لعبه بلاستيك حكـايـات أسمـا ×3
الجزء السادس
فضل أحمد ماسك الصورة القديمة أكتر من عشر دقايق.
كل شوية يقربها من وشه…
وبعدين يهز راسه.
قال:
— مستحيل… لو البنت دي من العيلة كنت هفتكرها.
قلت:
— يبقى لازم نعرف مين اللي بعت الظرف.
لكن الظرف ما كانش عليه أي بصمات واضحة.
ولا اسم.
ولا عنوان.
بس الرسالة فضلت شاغلة بالنا.
بعد يومين…
راح أحمد يزور عمته الكبيرة، الحاجة فاطمة.
كانت أكبر واحدة في العيلة.
وعمرها وقتها تجاوز السبعين.
أول ما شافت الصورة…
اتغير لون وشها.
وحاولت ترجعها بسرعة.
قالت:
— ارموها… الصور القديمة دي بتفتح وجع مالوش لازمة.
أحمد مسك إيدها.
وقال:
— بالله عليكي… مين البنت دي؟
سكتت.
وعينيها دمعت.
وبعد صمت طويل…
قالت:
— اسمها مريم.
اتصدم أحمد.
— مريم مين؟
قالت بصوت مكسور:
— بنت أخويا محمود.
يعني…
بنت الحاج محمود.
وأخت أحمد وسماح ويوسف.
شهقت.
وقلت:
— إزاي؟!
قالت الحاجة فاطمة:
— لأن محدش بقى يجيب سيرتها.
بدأت تحكي…
من أكتر من عشرين سنة…
كانت مريم أكبر من سماح بسنتين.
بنت هادية.
طيبة.
وكل الناس بتحبها.
لكن سماح…
من وهي صغيرة…
كانت بتغير منها بشكل غريب.
لو مريم جابت درجات أعلى…
تزعل.
لو حد مدحها…
تدخل في نوبة عصبية.
وفي مرة…
كسرت لعبها كلها.
ولما اتسألت…
قالت:
“هي تستاهل.”
لكن وقتها…
الكل قال:
“عيال صغيرة.”
وعدّى الموضوع.
كبروا…
وفي يوم…
خرجت مريم تلعب قدام البيت.
وفجأة…
اختفت.
العيلة بلغت الشرطة.
والكل فضل يدور عليها أسابيع.
لكن محدش لقاها.
واتقيدت القض*ية ضد مجهول.
ومن يومها…
الحاج محمود منع أي حد يجيب اسمها.
وشال كل صورها تقريبًا.
كأنها ما كانتش موجودة.
رجع أحمد البيت وهو مصدوم.
حكالي كل حاجة.
قلت:
— بس إيه علاقة ده بليان؟
قال:
— معرفش.
بس اللي بعت الرسالة أكيد كان عايزنا نفتش في الماضي.
في اليوم التالي…
اتصل يوسف.
وقال:
— أنا فاكر حاجة.
سألناه:
— إيه هي؟
قال:
— وأنا صغير… كنت مرة بلعب في المخزن.
وسمعت بابا وماما بيتخانقوا.
أمي كانت بتقول:
“لو كنت سمعت كلامي من الأول… ما كناش دفنا السر ده.”
وقتها ما فهمتش.
لكن بعد اللي عرفناه…
ابتديت أخاف.
وفي نفس الأسبوع…
استدعيت النيابة الحاج محمود مرة تانية.
لكن المرة دي…
مش بسبب قض*ية ليان فقط.
كان فيه استفسارات عن محاولة التأثير على الشهود وإخفاء الأدلة.
خرج من التحقيق متوتر جدًا.
ولأول مرة…
بدأت ملامح الثقة تختفي من وشه.
وفي الليل…
رن جرس البيت.
فتح أحمد الباب.
لقينا صندوق خشب صغير.
جواه…
سلسلة أطفال قديمة.
وعليها اسم محفور:
“مريم”.
وتحتها ورقة جديدة مكتوب فيها:
“الحقيقة مدفونة في البيت القديم… لكن احذروا، مش كل اللي هتعرفوه هيكون سهل تتحملوه.”
أنا بصيت لأحمد.
وقلت:
— واضح إن حد عايز الحقيقة تظهر… لكن مش قادر يظهر بنفسه.
هز رأسه وقال:
— وأيًا كان اللي هنلاقيه…
مش هرجع خطوة.
لأن اللي بدأ بقض*ية ليان…
بقى أكبر من مجرد قض*ية.
يتبع…
الجزء السابع
في صباح اليوم التالي…
وقف أحمد قدام البيت القديم.
البيت اللي عاش فيه طفولته.
كان مقفول من سنين.
الشبابيك مغطاة بالتراب.
والحديقة اللي كانت مليانة ورد…
بقت كلها حشائش يابسة.
طلع المفتاح القديم من جيبه.
كان الحاج محمود سايبه معاه من زمان، “لأي ظرف”.
لف المفتاح…
وباب البيت فتح بصوت صرير طويل.
دخلنا أنا وهو ويوسف.
كل حاجة كانت زي ما هي.
الصالون.
السفرة.
والساعة القديمة اللي وقفت عند الساعة الثامنة وعشرين دقيقة.
قال يوسف:
— غريبة… محدش دخل هنا من سنين.
بدأنا نفتش بهدوء.
الأوضة الأولى…
ما فيهاش غير أثاث قديم.
التانية…
مليانة كراتين.
أما أوضة الأطفال…
فكانت أكتر مكان وجعنا.
على الحيطة…
لقينا آثار استيكرات نجوم.
ودبدوب صغير مقطوع.
وفي ركن الأوضة…
لقينا صندوق ألعاب خشبي.
فتحناه.
كان مليان لعب قديمة.
وفجأة…
طلعت صورة صغيرة بين الألعاب.
الصورة كانت لمريم.
واضحة جدًا.
بنت عمرها حوالي سبع سنين.
وشها كله ابتسامة.
ولابسة نفس السلسلة اللي وصلتنا في الصندوق.
يوسف همس:
— دي أول مرة أشوف صورتها بوضوح.
وأثناء ما أحمد بيرجع الصندوق مكانه…
سمع صوت خبطة خفيفة.
بصينا تحت السرير.
كان فيه لوح خشب مختلف عن باقي الأرضية.
شالوه.
ولقوا تجويف صغير.
جواه…
علبة صفيح قديمة.
قفلها كان مصدي.
لكن بعد شوية…
قدر أحمد يفتحه.
كان فيها شوية رسومات أطفال.
وشريط شعر وردي.
وكشكول صغير.
أول صفحة مكتوب فيها بخط طفلة:
“أنا مريم… بابا جابلي الكشكول ده عشان أكتب فيه أسراري.”
قلبي دق بسرعة.
بدأ أحمد يقلب الصفحات.
كانت كلها حكايات بريئة.
عن المدرسة.
وأصحابها.
ولعبها مع إخواتها.
لكن في آخر الصفحات…
اتغير الخط.
وبقت الجمل قصيرة.
ومتقطعة.
“سماح زقتني النهارده.”
“قالت إنها بتكرهني.”
“ماما قالت متقوليش لبابا.”
“أنا بخاف لما سماح تتعصب.”
سكت أحمد.
وأغلق الكشكول للحظة.
كان واضح إن الكلام أثر فيه.
لكننا كملنا القراءة.
آخر صفحة كانت ناقصة.
فيها جملة واحدة فقط:
“سماح قالت إنها هتخليني أختفي…”
وبعدها…
الصفحة ممزقة بالكامل.
ساد صمت ثقيل.
قلت:
— ده يثبت إن كان فيه مشاكل بينهم…
لكن ما يثبتش إيه اللي حصل بعد كده.
هز أحمد رأسه.
— صح… ومينفعش نستنتج أكتر من اللي قدامنا.
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت باب البيت بيتفتح.
كلنا اتلفتنا.
لقينا الحاج محمود واقف عند المدخل.
وشه كان شاحب.
وأول ما شاف الكشكول…
صرخ لأول مرة:
— سيبوا الدفتر ده مكانه!
تمسك أحمد بالدفتر وقال:
— ليه يا بابا؟
اقترب الحاج محمود بخطوات بطيئة.
وكان صوته بيرتعش.
— لأن في حاجات… لو خرجت للنور… هتدمر اللي باقي من العيلة.
نظر إليه أحمد بثبات وقال:
— اللي دمر العيلة مش الحقيقة…
اللي دمرها هو السكوت.
تبادل الجميع نظرات متوترة…
وشعرنا أن المواجهة الحقيقية بين الأب وابنه قد بدأت، وأن ما سيقوله الحاج محمود بعد ذلك قد يغيّر نظرة الأسرة كلها إلى الماضي.
يتبع…
الجزء الثامن
وقف الحاج محمود في منتصف الغرفة…
وعينه ما فارقتش الكشكول.
كان باين عليه إنه مش خايف من الدفتر نفسه…
كان خايف من اللي ممكن يحصل لو حد صدق اللي فيه.
قال أحمد بهدوء:
— يا بابا… إحنا مش جايين ننتقم من حد. إحنا عايزين الحقيقة.
تنهد الحاج محمود طويلًا.
وقعد على كرسي قديم كان في ركن الأوضة.
ولأول مرة…
بان عليه إنه كبر عشر سنين في لحظة.
قال:
— الحقيقة عمرها ما كانت سهلة.
رد يوسف:
— ولا الكدب كان أنقذ حد.
سكت الأب شوية…
ثم قال:
— مريم ما اختفتش بسبب سماح لوحدها… لكنها كانت آخر واحدة شافتها.
اتسعت عيوننا.
قلت بسرعة:
— يعني إيه؟
قال:
— يومها البنات كانوا بيلعبوا في الجنينة. حصل بينهم خناق على لعبة. سماح زقتها، ومريم زعلت وجريت بره البيت وهي بتعيط.
نظر إلى الأرض وهو يكمل:
— وبعدها… اختفت.
سأله أحمد:
— يعني إنت كنت عارف إنهم اتخانقوا؟
هز رأسه.
— أيوه.
— وليه خبيت ده عن الشرطة؟
أغمض عينيه وقال:
— خفت… خفت الناس تتهم بنتي، وهي كانت لسه طفلة.
ساد الصمت.
ثم قال يوسف بغضب:
— وخوفك ده ضيع الحقيقة سنين!
لم يرد الحاج محمود.
أخذ أحمد الكشكول ووضعه في حقيبة صغيرة.
قال:
— الدفتر ده هنسلمه للمحامي. مش لأنه دليل على جري*مة… لكن لأنه جزء من تاريخ العيلة.
وافقته.
فما كُتب فيه كان يعكس مشاعر طفلة، لكنه لا يثبت ما حدث بعد اختفائها.
وقبل أن نغادر…
لفت انتباهي إطار صورة مائل على الحائط.
رفعته لأعدله.
فسقطت منه ورقة صفراء قديمة.
التقطتها.
كانت شهادة مشاركة في مسابقة رسم باسم مريم.
وفي ظهرها…
جملة مكتوبة بقلم حبر أزرق:
“لو حصل لي حاجة… دوروا عند الشجرة الكبيرة.”
نظر أحمد إلى الورقة باستغراب.
قال:
— واضح إنها كانت لعبة أطفال أو رسالة بينهم… ومش لازم يكون ليها علاقة باختفائها.
قلت:
— يمكن…
لكن الشجرة الكبيرة لسه موجودة في آخر الجنينة.
خرجنا إلى الحديقة.
كانت الشجرة العتيقة ما زالت واقفة.
جذعها ضخم…
وجذورها طالعة فوق الأرض.
بدأ أحمد ويوسف يزيحان الحجارة اليابسة من حولها.
وبعد دقائق…
اصطدمت يد يوسف بصندوق معدني صغير مدفون تحت التراب.
نظر إلينا وقال:
— لقيت حاجة!
أخرجناه بحذر.
كان الصندوق مغلقًا بقفل صدئ.
ولم نعرف ما بداخله.
نظر أحمد إليّ وقال:
— مش هنفتحه دلوقتي.
استغربت.
قال:
— بعد اللي حصل مع قض*ية ليان… أي حاجة نلاقيها لازم تتسلم للجهات المختصة الأول.
هززت رأسي موافقة.
أغلق الحقيبة، وحمل الصندوق بيديه.
وفي تلك اللحظة…
وقف الحاج محمود بعيدًا يراقبنا.
ولأول مرة…
رأيته يبكي بصمت.
لكننا لم نكن نعرف…
هل كانت دموع ندم…
أم خوف من أن يحمل الصندوق سرًا ظل مدفونًا لأكثر من عشرين عامًا؟
يتبع…