ام متعبه حكايات اسما 4

الفصل التاسع
بدأنا نتكلم.
في الأول…
كان الكلام كله عن البنات.
ميعاد التطعيم.
الحضانة.
اللبن.
الدكتور.
مفيش أي كلام عننا.
ولا عن الماضي.
ولا عن الطلاق.
كل واحد كان حاطط حدود واضحة.
وكريم…
كان أول واحد يحترمها.
وفي يوم…
ملك صحيت وهي سخنة.
اتصلت بيه.
قلت:
— الحرارة 39 ونص.
رد من غير تردد:
— أنا عندكم خلال ربع ساعة.
وفعلًا…
بعد عشرين دقيقة كان واقف قدام الباب.
في إيده شنطة صغيرة.
جهاز قياس حرارة.
وخافض حرارة.
وكمادات.
استغربت.
قلت:
— إنت جبت الحاجات دي إمتى؟
ابتسم بخجل.
وقال:
— من يوم أول مرة دخلنا الطوارئ…
عملت شنطة إسعافات للبنات في عربيتي.
يمكن احتاجها في أي وقت.
بصيت له…
وسكت.
لأن دي كانت أول مرة…
أشوفه يستعد قبل المشكلة.
مش بعدها.
عدت أيام.
وفي الحضانة…
كان فيه احتفال بعيد الأم.
المديرة قالت:
— الأطفال هيطلعوا مع أمهاتهم.
لكن ملك…
أول ما شافت كريم داخل.
جريت عليه.
ومسكت إيده.
وقالت بصوت طفولي:
— بابا… تعالى.
كريم بص لي.
وكأنه بيستأذن.
هززت راسي بالموافقة.
طلع معاها.
وهي ماسكة إيده.
وأنا شايلة ليان.
وفي نهاية الحفل…
المُدرسة وزعت رسومات الأطفال.
كانت رسمة ملك عبارة عن قلب كبير.
جواه أربع شخصيات.
أنا.
وكريم.
وهي.
وأختها.
ومكتوب بخط المُدرسة تحت كلامها:
“دي عيلتي.”
كريم لف الورقة بهدوء.
وحطها في محفظته.
وقال:
— دي أغلى حاجة أخدتها في حياتي.
بعد الحفل بأيام…
كنت قاعدة في البلكونة بعد ما البنات ناموا.
سمعت خبط على الباب.
فتحت.
لقيت كريم.
واقف ومعاه علبة صغيرة.
قلت باستغراب:
— خير؟
قال:
— متقلقيش… مش خاتم.
ابتسمت لأول مرة قدامه من قلبي.
ناولني العلبة.
فتحتها.
لقيت فيها سلسلة فضة رقيقة.
متعلق فيها حرفين صغيرين.
M & L
ملك.
وليان.
قال بهدوء:
— دي مش هدية ليكي.
دي هدية لأمهم.
علشان كل مرة تبصي فيها…
تفتكري إنك عملتي المستحيل علشانهم.
حاولت أرفض.
قال بسرعة:
— لو مش عايزة تعتبرينها مني…
اعتبريها من البنات.
سكت.
وأخدتها.
بعد شهر…
كان عندنا جلسة أخيرة في المحكمة.
القاضي بص في الملف.
وقال:
— واضح إن الطرفين بقالهم فترة متعاونين.
بص لنا.
وقال:
— لسه مصرين على استكمال إجراءات الطلاق؟
القاعة سكتت.
أنا بصيت لكريم.
وهو بصلي.
لأول مرة…
ما كانش في بينا غضب.
ولا كره.
كان في سؤال واحد.
هل إحنا بقينا شخصين مختلفين…
عن اللي وقفوا هنا من سنة؟
القاضي كرر السؤال.
— القرار بإيدكم.
أخدت نفسًا عميقًا.
ولسه هرد…
لما كريم سبقني وقال:
— يا فندم…
ممكن نطلب تأجيل الجلسة شهر واحد؟
القاضي استغرب.
— ليه؟
رد كريم بهدوء:
— لأني مش عايز أخسرها بسبب الغلط القديم…
ولا أكسبها بكلمة حلوة.
لو رجعت…
يبقى لأنها شافت بعينها إني اتغيرت.
ولو رفضت…
هحترم قرارها.
بصيت له…
وماقدرتش أمنع دموعي.
لأن لأول مرة…
كان بيدافع عن حقي في الاختيار…
بعد ما كان زمان…
بيعتبر رأيه هو القرار الوحيد.
القاضي ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال:
— تؤجل الجلسة شهرًا.
خرجنا من المحكمة.
واقفين على السلم.
ولا واحد فينا اتكلم.
لكن وأنا راكبة العربية…
لقيت رسالة منه وصلت على موبايلي.
كانت سطر واحد فقط:
“المرة دي… القرار كله بإيدك.”
الفصل العاشر
مر الشهر…
أسرع مما كنت متخيلة.
لكن الغريب…
إن كريم ما حاولش يستغل ولا يوم.
ما جابش ورد.
ولا هدايا.
ولا كلام كبير.
كان بيعمل حاجة واحدة بس…
يبقى موجود.
لو البنات مرضوا…
كان أول واحد يوصل.
لو الحضانة طلبت ولي أمر…
كان يسيب شغله ويروح.
ولو احتجت أوصل مكان ومستحيل آخد البنتين معايا…
كان يقول بهدوء:
— أنا فاضي… سيبيهم معايا.
من غير ما يحسسني…
إني مدينة له بحاجة.
وفي ليلة…
ملك صحيت من النوم وهي بتعيط.
حضنتها.
وقلت:
— مالك يا حبيبتي؟
قالت وهي بتشهق:
— حلمت إن بابا هيسافر تاني… ويسيبنا.
الكلمة نزلت على قلبي كالحجر.
حضنتها أكتر.
وقلت:
— بابا موجود يا حبيبتي.
لكنها هزت راسها.
وقالت:
— هو كان موجود… وبرضه سافر.
ماعرفتش أرد.
لأنها…
رغم صغر سنها…
كانت فاكرة.
يمكن مش فاكرة التفاصيل.
لكن إحساس الغياب…
فضل جواها.
تاني يوم…
حكيت لكريم.
سكت دقيقة كاملة.
وبعدين قال:
— ممكن أتكلم معاها؟
دخل أوضة البنات.
وقعد على الأرض قدام ملك.
وقال بهدوء:
— فاكرة لما بابا سافر؟
هزت راسها.
قال:
— بابا غلط.
غلط غلطة كبيرة.
بس أوعدك…
مش هكررها.
رفعت عينيها الصغيرة.
وسألته:
— يعني لو أنا تعبت…
هتيجي؟
ابتسم وهو بيحاول يمنع دموعه.
— حتى لو كنت آخر الدنيا.
— ولو عملت حفلة في الحضانة؟
— هكون أول واحد يقعد في أول كرسي.
— ولو وقعت؟
— هشيلك.
— ولو كبرنا؟
ابتسم وقال:
— هفضل أبوكي… مهما كبرتي.
ارتمت في حضنه.
وأنا واقفة على باب الأوضة…
حسيت إن الجرح…
بدأ يلتئم.
مش لأنه اختفى.
لكن لأنه أخيرًا…
بقى بيتعالج.
بعد أسبوع…
كان معاد الجلسة الأخيرة.
دخلنا المحكمة.
القاضي فتح الملف.
وقال:
— هل وصلتما إلى قرار؟
بصيت لكريم.
ولقيته باصص قدامه.
ما حاولش يأثر عليا.
ولا حتى يبصلي.
استأذنته.
وقلت للقاضي:
— ممكن أتكلم؟
قال:
— اتفضلي.
قلت بهدوء:
— من سنة…
أنا خرجت من بيتي لأني فقدت الأمان.
مش لأني بطلت أحب.
ولأن بنتي تستحق تشوف أمها قوية…
اخترت أمشي.
بصيت ناحية كريم.
وكملت:
— السنة اللي فاتت…
ما رجعش بالكلام.
رجع بالمواقف.
رجع بالالتزام.
رجع بالاحترام.
لكن الثقة…
لسه بتتبني.
القاضي سأل:
— يعني قرارك إيه؟
ابتسمت لأول مرة.
وقلت:
— بطلب تأجيل الدعوى ستة شهور كمان.
مش علشان أنسى اللي فات.
لكن علشان أتأكد…
إن اللي اتغير…
هيفضل متغير.
التفت القاضي إلى كريم.
وقال:
— موافق؟
رد من غير تردد:
— موافق.
لو استنيت سنة…
هستنى.
لو استنيت العمر كله…
هستنى.
لأن المرة دي…
أنا اللي لازم أثبت إني أستحق.
ابتسم القاضي.
وأجّل القضية.
خرجنا من المحكمة.
وقفنا على السلم.
البنتان جريوا بينا.
ملك مسكت إيدي.
وليان مسكت إيد كريم.
وبعدين…
من غير ما حد يطلب منها…
بدلوا الأماكن.
ملك راحت مسكت إيد كريم.
وليان مسكت إيدي.
ومشينا أربع خطوات…
جنب بعض.
من غير وعود.
ومن غير قرار نهائي.
لكن لأول مرة…
كان الطريق قدامنا…
مفتوح.
ولأول مرة من وقت طويل…
كان الأمل…
أكبر من الخوف.
الفصل الحادي عشر
مرت الستة شهور…
ببطء.
لكن كل يوم فيهم…
كان بيأكد لي حاجة.
إن التغيير الحقيقي…
مالوش صوت.
مالوش استعراض.
مالوش منشورات على السوشيال ميديا.
التغيير…
بيبان في التفاصيل.
في يوم…
صحيت على صوت خبط خفيف على الباب.
فتحت.
لقيت كريم.
واقف ومعاه شنطة المدرسة.
استغربت.
قلت:
— إيه دي؟
ابتسم.
وقال:
— النهارده أول يوم للبنات في التمهيدي.
قولت يمكن تنسي حاجة…
فجبت كل اللي محتاجينه.
فتحت الشنطة.
لقيت فيها…
زجاجتين مية.
علبتين أكل.
منديل مبلل.
هدوم احتياطية.
حتى اللعبة الصغيرة…
اللي ليان مبتنامش من غيرها.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وقلت:
— إنت حافظ كل ده؟
قال بابتسامة هادئة:
— بقيت أعرف إن ليان بتحب الأرنب الأبيض…
وملك مبتاكلش الجبنة الصبح.
الكلام كان بسيط…
لكن بالنسبة لي…
كان معناه كبير.
لأن الراجل اللي كان ميعرفش نوع اللبن…
بقى حافظ تفاصيل كل بنت.
في الحضانة…
كانت البنات خايفين.
أول يوم.
أطفال كتير.
أصوات.
وبكاء.
ليان مسكت في رجلي.
وقالت:
— ماما… متسيبنيش.
ملك حضنت كريم.
وقالت:
— بابا… تعالى معايا.
المُدرسة ابتسمت.
وقالت:
— طبيعي.
أول يوم دايمًا بيبقى صعب.
أنا وكريم نزلنا لمستواهم.
وقلنا في نفس اللحظة…
من غير اتفاق:
— إحنا مستنيينكم بره.
بصينا لبعض…
وضحكنا.
حتى إحنا…
استغربنا إننا قلنا نفس الجملة.
بعد الظهر…
رجعنا البيت.
البنات ناموا من التعب.
كنت بعمل قهوة.
ولقيت كريم واقف في البلكونة.
بصيت له.
قلت:
— كنت فاكر إن الأبوة سهلة؟
ابتسم بحزن.
وقال:
— كنت فاكرها فلوس.
وطلعت أغلى حاجة فيها…
الوقت.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— تعرفي أكتر حاجة ندمت عليها؟
قلت:
— إيه؟
قال:
— إني ضيعت أول ست شهور من عمرهم.
أول ضحكة.
أول محاولة زحف.
أول كلمة.
الحاجات دي…
مفيش فلوس في الدنيا ترجعها.
بعد أسبوع…
كان معاد الجلسة.
آخر جلسة.
دخلنا المحكمة.
القاضي فتح الملف.
وبص لنا.
وقال:
— ستة شهور عدوا.
إيه قراركم؟
بصيت لكريم.
لقيته هادي.
مش متوتر.
ولا مستعجل.
وكأنه مستعد يسمع أي قرار.
أخدت نفس عميق.
وقلت:
— يا فندم…
أنا سامحته.
لكن المسامحة…
مش معناها إن اللي حصل ماكانش مؤلم.
القاضي هز راسه.
قلت:
— ومع ذلك…
أنا شايفة إن الإنسان لما يعترف بغلطه…
ويصلحه بالفعل…
يبقى يستحق فرصة.
لفيت ناحية كريم.
وقلت:
— الفرصة دي…
مش هتبقى لينا إحنا بس.
هتبقى لملك وليان كمان.
دمعت عينه.
لكنه ما اتكلمش.
فضل ساكت.
كأنه خايف أي كلمة…
تضيع اللحظة.
القاضي ابتسم.
وقفل الملف.
وقال:
— أتمنى تكونوا اتعلمتوا إن الأسرة مش بتقوم على الحب بس…
بتقوم على المشاركة.
خرجنا من المحكمة.
وقف كريم قدامي.
وقال بصوت مبحوح:
— المرة دي…
لو تعبتي…
أنا هغسل الببرونات.
ضحكت.
رغم دموعي.
وقلت:
— وهتغير حفاضات كمان.
ضحك هو كمان.
وقال:
— حتى لو الساعة تلاتة الفجر.
وفي اللحظة دي…
جريت ملك وليان علينا.
كل واحدة مسكت إيد.
ومشينا…
المرة دي…
مش علشان نرجع للماضي.
لكن علشان نبدأ…
حياة جديدة.
بخبرة أكبر.
وقلوب اتعلمت…
إن البيت الحقيقي…
مش بيتبني بالكلام.
بيتَبني…
كل يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *