمة.
ثم التفت إلى أسما.
وقال:
— بعد اكتمال علاجك… إذا رغبتِ في الاستمرار، فمكانك محفوظ بين زملائك.
نظرت أسما إلى العلم يرفرف فوق السارية.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
وقالت بثبات:
— أرغب في الاستمرار.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجوه زملائها.
ودوّى صوت التحية في الساحة من جديد.
لكن هذه المرة…
لم يكن الصوت يحمل خوفًا…
بل كان يحمل معنى الانضباط، والمسؤولية، والاحترام.
تمت.