اكبر عيله في البلد حكـايـات أسمـا 5

الجزء الثالث عشر

ساد صمت ثقيل في المقابر.

الرجال الواقفون خلف الرجل المسن لم يتحركوا، لكن نظراتهم كانت كفيلة إنها تزرع الخوف في أي حد يشوفهم.

تقدم الرجل بخطوات هادئة، وهو يتكئ على عصاه الفضية، حتى وقف على بعد أمتار من سيف.

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

“واضح إنك شبه أبوك… أكتر مما كنت متخيل.”

ثبت سيف عينيه فيه وقال:

“إنت مين؟”

رد الرجل بهدوء:

“الناس دلوقتي تعرفني باسم الدكتور فؤاد.”

ثم تنهد وأكمل:

“لكن زمان… كان ليا اسم تاني.”

اتسعت عينا ريم وهي تتابع الحديث.

أما فارس فخفض رأسه ولم ينطق.

قال سيف بحدة:

“إنت الشريك الثالث؟”

ابتسم الرجل وقال:

“أنا أول واحد حلم بالشركة دي.”

“وأول واحد اشتغل علشان تقوم.”

“لكن أصحابك… سرقوا الحلم.”

هنا صرخ فارس لأول مرة:

“كفاية كدب.”

التفت إليه الرجل بنظرة حادة.

“اسكت.”

سكت فارس فورًا.

لاحظ سيف المشهد.

لأول مرة يرى فارس خائفًا من شخص.

قال سيف:

“لو عندك حق… ليه استخبيت كل السنين دي؟”

رد الرجل وهو يقترب أكثر:

“لأن اللي يختفي… بيعرف كل حاجة.”

ثم أشار إلى المذكرات الموجودة في يد سيف.

“هاتها.”

شد سيف المذكرات إلى صدره وقال:

“مستحيل.”

ضحك الرجل.

“لسه فاكر إن الحقيقة كلها في الدفتر ده؟”

ثم نظر إلى ريم.

“اسألي نفسك… ليه أبوكي ما سلمش الدفتر لعبدالجبار وهو عايش؟”

تجمدت ريم.

لم تجد إجابة.

في تلك اللحظة…

خرج صوت ضعيف من خلف رجال الرجل المسن.

“سيف…”

التفت الجميع.

كان الحاج عبدالجبار.

وجهه شاحب، لكنه واقف على قدميه، يستند إلى أحد الرجال.

أول ما شافه سيف جرى عليه.

لكن الرجال وقفوا في طريقه.

رفع الدكتور فؤاد يده، فابتعدوا.

وصل سيف إلى والده واحتضنه بقوة.

قال عبدالجبار بصوت متعب:

“أنا كويس.”

ثم نظر مباشرة إلى الدكتور فؤاد.

وقال:

“خلاص يا فؤاد.”

“كفاية.”

ابتسم الدكتور فؤاد وقال:

“بعد خمسة وعشرين سنة… تقول لي كفاية؟”

رد عبدالجبار:

“الغلط كان مننا كلنا.”

هز الدكتور فؤاد رأسه.

“لأ.”

“الغلط بدأ يوم اخترتوا الفلوس وسكتوا.”

سأل سيف بسرعة:

“يعني إيه؟”

تنهد عبدالجبار.

ثم قال لأول مرة:

“أبوكِ يا ريم…”

ونظر إليها بعينين مليئتين بالندم.

“…ماكانش مجرد شريك.”

“كان أقرب أخ ليا.”

دموع ريم بدأت تنزل.

أما عبدالجبار فأكمل:

“وحسن مات وهو بيحاول يحميني.”

شهقت ريم.

“بابا اتقتل؟”

ساد الصمت.

أغلق عبدالجبار عينيه لثوانٍ.

ثم قال:

“الحادث… ماكانش حادث.”

في اللحظة نفسها…

ارتسمت ابتسامة غامضة على وجه الدكتور فؤاد.

وقال بهدوء:

“أخيرًا قلتها.”

ثم أخرج من جيبه فلاشة إلكترونية صغيرة.

ورفعها أمام الجميع.

“كل الحقيقة… متسجلة هنا.”

“اجتماعات.”

“تسجيلات.”

“وأسماء.”

“ولو الفلاشة دي خرجت للإعلام…”

ونظر إلى عبدالجبار.

“…ولا اسم في عيلة المنياوي هيفضل زي الأول.”

تقدم سيف خطوة وقال:

“اديني الفلاشة.”

ابتسم الدكتور فؤاد.

“هديهالك.”

“لكن في مقابل واحد.”

سأله سيف:

“إيه هو؟”

نظر إلى ريم طويلًا.

ثم قال بهدوء أربك الجميع:

“تتنازل عن كل حق ليها في الشركة… قدام الكل.”

اتجهت كل الأنظار إلى ريم.

كانت تعرف أن موافقتها قد تنقذ الحقيقة أو تضيع حق والدها إلى الأبد.

وقبل أن تنطق بكلمة…

سمع الجميع صوت إطلاق نار من خارج المقابر.

ثم دخل أحد رجال الشرطة وهو يصرخ:

“اقفلوا الأبواب… في قناصة فوق أسوار المقبرة.”
الجزء الرابع عشر

في لحظة واحدة تحول الهدوء إلى فوضى.

صرخ ضابط الشرطة وهو يشير ناحية السور الشرقي للمقابر:

“الكل ينزل على الأرض… بسرعة.”

انخفض الجميع في أماكنهم.

واختبأت ريم خلف أحد الأعمدة الحجرية وهي تحتضن طفلها بقوة، بينما اندفع سيف ناحية والده يحاول يحميه بجسده.

دوى صوت طلقة ثانية.

لكنها لم تصب أحدًا.

كانت مجرد رسالة.

رفع الدكتور فؤاد رأسه للحظة، ثم ابتسم ابتسامة غريبة وقال:

“اتأخروا.”

نظر إليه سيف بغضب وقال:

“مين اللي اتأخر؟”

رد بهدوء:

“الناس اللي كنت مستنيها من سنين.”

وفجأة…

خرجت من خلف المقابر مجموعة سيارات شرطة إضافية، وأحاطت المكان بالكامل.

ترجل منها لواء كبير في السن، وما إن رآه الضباط حتى أدوا له التحية.

اقترب اللواء بخطوات ثابتة وقال:

“انتهى كل شيء.”

نظر الدكتور فؤاد إليه طويلًا ثم قال:

“واضح إنك وصلت قبل الموعد.”

رد اللواء:

“وصلت بعد ما عرفت الحقيقة.”

التفت إلى سيف وقال:

“منذ شهرين وإحنا بنحقق في شبكة غسيل أموال كبيرة، وكل الخيوط كانت بتنتهي عند شركات وهمية مرتبطة باسم المنياوي.”

اتسعت عينا عبدالجبار.

وقال بصوت متعب:

“يعني… الشركة كانت بتتسرق وأنا عايش؟”

أومأ اللواء برأسه.

“ومن سنين.”

ثم أخرج ملفًا سميكًا من حقيبته.

وقال:

“لكن اللي بلغنا أول مرة… كان شخص مجهول.”

رفع سيف رأسه.

“مين؟”

نظر اللواء إلى الدكتور فؤاد.

وقال:

“هو.”

ساد الصمت.

حتى فارس رفع رأسه بدهشة.

قال سيف:

“يعني حضرتك مش كنت ضدنا؟”

تنهد الدكتور فؤاد وقال:

“أنا كنت ضد الفساد… مش ضدكم.”

ثم نظر إلى عبدالجبار.

“أنا أخطأت لما اختفيت، وأخطأت أكتر لما حاولت أصلح كل حاجة لوحدي.”

أغلق عينيه لحظة، ثم أكمل:

“كنت فاكر إن الانتقام هيجيب حق حسن.”

ريم اقتربت خطوة وهي تنظر إليه بعينين دامعتين.

وسألته:

“إنت كنت تعرف بابا؟”

هز رأسه ببطء.

“كان أقرب صديق ليا.”

“ويوم موته أقسمت إني أوصل للحقيقة.”

سألته:

“مين اللي قتله؟”

أطرق برأسه للحظات.

ثم رفع عينيه وقال:

“اللي قتله… مات من سنين.”

تجمد الجميع.

وأضاف:

“لكن اللي استفاد من موته… كانوا لسه عايشين.”

فتح اللواء الملف، وأخرج مجموعة صور وتحويلات مالية قديمة.

وقال:

“التحقيقات أثبتت إن بعد وفاة حسن مباشرة، اتنقلت أجزاء من أسهمه بطرق غير قانونية إلى عدة شركات وسيطة.”

نظر إلى عبدالجبار.

“لكن مفيش دليل إنك كنت مشارك في ده.”

تنفس عبدالجبار بارتياح لأول مرة.

أما فارس…

فكان واقفًا في آخر الصف، وعيناه لا تفارقان الأرض.

اقترب منه سيف.

وقال بهدوء:

“قول الحقيقة.”

رفع فارس رأسه.

كانت الدموع لأول مرة تلمع في عينيه.

وقال بصوت مكسور:

“أنا سرقت.”

“وزورت.”

“لكن…”

سكت للحظة.

ثم أكمل:

“أنا ماقتلتش حد.”

قبل أن يكمل اعترافه…

وصل أحد رجال المباحث مسرعًا وهو يحمل تقريرًا جديدًا.

وقال للواء:

“يا فندم… لقينا خزنة تانية في المصنع.”

سأله اللواء:

“فيها إيه؟”

رد الضابط وهو ينظر إلى الجميع:

“فيها تسجيلات كاميرات عمرها خمسة وعشرين سنة.”

“واضح إنها مصورة اليوم اللي مات فيه حسن.”

ساد الصمت.

ونظر الجميع إلى بعضهم.

فقد أدركوا أن الحقيقة التي يبحثون عنها منذ سنوات…

قد تكون مسجلة بالصوت والصورة.
الجزء الخامس عشر

وقف الجميع في حالة ذهول.

تسجيلات من خمسة وعشرين سنة.

لو كانت الكاميرات فعلًا سجلت اللي حصل في اليوم ده، يبقى أخيرًا هيعرفوا الحقيقة من غير تخمين، ومن غير اتهامات.

قال اللواء بحزم:

“انقلوا الخزنة للمعمل الجنائي فورًا.”

لكن الدكتور فؤاد هز رأسه وقال:

“مفيش وقت.”

بصله اللواء باستغراب.

قال الدكتور:

“اللي عمل كل ده مش هيسيب التسجيلات توصل للنيابة.”

وفي اللحظة نفسها…

رن هاتف أحد الضباط.

رد بسرعة، ثم تغير لون وشه.

قال وهو بيبص للواء:

“يا فندم… المصنع ولع.”

اتسعت عينا الجميع.

صرخ سيف:

“إيه؟”

رد الضابط:

“في انفجار حصل من دقايق، والمخزن اللي فيه الخزنة بقى كله نار.”

ضرب اللواء العربية بقبضته وقال:

“واضح إن في حد بيراقب كل خطوة بنعملها.”

ابتسم الدكتور فؤاد ابتسامة خفيفة.

وقال:

“كنت متوقع.”

نظر إليه سيف بغضب.

“إنت مبتسم ليه؟”

رد بهدوء:

“لأن اللي اتحرق… مجرد نسخة.”

تجمد الجميع.

قال اللواء بسرعة:

“يعني النسخة الأصلية فين؟”

أخرج الدكتور فؤاد مفتاحًا صغيرًا من جيبه.

وقال:

“النسخة الأصلية عمرها ما كانت في المصنع.”

اقترب سيف منه.

“أمال فين؟”

رفع الدكتور عينيه ناحية مدفن حسن.

وقال:

“جنب صاحبه.”

ساد الصمت.

التفت الجميع ناحية قبر حسن.

اقترب عبدالجبار بخطوات بطيئة.

وقف قدام القبر، ومسح بإيده على الرخام، ودموعه نزلت لأول مرة قدام كل الناس.

قال بصوت مكسور:

“سامحني يا حسن.”

كانت ريم واقفة وراه، وعمرها ما شافت الرجل القاسي ده بالشكل ده.

ركع عبدالجبار على ركبتيه.

وقال:

“أنا وعدتك أحافظ على بنتك.”

“لكن خوفي على اسم العيلة خلاني أظلمها.”

اقتربت ريم في هدوء.

مدت إيدها وساعدته يقف.

قالت بصوت هادئ:

“اللي فات خلاص فات.”

“المهم الحقيقة تظهر.”

نظر إليها عبدالجبار طويلًا.

ثم قال:

“من النهارده… إنتِ بنتي قبل ما تكوني مرات ابني.”

بكت ريم.

أما سيف فحس لأول مرة إن وعده ليها بدأ يتحقق.

تقدم الدكتور فؤاد ناحية القبر.

ضغط على قطعة رخام صغيرة بجوار الشاهد.

صدر صوت خافت.

ثم تحرك جزء من الرخام إلى الخلف.

ظهر تجويف صغير.

أخرج منه حقيبة جلدية سوداء ملفوفة بقماش قديم.

فتحها بحذر.

كان بداخلها جهاز تسجيل قديم، وعدة أشرطة فيديو، وملف أصفر كبير.

قال الدكتور:

“دي النسخة اللي محدش كان يعرف مكانها.”

فتح اللواء الملف.

كانت أول ورقة عبارة عن كشف بأسهم الشركة يوم تأسيسها.

قرأ الأسماء بصوت مرتفع:

“عبدالجبار المنياوي… أربعون بالمائة.”

“حسن الشافعي… أربعون بالمائة.”

“الدكتور فؤاد… عشرون بالمائة.”

شهقت ريم.

قالت:

“يعني بابا كان شريك بالنصف تقريبًا.”

هز الدكتور رأسه.

“وكان ناوي ينقل كل حصته باسمك قبل وفاته.”

فتح اللواء الظرف الثاني.

وجد وصية موثقة.

وفي آخرها توقيع حسن وبصمته.

قرأ آخر سطر بصوت واضح:

“في حالة وفاتي، تنتقل جميع حقوقي وأسهمي إلى ابنتي ريم.”

وقعت دموع ريم على الورقة.

أما عبدالجبار فأغلق عينيه وقال:

“حقك هيرجع يا بنتي.”

لكن قبل أن يكتمل المشهد…

أمسك أحد رجال الأدلة الجنائية بشريط الفيديو الأول.

قال:

“هنشغله.”

دار الشريط ببطء.

ظهرت صورة قديمة بالأبيض والأسود.

ثم بدأ التسجيل.

ظهر حسن وهو يدخل مكتبه.

بعده بدقائق…

دخل شخص آخر.

كان وجهه واضحًا تمامًا.

وفي اللحظة التي تعرف فيها عبدالجبار على ملامحه…

شهق بقوة.

وقال وهو يكاد يفقد توازنه:

“لا…”

“ده مستحيل…”

نظر إليه سيف بسرعة.

وقال:

“مين؟”

رد عبدالجبار وعيناه لا تفارقان الشاشة:

“ده… أخويا الكبير إسماعيل.”

ساد الصمت.

فالاسم الذي كانت العائلة كلها تردد أنه مات قبل ثلاثين سنة…

كان ظاهرًا في التسجيل حيًا يتحرك ويتحدث.
الجزء السادس عشر

تجمدت الأنفاس داخل الغرفة.

كل العيون اتثبتت على شاشة الفيديو.

أما الحاج عبدالجبار، فكان واقفًا كأنه شاف شبحًا.

قال سيف وهو غير مصدق:

“عمي إسماعيل؟”

هز عبدالجبار رأسه ببطء، وعيناه لم تفارقا الشاشة.

“أخويا الكبير… اللي دفناه بإيدينا.”

ساد الصمت.

اقترب اللواء من الشاشة، وأعاد اللقطة أكثر من مرة.

ملامح الرجل كانت واضحة.

نفس العينين.

نفس طريقة المشي.

ونفس الخاتم الذهبي الذي كان إسماعيل لا يخلعه أبدًا.

قال الضابط المختص:

“التسجيل سليم، ومفيش أي دليل على إنه متعدل.”

ابتلع سيف ريقه.

وقال:

“يبقى مين اللي اتدفن؟”

لم يجب أحد.

عاد الجميع ينظرون إلى الشاشة.

ظهر حسن وهو يقف أمام إسماعيل، ثم صافحه.

كان واضحًا من لغة الجسد إن بينهما خلافًا حادًا.

بعد ثوانٍ دخل شخص ثالث.

لكن الكاميرا كانت بعيدة، ووجهه لم يكن ظاهرًا بالكامل.

كل اللي بان منه إنه كان يلبس معطفًا أسود وقبعة تخفي ملامحه.

ارتفع صوت حسن في التسجيل وهو يقول:

“أنا مستحيل أوافق.”

رد إسماعيل بهدوء:

“إنت مش فاهم حجم اللي إحنا داخلين عليه.”

هز حسن رأسه بعنف.

وقال:

“أنا شاركت في شركة… مش في جريمة.”

تجمد الجميع.

أما عبدالجبار فشعر بأن الأرض تميد تحت قدميه.

همس بصوت منخفض:

“يعني حسن كان عارف.”

انقطع التسجيل فجأة.

ظهرت شاشة سوداء.

ثم عاد التسجيل مرة أخرى.

لكن هذه المرة…

كان المكتب فارغًا.

والكرسي مقلوبًا على الأرض.

وبقعة دم صغيرة بجوار الباب.

قال اللواء:

“واضح إن باقي التسجيل مفقود.”

تنهد الدكتور فؤاد.

“لأن الجزء الأخطر اتسرق.”

سأله سيف:

“مين سرقه؟”

رد بهدوء:

“إسماعيل.”

رفع عبدالجبار رأسه بسرعة.

“إسماعيل مات.”

نظر إليه الدكتور فؤاد طويلًا.

ثم قال:

“إنت شفت جثته بنفسك؟”

سكت عبدالجبار.

حاول يتذكر.

تذكر يوم الحادث.

كان التابوت مقفولًا.

والطبيب قال إن الحريق شوه الجثة بالكامل.

ولذلك لم يسمحوا لأحد برؤيتها.

أغلق عبدالجبار عينيه فجأة.

وقال:

“أنا… أنا فعلًا ما شفتوش.”

نظر إليه سيف في صدمة.

كل اللي كانت العيلة مؤمنة بيه طوال ثلاثين سنة…

بدأ ينهار.

وفي تلك اللحظة…

دخل أحد رجال المباحث مسرعًا وهو يحمل ملفًا جديدًا.

قال:

“يا فندم… لقينا حاجة في أرشيف مصلحة الأحوال المدنية.”

سأله اللواء:

“إيه هي؟”

فتح الضابط الملف.

وأخرج شهادة وفاة قديمة.

ثم وضعها أمام عبدالجبار.

قال:

“دي شهادة وفاة إسماعيل.”

نظر إليها عبدالجبار.

ثم عقد حاجبيه.

“دي مش النسخة اللي استلمناها.”

قال الضابط:

“لأن دي النسخة الأصلية.”

وأشار إلى خانة سبب الوفاة.

كانت مكتوبة بخط واضح:

“لم يتم العثور على الجثمان.”

اتسعت عينا الجميع.

أما سيف فشعر بقشعريرة تسري في جسده.

إذا لم يُعثر على الجثمان…

فمن الذي دُفن؟

وفي نفس اللحظة…

رن هاتف اللواء.

رد بسرعة.

ثم تغيرت ملامحه تمامًا.

نظر إلى سيف وقال:

“وصلنا بلاغ من حرس القصر القديم اللي على طريق الصحراء.”

سأله سيف بلهفة:

“فيه إيه؟”

رد اللواء:

“بيقولوا إن راجل مسن دخل القصر من ساعة.”

“ولما سألوه عن اسمه…”

سكت لحظة.

ثم أكمل:

“قال لهم يبلغوا عبدالجبار إن إسماعيل رجع.”
الجزء الأخير

انطلقت سيارات الشرطة بأقصى سرعة نحو القصر القديم.

كان القصر مهجورًا منذ أكثر من ثلاثين سنة، وكل أهل البلد كانوا يعتقدون أنه مسكون، لذلك لم يقترب منه أحد.

وقف سيف أمام البوابة الحديدية.

كانت مفتوحة.

وكأن صاحبها كان ينتظرهم.

دخل الجميع بحذر.

كان المكان مغطى بالغبار، لكن آثار أقدام حديثة كانت واضحة على الأرض.

تبعوها حتى وصلوا إلى القاعة الرئيسية.

وهناك…

كان رجل مسن يجلس على كرسي خشبي.

شعره أبيض بالكامل.

ووجهه يحمل ملامح العائلة نفسها.

أول ما رفع رأسه…

سقطت عصا الحاج عبدالجبار من يده.

وهمس:

“إسماعيل…”

رفع الرجل عينيه.

وبعد صمت طويل قال:

“وحشتني يا عبدالجبار.”

لم يتمالك عبدالجبار نفسه.

اقترب منه وهو يرتجف.

ثم توقف قبل أن يصل إليه.

وقال بصوت مخنوق:

“إنت عايش؟”

أجاب إسماعيل:

“أيوه… عايش.”

“لكن كنت ميت بالنسبة لكم.”

ساد الصمت.

قال سيف:

“ليه عملت كل ده؟”

تنهد إسماعيل طويلًا.

وقال:

“لأن يومها اكتشفت إن في رجال أعمال كبار بيستخدموا شركتنا في عمليات تهريب وغسيل أموال.”

“ولما حسن عرف، رفض.”

“وقال إنه هيبلغ الشرطة.”

أغمض عينيه للحظة.

ثم أكمل:

“وفي الليلة دي حاولوا يقتلوه.”

شهقت ريم.

وقال إسماعيل:

“أنا حاولت أنقذه.”

“لكن وصلت متأخر.”

نزلت دموعه لأول مرة.

“حسن مات قدامي.”

نظر إلى ريم.

وقال:

“وأقسمت فوق جثمانه إن حقك هيرجع.”

قال عبدالجبار وهو يبكي:

“وليه سبتني أصدق إنك مت؟”

رد إسماعيل:

“لأنهم كانوا بيدوروا عليا.”

“ولو عرفوا إني عايش كانوا قتلوني وقتلوك إنت كمان.”

سأل اللواء:

“والشبكة دي راحت فين؟”

رد إسماعيل:

“اتفككت مع السنين.”

“لكن بعض أفرادها فضلوا مستخبيين.”

ثم أشار إلى فارس.

“وده استغلوه.”

خفض فارس رأسه.

وقال بصوت مكسور:

“أنا طمعت.”

“في الأول كنت فاكر إني باخد حقي.”

“لكن بعد كده بقيت بسرق علشان الطمع.”

نظر إلى عبدالجبار.

“سامحني يا أبي.”

اقترب عبدالجبار منه.

وظل ينظر إليه طويلًا.

ثم قال:

“اللي بيندم يستحق فرصة.”

“لكن القانون ياخد مجراه.”

هز فارس رأسه.

ومد يديه للضابط.

وقال:

“أنا مستعد أعترف بكل حاجة.”

اقتاده رجال الشرطة بهدوء.

بعد أيام…

انتهت التحقيقات.

وثبتت كل المستندات صحة حق ريم في أسهم والدها.

وصدر الحكم بإعادة جميع حقوقها المالية.

كما أُلغيت كل العقود المزورة.

وألقي القبض على كل من شارك في إخفاء الحقيقة.

أما الدكتور فؤاد…

فثبت أنه أخطأ عندما اختار الاختفاء بدل اللجوء للقانون، لكنه ساعد في كشف المستندات التي حفظت الحقوق.

بعد عدة أشهر…

اجتمعت العائلة مرة أخرى.

لكن هذه المرة…

لم تكن هناك مؤامرات.

ولا أسرار.

ولا خطوبة مزيفة.

كان الحاج عبدالجبار يقف في حديقة الفيلا، يحمل حفيده بين ذراعيه.

ابتسم للطفل وقال:

“أول مرة أشيل حفيدي من غير خوف.”

ضحكت ريم.

وكانت تقف بجوار سيف.

التفت إليها عبدالجبار وقال أمام الجميع:

“أنا ظلمتك.”

“وأذيتك.”

“لكن لو تقبلي…”

“اعتبريني من النهارده أب تاني ليكي.”

لم تستطع ريم أن تمنع دموعها.

اقتربت منه.

وقبلت رأسه.

وقالت:

“المسامحة أصعب من الانتقام.”

“وأنا اخترت أسامح.”

ابتسم عبدالجبار.

ثم أمسك يد سيف ووضعها في يد ريم.

وقال:

“المرة دي أعلن قدام البلد كلها…”

“دي مرات ابني.”

“ودي بنتي.”

تعالت التصفيقات.

واجتمع أفراد العائلة حولهم.

أما الطفل الصغير…

فمد يده ولمس وجه جده، فضحك الجميع.

وفي المساء…

وقف سيف مع ريم في شرفة الفيلا.

نظر إلى السماء وقال:

“فاكرة أول وعد وعدتهولك؟”

ابتسمت.

“إنك هتعلن جوازنا قدام الناس.”

هز رأسه.

“اتأخرت سنة.”

“لكن ربنا عوضنا بعمر كامل.”

أسندت رأسها على كتفه.

وقالت:

“أهم حاجة إن ابننا يكبر وهو عارف إن أبوه عمره ما استعر منه.”

احتضنها سيف.

وكانت تلك أول ليلة منذ سنوات…

تنام فيها العائلة كلها بلا خوف.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *