عالشاطيء حكـايـات أسمـا السـيد

ست صورتني وأنا برضع ابني على البحر… لكن بنتي اللي عندها 8 سنين سألتها سؤال واحد خلى الشاطئ كله يسكت.
_________
ابني آدم…كان عنده تلات أسابيع بس…وكان أول يوم أخرج فيه من البيت…بعد الولادة…أما بنتي ليان…

فكانت مستنية اليوم ده من شهور…طول فترة حملي…

استحملت….وبعد ما أخوها اتولد…استحملت أكتر.

كل يوم كانت تقول: يا ماما… إمتى هنروح البحر؟

وحسيت إنها تستحق يوم…تحس فيه إنها لسه طفلة.

جهزت شنطة كبيرة…حفاضات…ورضاعات…وفوط.

وألعاب رمل…وركبنا العربية…وروحنا على شاطئ هادي…

بعيد عن الزحمة…اخترت مكان في آخر الشاطئ.

بعيد عن الناس…وفرشت المفرش…وليان بدأت تبني قلعة رمل…وهي مبسوطة…بعد شوية…

آدم بدأ يعيط…عرفت إنه جعان…قعدت تحت الشمسية.

وحطيت غطا رضاعة خفيف….مغطي كل حاجة…

ومش باين غير وشه الصغير…كنت برضعه بهدوء.

وفجأة…سمعت صوت ست بيقول باستهزاء:

— ده بقى عادي؟!رفعت راسي.

لقيتها واقفة بعيد شوية…ورافعة موبايلها…

وبتصورني…قربت أكتر…من غير أي كسوف.

وقالت بصوت عالي: قرف… الناس بقت ترضع عيالها في أي حتة! الناس بدأت تبص علينا…حاولت أتمالك نفسي.

وعدلت الغطا على آدم…وقلت بهدوء:

— أنا مغطية نفسي… كويس يا مدام…ضحكت بسخرية…وقالت: فيه رجالة وأطفال هنا… لو عايزة تعملي كده روحي الحمام…وشي احمر.

كل اللي كنت عايزاه…إن ابني يشبع…وبنتي تفرح شوية.

بدأت ألم حاجتي…وقررت أمشي…لكن فجأة…

ليان وقفت…وسابت قلعة الرمل…ومشيت لحد الست.

بصت للموبايل اللي في إيدها….وسألتها بصوت عالي…

سمعه كل اللي على الشاطئ:هو حضرتك خدتي إذن من ماما قبل ما تصوريها؟… ولا التصوير من غير إذن بقى عادي… بس رضاعة الطفل هي اللي عيب؟

في ثانية…الست وشها قلب أحمر…وسكتت.

والناس…بدل ما تبصلي أنا…بصت لها هي.

وفي اللحظة دي…راجل كان قاعد قريب…

قام من مكانه…واللي قاله قلب الدنيا عليها:

لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

@أبرز المعجبين
قام الراجل من مكانه…
وكان في أواخر الأربعينات.
اتكلم بهدوء…
لكن صوته كان عالي بما يكفي إن كل اللي حوالينا يسمعه.
قال وهو بيبص للست:
— اللي حضرتك عملتيه هو الغلط… مش الأم اللي بتأكل طفلها.
الست حاولت تضحك باستخفاف.
وقالت:
— أنا بصور منظر مستفز.
رد عليها من غير ما يعلي صوته:
— لا… إنتِ بتصوري شخص من غير إذنه… وخصوصًا أم مع طفل رضيع. ده تعدٍّ على خصوصيتها.
بدأ الناس تتجمع.
واحدة ست كبيرة كانت قاعدة تحت شمسية جنبنا قالت:
— والله البنت الصغيرة عندها حق… الأم مغطية نفسها بالكامل… هي أذّت مين؟
ورجل تاني قال:
— لو كل أم هتستخبى في الحمامات علشان ترضع طفلها… يبقى المشكلة في نظرة الناس… مش في الأم.
الست بدأت تتوتر.
ومسكت الموبايل بقوة.
وقالت:
— وأنا حرة… أصور اللي أنا عايزاه.
في اللحظة دي…
ليان قربت منها خطوة.
وقالت بمنتهى البراءة:
— لو حد صور حضرتك وإنتِ قاعدة مع ولادك… هتفرحي؟
الست سكتت.
ليان كملت:
— ماما علمتني إن الاستئذان من الأدب… حتى لو هصور صاحبتي.
الكلمات خرجت بسيطة…
لكنها أصابت الست في مكان موجع.
بدأت الهمهمات تعلو بين الناس.
— امسحي الصور.
— البنت عندها حق.
— سيبي الست في حالها.
وفجأة…
منقذ الشاطئ قرب من التجمع.
وسأل:
— في مشكلة؟
أحد الموجودين أشار إلى الست.
وقال:
— المدام بتصور السيدة دي من غير إذنها وبتضايقها.
نظر المنقذ إلى الست.
وقال بحزم:
— لو سمحتِ امسحي الصور قدامها.
الست حاولت تعترض.
لكن بعد ما لقت كل العيون عليها…
فتحت ألبوم الصور.
ومسحت الصورة…
ثم الفيديو.
وأرتني شاشة الموبايل.
وقالت بصوت منخفض:
— خلاص… اتمسحوا.
هززت رأسي.
وقلت:
— شكرًا.
كنت همشي…
لكن الست وقفتني.
قالت بعد تردد:
— أنا… آسفة.
رفعت عيني لها.
ولأول مرة…
ماكانش في صوت سخرية.
كان في إحراج حقيقي.
قالت:
— بنتك خلتني أفكر… أنا عندي حفيدة رضيعة… ومفكرتش قبل كده إن أمها ممكن تمر بنفس الموقف.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقلت:
— كلنا بنتعلم.
رجعت ليان تكمل قلعة الرمل.
وكأن شيئًا لم يحدث.
أما آدم…
فكان قد شبع…
ونام في حضني.
بصيت لبنتي…
وهي بتضحك وتلعب بالرمل.
وافتكرت إن الشجاعة…
مش دايمًا بتكون في الصوت العالي.
أوقات…
بتكون في سؤال صغير…
يسأله طفل…
فيخلي الكبار يراجعوا نفسهم.
ومن يومها…
كل ما ليان تحكي عن يوم البحر…
ما تفتكرش الست…
ولا الموبايل…
تفتكر حاجة واحدة بس.
إن احترام الناس…
يبدأ باحترام خصوصيتهم.
الجزء الثالث
افتكرت إن الموضوع انتهى…
لكن بعد حوالي عشر دقائق…
وأنا بلبس آدم هدومه…
جت بنت صغيرة تجري ناحيتي.
كان عندها تقريبًا خمس سنين.
وقالت وهي مستخبية ورا رجل أمها:
— طنط… البيبي جميل أوي.
ابتسمت.
وقلت:
— شكرًا يا حبيبتي.
أمها ابتسمت هي كمان.
وقالت بخجل:
— بصراحة… أنا كنت هرضع بنتي لما جعِت… لكن بعد اللي حصل خفت.
بصيت لها باستغراب.
قلت:
— تخافي ليه؟
قالت وهي شايلة طفلتها:
— من كلام الناس.
قبل ما أرد…
الست الكبيرة اللي كانت دافعت عني قالت بصوت عالي:
— محدش يخاف من الصح.
اللي يزعل…
يبص الناحية التانية.
كل اللي على الشاطئ هزوا رؤوسهم بالموافقة.
وأول مرة…
الأم ابتسمت.
قعدت تحت الشمسية…
وغطت نفسها بهدوء…
وبدأت ترضع بنتها.
ولا حد بص لها.
ولا حد علق.
ليان كانت بتراقب المشهد.
وجريت عليا.
وقالت بفخر:
— شفتي يا ماما؟
الطنط مرضعتش في الحمام.
ضحكت.
وضميتها.
وقلت:
— عشان فيه ناس فهمت إن الرحمة أهم من الأحكام.
في اللحظة دي…
الست اللي كانت صورتني…
قربت من الأم الثانية.
وقالت لها بهدوء:
— متقلقيش…
لو حد ضايقك…
أنا أول واحدة هقف معاك.
كلنا بصينا لها باستغراب.
واضح إن الموقف غيّر فيها حاجة.
وقبل ما نمشي…
قربت مني مرة تانية.
وقالت:
— ممكن أقولك حاجة؟
هززت رأسي.
قالت وهي دموعها في عينيها:
— أنا فقدت ابني وهو عنده شهر.
ومن يومها…
أي منظر لطفل رضيع كان بيوجعني.
افتكرت إني غضبانة منك…
لكن الحقيقة…
كنت غضبانة من نفسي ومن وجعي.
سكتُّ لحظة.
ثم قلت بهدوء:
— ربنا يربط على قلبك.
الوجع مفهوم…
لكن مينفعش يخلينا نوجع غيرنا.
هزت رأسها.
وقالت:
— عندك حق.
ثم استدارت…
ومشت ببطء.
ركبنا العربية.
ليان كانت ماسكة إزازة صابون الفقاعات.
وقالت وهي بتبص من الشباك:
— ماما…
مش كل الناس الوحشة بتفضل وحشة… صح؟
ابتسمت وأنا شغلت العربية.
وقلت:
— أيوه يا حبيبتي.
في ناس…
بتحتاج حد يفكرها بالصح.
حتى لو اللي فكرها…
طفلة عندها تماني سنين.
وانطلقنا من الشاطئ…
وأنا متأكدة أن اليوم اللي بدأ بالخوف والإحراج…
انتهى بأهم درس ممكن يتعلمه أي إنسان:
إن الاحترام يبدأ بالاستئذان… والرحمة دائمًا أقوى من السخرية.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *