امراه أخري حكـايـات أسمـا السـيد ×4

الفصل الرابع: المال الذي خرج من الظل

في اليوم التالي، لم تدخل سلمى الشركة من الباب الرئيسي.

دخلت من الجراج الداخلي، واصطحبها شريف مباشرة إلى غرفة الأرشيف المالي في الدور السادس.

كانت الغرفة باردة، مليئة بخزائن رمادية طويلة، وأجهزة كمبيوتر قديمة، وصناديق ملفات تحمل تواريخ متراكمة من سنوات.

قال شريف وهو يغلق الباب:

ـ الشاهد الجديد اسمه وليد منصور.

رفعت سلمى عينها.

ـ وليد؟ مدير الحسابات القديم؟

ـ أيوه.

ـ ده مش سافر الكويت من سنة؟

ـ ما سافرش. اختفى.

سلمى شعرت بقبضة في صدرها.

ـ اختفى ليه؟

ـ لأنه اكتشف تحويلات كبيرة جدًا، ولما حاول يبلغك، كريم هدده.

وقفت سلمى صامتة.

تذكرت وليد.

رجل هادئ، دقيق، لا يتدخل في شيء.

كان قدّم استقالته فجأة، يومها قال كريم: “ده موظف ضعيف ومش قد مسؤولية شركة كبيرة.”

وهي صدقته.

أو بالأصح، أرادت أن تصدقه.

قالت سلمى:

ـ وليد فين دلوقتي؟

ـ في مكان آمن. وهيقابلنا النهارده.

في مكان آخر، كان كريم يجلس أمام أمه في بيتها.

لم يعد يصرخ.

لم يعد يهدد.

كان ينظر إليها كأنه يراها لأول مرة.

قال بصوت منخفض:

ـ ليه؟

نادية لم ترفع عينيها.

ـ كنت بحميك.

ضحك ضحكة قصيرة ميتة.

ـ بتحميني؟ جبتِ واحدة حامل من غيري وخلتيني أتجوزها عشان تحميني؟

قالت فجأة:

ـ عشان كنت عايزاك تبقى أب!

ضرب بيده على الطاولة.

ـ بالكذب؟

ـ الناس ما بترحمش.

ـ وسلمى؟

رفعت نادية وجهها بقسوة.

ـ سلمى كانت ست بفلوس، لكن من غير عيل. كانت هتفضل مسيطرة عليك طول العمر.

نظر إليها بذهول.

ـ هي اللي كانت شايلاني.

ـ وكانت مذلاك.

قال ببطء:

ـ لا يا أمي. إنتِ اللي كنتِ مذلاني.

سكتت.

كأن الكلمة صفعتها.

أكمل:

ـ إنتِ خليتيني أكره مراتي عشان عيب فيا. خليتيني أصدق إن كرامتي مش هترجع غير لما أوجعها. خليتيني أخسر كل حاجة.

قالت ببرود:

ـ إنت اللي سرقت.

صمت كريم.

هذه المرة لم يجد دفاعًا.

عند الظهيرة، قابلت سلمى وليد منصور.

كان أنحف مما تذكر.

وجهه مرهق، وعيناه متوترتان.

جلس أمامها ووضع حقيبة صغيرة على الطاولة.

قال:

ـ آسف إني اختفيت.

قالت سلمى بهدوء:

ـ كان لازم تيجي لي.

ـ حاولت.

ـ إمتى؟

ـ قبل استقالتي بأسبوع. طلبت أقابلك، كريم منعني. قال إنك مسافرة، مع إنك كنتِ في المكتب.

تذكرت سلمى ذلك الأسبوع.

كان كريم يصر دائمًا أن يتولى هو مراجعة الحسابات، ويقول لها: “ركزي في الصفقات الكبيرة، التفاصيل الصغيرة عليا.”

التفاصيل الصغيرة كانت ملايين.

فتح وليد الحقيبة.

أخرج هارد ديسك وملفًا أحمر.

ـ دي نسخ من التحويلات. شركات وهمية. عقود صيانة غير موجودة. فواتير تدريب وهمية. وشراء أجهزة لم تدخل الشركة أصلًا.

سأل شريف:

ـ المبلغ؟

ابتلع وليد ريقه.

ـ تقريبًا خمسة وثلاثين مليون جنيه على ثلاث سنوات.

شعرت سلمى بأن الأرض مالت تحتها.

خمسة وثلاثون مليونًا.

ليس مبلغًا مسروقًا فقط.

بل سنوات من تعبها.

سهرها.

صحتها.

عمرها.

قالت بصوت بالكاد خرج:

ـ مين كان معاه؟

نظر وليد إليها بحذر.

ـ كريم… وحسام أخوه… وشخص من داخل الإدارة القانونية.

رفعت سلمى رأسها بسرعة.

ـ مين؟

صمت وليد.

ثم قال:

ـ أستاذ محمود الرفاعي.

اتسعت عيناها.

محمود.

المستشار القانوني القديم.

الرجل الذي كان يحضر اجتماعات العائلة.

الرجل الذي كان يقول لها دائمًا: “كريم راجل يعتمد عليه.”

الآن فهمت لماذا كانت كل الأوراق تبدو سليمة.

لأن من كان يحميها قانونيًا كان جزءًا من الفساد.

في المساء، وصل الخبر إلى حسام.

كان يجلس في سيارته أمام النادي عندما تلقى مكالمة من رقم مجهول.

ـ حسام الشاذلي؟

ـ أيوه.

ـ معاك وليد منصور.

تجمد.

ـ عايز إيه؟

ـ قول لأخوك إن الملفات وصلت لسلمى.

لم يرد حسام.

أغلق الخط فورًا.

بعد دقيقة واحدة، كان يتصل بكريم.

ـ إحنا اتكشفنا.

قال كريم بقلق:

ـ إيه؟

ـ وليد رجع.

ساد صمت.

ثم قال كريم:

ـ مستحيل.

ـ ومعاه الملفات.

ـ أنت متأكد؟

ـ اتصل بيا بنفسه.

سمع حسام أنفاس كريم الثقيلة.

ثم قال:

ـ محمود الرفاعي لازم يتحرك.

ـ محمود اختفى من الصبح.

ازدادت نبضات حسام.

ـ يعني إيه اختفى؟

ـ تليفونه مقفول. ومكتبه فاضي.

هنا فهم الاثنان أن الدائرة تضيق.

وأن كل واحد سيحاول النجاة بنفسه.

بعد يومين، بدأت الاستدعاءات تتوالى.

حسام.

محمود الرفاعي.

مورّدون.

موظفون سابقون.

رنا.

ماجد.

نادية.

وكريم.

الأسماء التي كانت تجلس يومًا حول موائد فاخرة وتضحك على سلمى، أصبحت الآن تُنادى في ممرات التحقيق.

وكانت سلمى كلما سمعت اسمًا جديدًا لا تشعر بالفرح.

كانت تشعر بثقل.

كأن حياتها كانت مبنية على قبو مظلم، وكلما فُتح باب ظهر خلفه باب أسوأ.

في إحدى الليالي، وقفت رنا أمام باب شقة سلمى الجديدة.

لم تكن تعرف كيف حصلت على العنوان.

لكنها جاءت.

شعرها غير مرتب.

وجهها خالٍ من المكياج.

وعيناها غارقتان في الندم والخوف.

فتحت سلمى الباب بنفسها.

لم تقل شيئًا.

قالت رنا بصوت مكسور:

ـ ممكن خمس دقايق؟

نظرت سلمى إليها.

كان بداخلها غضب يكفي لحرق المدينة.

لكنها فتحت الباب.

دخلت رنا وجلست على حافة المقعد كأنها لا تستحق الجلوس.

قالت:

ـ أنا مش جاية أطلب سماح.

قالت سلمى:

ـ كويس. عشان مش هديه.

انخفض رأس رنا.

ـ أنا جاية أقولك إن كريم هيحاول يهرب.

تجمدت سلمى.

ـ يهرب فين؟

ـ تركيا. حسام دبر له جواز سفر تاني باسم مختلف عن طريق واحد يعرفوه.

اتسعت عينا سلمى.

ـ عندك دليل؟

أخرجت رنا هاتفها.

ـ تسجيل مكالمة بينهم.

أخذته سلمى بحذر.

سمعت صوت كريم بوضوح:

“قبل ما التحقيق يربطني، لازم أطلع. سلمى لو قفلتها عليا مش هعرف أتنفس.”

وصوت حسام:

“التذكرة جاهزة. بس لازم تاخد الكاش من محمود الأول.”

أغلقت سلمى التسجيل.

رفعت عينيها إلى رنا.

ـ ليه بتساعديني؟

وضعت رنا يدها على بطنها.

ـ عشان ابني مالوش ذنب يتولد وأمه هاربة وأبوه مزور.

قالت سلمى ببرود:

ـ ابنك مش ابن كريم.

بكت رنا.

ـ عارفة.

ساد الصمت.

ثم قالت:

ـ وده جزء من العقاب. إني عرفت الحقيقة بعد ما خسرت كل حاجة.

سلمى لم تجب.

أرسلت التسجيل فورًا إلى شريف.

ثم قالت لرنا:

ـ امشي.

وقفت رنا.

ـ أنا آسفة.

ردت سلمى بعد لحظة:

ـ آسفة لا تصلح البيوت التي تهدمتموها.

خرجت رنا.

وبقيت سلمى واقفة في منتصف الصالة، تسمع صوت الباب يغلق.

لم تشعر بالانتصار.

لكنها شعرت أنها أصبحت أقرب للنهاية.

في الفجر، تم ضبط كريم قبل سفره.

كان في طريقه إلى المطار، يحمل حقيبة صغيرة، ووجهه شاحب، وجواز سفر مزورًا داخل بطانة الجاكيت.

عندما رأى رجال الأمن، لم يقاوم.

فقط أغلق عينيه.

وكأن جزءًا منه كان ينتظر هذه اللحظة.

سأله أحدهم:

ـ كريم الشاذلي؟

فتح عينيه وقال ببطء:

ـ أيوه.

في تلك اللحظة، انتهى آخر فصل من وهمه.

لم يعد صاحب الفيلا.

لم يعد المدير.

لم يعد العريس المنتصر.

كان رجلًا حاول الهروب من نتيجة أفعاله.

وفشل.

وصل الخبر إلى سلمى في السابعة صباحًا.

كانت جالسة وحدها تشرب قهوتها.

قال شريف عبر الهاتف:

ـ اتقبض عليه.

لم تتكلم.

ـ سلمى؟

قالت بهدوء:

ـ تمام.

ـ كنت فاكر هتفرحي.

نظرت إلى فنجان القهوة.

ـ أنا تعبت من الفرح بسقوط الناس.

ـ ده حقك.

ـ عارفة. بس كان نفسي حقي ييجي من غير ما حياتي كلها تتكسر الأول.

صمت شريف.

ثم قال:

ـ النهارده عندك جلسة مهمة. لازم تكوني قوية.

ابتسمت بمرارة.

ـ أنا بقيت قوية من كتر ما اتكسرت.

في الجلسة التالية، دخل كريم مكبلًا بإجراءات قانونية تحفظية، لا بقيود ظاهرة، لكن بوجه رجل فقد العالم.

نظر إلى سلمى.

كانت جالسة مستقيمة.

هادئة.

بعيدة.

كأن بينهما حياة كاملة وموت كامل.

قال بصوت خافت عندما مر بجانبها:

ـ سلمى.

لم تلتفت.

قال:

ـ أنا آسف.

هذه المرة سمعتها.

لكنها لم ترد.

لأن الاعتذار الذي يأتي بعد انكشاف الجريمة ليس ندمًا دائمًا.

أحيانًا يكون خوفًا فقط.

استمرت التحقيقات أسابيع.

كل يوم تظهر ورقة جديدة.

كل يوم ينكشف اسم جديد.

نادية اعترفت جزئيًا.

حسام حاول إنكار كل شيء، ثم انهار عندما واجهته التحويلات.

محمود الرفاعي سلّم نفسه بعد اختفائه، وادعى أن كريم أجبره.

رنا قدمت شهادتها مقابل حماية قانونية محدودة.

ماجد اعترف بدوره في الفواتير.

ووليد أصبح الشاهد الأقوى.

أما سلمى…

فكانت تحضر، توقع، تراجع، تبكي وحدها، ثم تعود في الصباح بوجه ثابت.

حتى جاء اليوم الذي استلمت فيه حكم الطلاق.

ورقة واحدة.

لكنها شعرت كأنها باب يُفتح بعد سنوات في غرفة بلا هواء.

قرأت اسمها.

ثم اسمه.

ثم عبارة الطلاق للضرر.

أغلقت عينيها.

لم تكن نهاية الألم.

لكنها كانت بداية خروجها منه.

بعد شهرين.

وقفت سلمى أمام مبنى شركتها.

كان هناك لافتة جديدة.

ليست باسم جديد.

لكن بروح جديدة.

ألغت كل امتيازات العائلة.

فصلت الفاسدين.

عينت لجنة رقابة مستقلة.

وزادت رواتب الموظفين الذين تحملوا ضغط السنوات الماضية.

وفي أول اجتماع عام، وقفت أمام الجميع وقالت:

ـ الشركة دي اتبنت بالتعب. واللي حصل كان درس قاسي. من النهارده، مفيش حد فوق المساءلة. لا قريب. لا زوج. لا صديق. ولا حتى أنا.

صفق الموظفون.

لكن سلمى لم تبتسم إلا قليلًا.

لأنها كانت تعرف أن التصفيق لا يمحو الخيانة.

لكنه يثبت أن الحياة لم تتوقف.

وفي المساء، جاءها اتصال من رقم تعرفه.

كريم.

كان من داخل محبسه الاحتياطي.

ترددت قبل الرد.

ثم أجابت.

قال بصوت هادئ مكسور:

ـ مش طالب منك حاجة.

صمتت.

ـ بس عايز أقولك إنك كنتي أحسن حاجة في حياتي… وأنا كنت أغبى من إني أحافظ عليها.

قالت سلمى بعد لحظة:

ـ لا يا كريم. أنت ما كنتش غبي. الغباء خطأ. اللي عملته كان اختيار.

سكت طويلًا.

ثم قال:

ـ سامحيني.

أغمضت عينيها.

ـ يومًا ما يمكن أسامح عشان نفسي. مش عشانك.

ثم أغلقت الخط.

ولم تبكِ.

في اليوم التالي، ذهبت سلمى إلى الفيلا للمرة الأخيرة.

لم تعد ملكها.

لكن المالك الجديد سمح لها بأخذ آخر صندوق من أغراضها.

دخلت الغرفة التي كانت يومًا غرفة أحلامها.

وجدت صندوقًا صغيرًا في الخزانة.

به صور قديمة.

صورة زفافها.

صورة أول عيد زواج.

صورة لها وهي تضحك بجانب كريم أمام شجرة الكريسماس.

نظرت إلى الصور طويلًا.

ثم لم تمزقها.

ولم تحرقها.

وضعتها في الصندوق.

وقالت لنفسها:

ـ دي كانت نسخة مني. مش عدوة. كانت بتحب بس.

أغلقت الصندوق.

وخرجت.

وعند البوابة، توقفت لحظة.

تذكرت كريم ورنا وهما يحاولان الدخول.

تذكرت الحارس.

تذكرت سقوط الحقيبة.

تذكرت أول ابتسامة بعد الخيانة.

ثم رفعت رأسها ومشت.

بعد ستة أشهر.

افتتحت سلمى فرعًا جديدًا للشركة في العاصمة الإدارية.

كانت تقف على المسرح أمام عشرات المستثمرين والصحفيين.

امرأة أنيقة.

قوية.

لكن ليست قاسية.

وعندما سألها أحد الصحفيين:

ـ ما الدرس الأكبر الذي خرجتِ به من الفترة الماضية؟

ابتسمت.

وقالت:

ـ أن الحب لا يعني أن تسلم مفاتيح حياتك لشخص آخر. وأن الطيبة بدون حدود تتحول إلى دعوة مفتوحة للاستغلال. وأن أقوى انتقام أحيانًا ليس أن تدمر من ظلمك… بل أن تستعيد نفسك كاملة.

صفق الحضور.

وفي آخر القاعة، كان والد رنا يقف بهدوء.

اقترب بعد انتهاء الافتتاح.

قال:

ـ رنا ولدت.

سلمى سكتت.

ـ ولد.

ـ ربنا يحفظه.

قال الرجل بعينين دامعتين:

ـ سمته آدم.

ابتسمت سلمى ابتسامة صغيرة.

ـ بداية جديدة.

هز الرجل رأسه.

ـ هي بتتعالج نفسيًا. وبتشتغل من البيت. بتقول إنها مش عايزة تربي ابنها على الكذب.

قالت سلمى:

ـ أتمنى تكون صادقة.

ـ بتدعيلك.

نظرت سلمى بعيدًا.

ـ تقولها تدعي لنفسها أكتر.

في نفس الليلة، عادت سلمى إلى بيتها الجديد.

ليس فندقًا.

ولا فيلا قديمة.

بيت اختارته وحدها.

بلا ذكريات موجعة.

وضعت مفاتيحها على الطاولة، وفتحت الشرفة.

كان الهواء دافئًا.

والمدينة مضيئة.

رن هاتفها برسالة من شريف:

“الحكم في قض*ية الأموال الأسبوع القادم. الموقف قوي جدًا.”

ابتسمت بهدوء.

ثم أغلقت الهاتف.

لم تعد حياتها معلقة بحكم.

ولا برجل.

ولا بعائلة.

كانت قد ربحت شيئًا أكبر من المال.

ربحت نفسها.

وقفت أمام المرآة.

نظرت إلى وجهها.

لم يكن وجه امرأة لم تُكسر.

بل وجه امرأة كُسرت… ثم أعادت بناء نفسها بيديها.

همست:

ـ أنا سلمى فؤاد. وهذه المرة… لن أسمح لأحد أن يكتب نهايتي بدلًا مني.

ثم أطفأت الضوء.

لكن داخلها…

كان النور قد بدأ أخيرًا.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *