مقعد الطايرة حكـايـات أسمـا السـيد
“ست أخدت مقعد بنتي في الطيارة رغم إني دافعة تمنه… لكن بعد إقلاع الطيارة، بنتي اللي عندها 10 سنين قالت جملة واحدة خلت كابينة الطائرة كلها تسكت.”
الجزء الأول
ابني آدم…
كان عنده خمس أسابيع بس.
وكانت دي…
أول رحلة طيران لينا بعد ولادته.
أما بنتي ليان…
فكان عندها عشر سنين.
ولأنها طول الرحلة بتحب تقعد جنب الشباك…
دفعت مبلغ إضافي…
علشان أحجز ثلاثة مقاعد جنب بعض.
مقعد ليان عند الشباك…
ومقعدي في المنتصف…
ومقعد الممر علشان يبقى في مساحة للطفل.
ولما وصلنا للصف رقم 12…
اتفاجأت إن فيه ست قاعدة في مكان ليان.
مش بس كده…
دي كانت حاطة شنطتها على مقعدي كمان.
وقاعدة بكل راحة…
كأن المكان ملكها.
ابتسمت بأدب.
وقلت:
— معلش يا فندم… دي المقاعد بتاعتنا.
بصتلي بطرف عينها…
وشالت سماعة واحدة من ودنها.
وقالت ببرود:
— أنا مرتاحة هنا.
طلعت بطاقات الصعود…
ووريتهالها.
وقلت:
— حضرتك قاعدة في المقعد الغلط.
بصت للتذاكر…
ورجعتهالي.
وقالت بمنتهى الاستهزاء:
— اقعدوا في أي مكان فاضي.
إنتِ معاكي طفلين…
أكيد مش هتفرق معاكي.
في اللحظة دي…
وصلت مضيفة الطيران.
شرحت لها الموقف.
بصت المضيفة على التذاكر…
وقالت للست بكل احترام:
— يا فندم… المقعد ده محجوز بالفعل.
لكن الست عقدت دراعاتها.
وقالت:
— مش هقوم.
خلوها تقعد في أي مكان تاني.
بنتي ليان كانت واقفة جنبي…
وساكتة.
ولا قالت كلمة.
وفضلت تبص تحت رجل الست…
كأنها لاحظت حاجة.
بعد دقائق…
وبعد ما المضيفة بلغت قائد المقصورة…
اضطرت الست ترجع لمقعدها الحقيقي وهي متضايقة.
جلسنا في أماكننا…
وأقلعت الطائرة.
بعد الإقلاع بدقائق…
ولما انطفأت إشارة ربط الأحزمة…
بصت ليان ناحيتي.
وقالت بهدوء:
— يا ماما… أنا كنت هقولك حاجة من الأول.
قلت:
— خير يا حبيبتي؟
قالت بصوت سمعه اللي حوالينا:
— حضرتك دايمًا بتعلميني ما نفضحش حد قدام الناس… عشان كده سكت.
سكتت لحظة…
وبعدين أشارت للمقعد اللي كانت الست قاعدة عليه.
وقالت:
— بس الست كانت حاطة رجلها فوق حاجة غريبة… شكلها كانت بتحاول تخبيها.
في اللحظة دي…
كل اللي حوالينا بصوا ناحية المقعد.
والمضيفة قربت بسرعة…
لتشوف ليان شافت إيه.
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الثاني
المضيفة انحنت بسرعة تبص تحت المقعد.
الست اتوترت فجأة.
وقالت بصوت عالي:
— إيه اللي بتعملوه؟! مفيش حاجة تحت الكرسي.
لكن ليان هزت رأسها.
— لا… أنا شفتها.
المضيفة ركعت على ركبتها، ومدت إيدها تحت المقعد.
بعد ثواني…
طلعت حقيبة جلد سوداء صغيرة.
الحقيبة كانت متغطية بطرف جاكيت الست، وكأنها متخبية عمدًا.
المضيفة سألت بهدوء:
— دي شنطتك يا فندم؟
الست اترددت ثانية…
وبعدين قالت بسرعة:
— أيوة… بتاعتي.
المضيفة ابتسمت ابتسامة رسمية.
— تمام… ممكن أشوف بطاقة الصعود الخاصة بحضرتك؟
طلعتها وهي متضايقة.
المضيفة بصت عليها.
ثم بصت لرقم المقعد.
وقالت:
— حضرتك مقعدك في الصف 18… صح؟
— أيوة… وماله؟
— يبقى ليه الشنطة كانت متخبية تحت المقعد 12؟
الست ارتبكت.
— أصل… أصل لما قعدت هنا حطيتها وخلاص.
ليان بصتلها وقالت بهدوء طفولي:
— لا يا آنطي.
كل الركاب بصوا عليها.
قالت:
— إنتِ ما حطتيهاش…
الفصل الرابع
بعد ما نزلت الست مع رجال الأمن…
فضلنا قاعدين في أماكننا حوالي أربعين دقيقة.
الركاب كلهم بيتكلموا بصوت واطي.
كل شوية حد يبص على ليان ويبتسم.
أما هي…
فكانت قاعدة تبص من الشباك، وكأن اللي حصل حاجة عادية.
ابتسمت لها وقلت:
— إنتِ مش خايفة؟
هزت كتفها.
وقالت:
— كنت خايفة… بس كنت خايفة أكتر إن حد يتأذي لو سكت.
الكلمة دي خلتني أحضنها.
بعد شوية…
ركب قائد الأمن ومعاه قائد الطائرة.
وقالوا إن الطائرة هتكمل رحلتها بعد انتهاء الإجراءات.
وقبل الإقلاع من جديد…
قائد الطائرة مسك الميكروفون.
وقال:
— بالنيابة عن طاقم الطائرة، أحب أشكر الراكبة الصغيرة ليان على ملاحظتها وهدوئها. يقظة الأطفال أحيانًا بتمنع مشاكل كبيرة، وإحنا بنشجع أي راكب يبلغ عن أي شيء يثير شكه.
وفجأة…
كل الركاب بدأوا يسقفوا.
ليان احمرت من الكسوف.
ودفنت وشها في كتفي.
ضحكت وقلت:
— إيه يا بطلة؟
قالت وهي بتضحك:
— يا ماما… نفسي يبطّلوا يبصوا عليا.
الفصل الخامس
بعد ما وصلنا المطار…
كنت فاكرة إن الموضوع انتهى.
لكن أول ما خرجنا من بوابة الوصول…
استوقفنا ضابط من أمن المطار.
قال باحترام:
— حضرتك والآنسة ليان ممكن دقيقة؟
قلبي وقع.
قلت:
— في حاجة؟
ابتسم.
— لا تقلقي… بس محتاجين ناخد أقوال الآنسة لأنها أول واحدة لاحظت مكان الحقيبة.
دخلنا مكتب صغير.
الضابط سأل ليان:
— إيه اللي خلاكي تاخدي بالك؟
قالت ببساطة:
— الست كانت بتزق الشنطة برجليها تحت الكرسي… وكانت كل شوية تبص عليها وهي متوترة.
كتب كلامها.
وبعدين قال:
— شكراً يا بطلة.
قبل ما نمشي…
سألته من باب الفضول:
— ممكن أعرف كان في إيه في الشنطة؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال:
— للأسف مقدرش أقول تفاصيل… لكن أقدر أقول إن بلاغ بنتك كان مهم جدًا، والتحقيق هيوضح كل حاجة.
خرجنا من المكتب.
وأنا ماسكة إيد ليان بقوة.
قالت وهي بتبصلي:
— يا ماما… أنا عملت الصح؟
وقفت في نص المطار.
نزلت لمستواها.
وقلت:
— أيوة يا حبيبتي… عملتي الصح. الشجاعة مش إن الواحد يبقى مش بيخاف… الشجاعة إنه يقول الحقيقة حتى وهو خايف.
ابتسمت.
ومسكت إيد أخوها الصغير وهو نايم في العربية.
وقالت:
— يلا يا آدم… نروح البيت.
ومشينا…
وأنا حاسة إن بنتي في عشر سنين…
كبرت في نظري سنين طويلة في رحلة واحدة.
الفصل السادس
بعد أسبوع تقريبًا…
رجعنا لحياتنا الطبيعية.
ليان رجعت المدرسة.
وآدم كان لسه بيصحى كل ساعتين يعيط ويطلب الرضاعة.
كنت فاكرة إن قصة الطيارة انتهت خلاص.
لكن صباح يوم الخميس…
هاتفي رن.
رقم غريب.
رديت.
— ألو؟
— صباح الخير يا فندم… مع حضرتك قسم خدمة العملاء في شركة الطيران.
استغربت.
— خير؟
قال الموظف:
— الحقيقة إحنا كنا بنراجع تقرير الرحلة، والإدارة طلبت تشكر الآنسة ليان رسميًا على تعاونها مع طاقم الطائرة.
ابتسمت.
— ده واجب.
قال:
— وحابين كمان نقدم لحضرتكم قسيمة سفر هدية لرحلة داخلية في أي وقت يناسبكم.
شكرتهم جدًا.
وقفلت المكالمة.
أول ما ليان رجعت من المدرسة…
حكيتلها.
فرحت جدًا.
لكن أكتر حاجة قالتها ضحكتني.
— يعني هركب طيارة تاني؟
قلت:
— أيوة.
قالت بسرعة:
— بس المرة دي هبص تحت الكرسي الأول!
ضحكت من قلبي.
الفصل السابع
بعد يومين…
وأنا بقلب في مواقع الأخبار…
لفت نظري عنوان صغير.
“إحباط محاولة تهريب متعلقات ثمينة بعد بلاغ يقظ من إحدى الراكبات.”
فتحت الخبر.
ماكانش فيه أسماء.
ولا صور.
بس مكتوب إن راكبة حاولت إخفاء حقيبة في غير مكانها أثناء الرحلة، وإن يقظة أحد الركاب ساعدت الطاقم على اكتشافها والتعامل مع الموقف وفق إجراءات السلامة.
قفلت الخبر.
وبصيت على ليان.
كانت قاعدة على الأرض…
بتلون رسمة.
ولا تعرف إن تصرف بسيط منها بقى خبر بيتقري.
سألتها:
— لو رجع بيكي الزمن… كنتِ هتعملي نفس اللي عملتيه؟
رفعت رأسها.
وقالت بمنتهى البراءة:
— طبعًا.
قلت:
— ليه؟
ابتسمت.
وقالت:
— لأن لو كل واحد قال “مش شغلي”… يبقى مين هيقول “في حاجة غلط”؟
الكلمة دي فضلت ترن في ودني.
وأدركت إن الأطفال أحيانًا بيشوفوا الحقيقة أوضح من الكبار.
تمت.