اتحبست في الاسانسير حكايات أسما ×4

الفصل السابع
أول ما خرجت من باب الشركة…
الهوا ضرب وشي.
كنت محتاجة أتنفس.
حسيت إني بقالي ساعة كاملة محبوسة…
مش في الأسانسير.
في كذبة.
ركبت تاكسي.
السواق بص في المراية وقال:
“على فين يا مدام؟”
فتحت بقي علشان أقول عنوان البيت…
لكن سكت.
هو ده بيتي فعلًا؟
البيت اللي كل ركن فيه معمول بإيدي.
الستاير اللي اخترتها.
السفرة اللي قعدنا عليها أول يوم.
الصور اللي معلقة على الحيطان.
كلها بقت فجأة غريبة.
قلت للسواق:
“وديني عند ماما.”
وصلت بعد نص ساعة.
أمي أول ما فتحت الباب ابتسمت.
وقالت:
“رجعتي بدري النهارده.”
لكن أول ما شافت وشي…
ابتسامتها اختفت.
مسكت إيدي.
وقالت:
“إيه اللي حصل؟”
أول ما دخلت الصالة…
انهرت.
فضلت أعيط أكتر من ساعة.
من غير ما أعرف أقول جملة مفيدة.
أمي ما سألتش.
فضلت قاعدة جنبي.
كل شوية تديني كباية مية.
لحد ما هديت.
حكيتلها كل حاجة.
من أول شنطة الأكل…
لحد قرار وقف كريم عن الشغل.
أمي فضلت ساكتة.
ولما خلصت…
قالت بهدوء:
“هتعملي إيه؟”
قلت من غير تردد:
“طلاق.”
هزت رأسها.
“متستعجليش.”
استغربت.
“بعد كل اللي حصل؟”
قالت:
“أنا مش بقولك ارجعي.”
“أنا بقولك متاخديش خطوة إلا وانتي ضامنة حقك.”
الكلام ده خلاني أفوق.
أول مرة أفكر بعقلي.
مش بقلبي.
في نفس اللحظة…
موبايلي رن.
كريم.
رفضت.
رن تاني.
رفضت.
بعدها بدأت الرسائل تنزل ورا بعض.
“أنا غلطان.”
“اديني فرصة أشرح.”
“أنا هسيب الشغل.”
“هقطع علاقتي بيها.”
“ردي عليا.”
قفلت الموبايل.
بعد حوالي ساعة…
جرس الباب رن.
أمي قامت تبص من العين السحرية.
رجعت وقالت:
“كريم.”
قلت:
“مش هقابله.”
فتحِت أمي الباب.
خرجت له.
سمعته بيقول بصوت مكسور:
“أنا عايز أكلمها خمس دقايق.”
أمي ردت بحزم:
“هي مش عايزة.”
قال:
“والله بموت.”
قالت:
“كان فين قلبك وهي جاية لك بالأكل؟”
سكت.
وبعدين قال:
“أنا مستعد أعمل أي حاجة.”
قالت:
“في حاجات لما بتتكسر…”
“مبتتلحمش.”
وقفت أسمع من ورا الباب.
دموعي نزلت.
مش علشانه.
على نفسي.
على البنت اللي كانت كل يوم تقوم بدري تطبخ له قبل الشغل.
على البنت اللي كانت تفرح برسالة منه.
على البنت اللي كانت فاكرة إن جوزها مختلف.
بعد عشر دقايق…
سمعنا صوت عربيته وهي بتمشي.
افتكرت إنه استسلم.
لكن تاني يوم الصبح…
وأنا بشرب القهوة مع أمي…
رن جرس الباب مرة تانية.
فتحت أمي.
لقيت شاب لابس بدلة.
في إيده ظرف كبير.
قال:
“حضرتك الأستاذة مريم؟”
قلت:
“أيوه.”
ناولني الظرف.
وقال:
“دي أوراق وصلتنا من مكتب محاماة.”
استغربت.
فتحت الظرف بسرعة.
كانت صدمة.
مش لأنها كانت أوراق طلاق…
لكن لأنها كانت إنذار رسمي من كريم يطالبني بالرجوع إلى بيت الزوجية خلال ثلاثين يومًا، وإلا سيعتبرني ناشزًا.
وقفت مصدومة.
بعد كل اللي عمله…
هو اللي بيهددني؟
وفي آخر الظرف…
كانت فيه ورقة تانية.
ورقة بخط إيده.
مكتوب فيها:
“سامحيني… ده مش قراري، أمي هي اللي أجبرتني أعمل كده، وإلا هتفضح سرًا دفنته من سنين.”
رفعت الورقة وأنا مش مستوعبة.
وقلت لنفسي:
“إيه السر اللي يخلي واحد يخرب بيته كله… علشان يفضل مستخبيه؟”
الفصل الثامن
فضلت ماسكة الورقة بإيدي.
قريتها مرة…
واتنين…
وثلاثة.
الجملة نفسها كانت بتتكرر قدام عيني.
“أمي هي اللي أجبرتني… وإلا هتفضح سرًا دفنته من سنين.”
أمي أخدت الورقة مني.
قريتها بهدوء.
وقالت:
“السر ده يا إما حقيقي… يا إما محاولة جديدة يلعب بيها على مشاعرك.”
قلت:
“وأعرف منين؟”
قالت:
“مش هتعرفي من كلامه.”
“هتعرفي بالأدلة.”
في نفس اللحظة…
رن موبايلي.
رقم غريب.
كنت هقفل.
لكن حاجة جوايا قالتلي أرد.
حطيت الموبايل على ودني.
جالي صوت ست كبيرة.
“أنا والدة كريم.”
اتجمدت.
أول مرة تتصل بيا من ساعة اللي حصل.
قالت بصوت باين عليه الإرهاق:
“أنا عارفة إنك مش طايقاني.”
“بس لازم أشوفك.”
قلت ببرود:
“معنديش كلام.”
قالت بسرعة:
“الكلام مش علشانه.”
“الكلام علشانك.”
ضحكت بسخرية.
“دلوقتي افتكرتوني؟”
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
“لو ما جيتيش…”
“هتسمعي الحقيقة من غيري.”
وقبل ما أرد…
قفلت الخط.
أمي كانت متابعة كل كلمة.
قالت:
“هتروحي؟”
فضلت ساكتة.
العقل بيقولي لأ.
لكن الفضول…
كان أقوى.
بعد ساعتين…
وصلت بيت حماتي.
أول مرة أدخله وأنا حاسة إني غريبة.
فتحتلي الباب بنفسها.
وشها كان شاحب.
وعينيها حمرا من العياط.
قالت:
“ادخلي.”
دخلت.
البيت كان هادي بشكل غريب.
لا كريم.
ولا حد.
قلت:
“هو فين؟”
قالت:
“أنا طلبت منه يمشي.”
استغربت.
قعدت قدامي.
وجابت صندوق خشب صغير من الدولاب.
كان قديم.
وعليه قفل نحاس.
طلعت مفتاح من سلسلتها.
فتحته.
كان جواه صور قديمة.
وأوراق.
وشهادة ميلاد.
وملف أصفر.
ناولتني صورة.
بصيت فيها.
كان فيها كريم…
واقف جنب راجل كبير.
يشبهه جدًا.
قلت:
“ده باباه.”
هزت رأسها بالنفي.
“لا.”
استغربت.
“إزاي؟”
قالت وهي بتتنهد:
“الرجل اللي ربّى كريم…”
“مش أبوه الحقيقي.”
سكتُّ.
قالت:
“كريم عرف الحقيقة وهو عنده عشرين سنة.”
“وأبوه اللي رباه وصّاه إن السر ده يفضل مدفون.”
فتحت الملف.
كان فيه تحليل قديم.
وأوراق نسب.
قالت:
“أبوه الحقيقي كان شريك للعيلة.”
“ولو الموضوع ده طلع…”
“هيبقى فيه ميراث قديم هيتفتح من أول وجديد.”
بصيت لها باستغراب.
“وده ماله بعلاقتي أنا؟”
نزلت رأسها.
وقالت بصوت مكسور:
“أنا كنت فاكرة…”
“لو اتجوز بنت من عيلة غنية…”
“هنقدر نواجه المشاكل دي.”
“لكن لما اتجوزك…”
“فضلت أضغط عليه.”
“وأقول له يدور على واحدة وضعها المادي أحسن.”
حسيت إن دمي غلى.
قمت واقفة.
“يعني أنا بالنسبة لك…”
“كنت مشروع فاشل؟”
بدأت تعيط.
وقالت:
“أنا غلطت.”
“وأفسدت حياة ابني.”
“وأفسدت حياتك.”
قلت بحدة:
“ابنك مش طفل.”
“هو اللي اختار يكذب.”
“وهو اللي خان.”
“ومتحاوليش تحطي كل الغلط عليكي.”
في اللحظة دي…
جرس الباب رن.
حماتي بصت من الشباك.
وشها اتغير.
همست:
“يا نهار أبيض…”
قلت:
“في إيه؟”
ردت وهي مرعوبة:
“ده…”
“أبو كريم الحقيقي.”
وساد صمت ثقيل…
بينما دوى طرقٌ قوي على الباب، كأن الماضي كله جاء يطالب بحقه.

الفصل التاسع
فضلت أبص لحماتي.
قلت باستغراب:
“إزاي؟ مش قولتي إنه اختفى من سنين؟”
قالت وهي بتترعش:
“اختفى… لكن ماتش.”
وقبل ما أستوعب…
خبط الباب اتكرر.
أقوى.
قامت فتحت.
دخل راجل في أواخر الستينات.
ملامحه حادة.
شعره كله أبيض.
لكن حضوره كان يفرض نفسه.
أول ما دخل، بص ناحيتي باستغراب.
وقال:
“حضرتك مريم؟”
قلت بحذر:
“أيوه.”
هز رأسه.
وبعدين بص لحماتي.
وقال بلهجة فيها غضب مكتوم:
“وصلتيها للحقيقة؟”
ردت وهي بتبكي:
“لسه.”
قال:
“يبقى أنا هقول.”
قعد على الكرسي.
وسكت شوية.
كأنه بيرتب كلامه.
ثم قال:
“أنا اسمي فؤاد.”
“وأنا فعلًا الأب البيولوجي لكريم.”
“لكن عمري ما ربيته.”
“لأن أمه منعتني أشوفه.”
حماتي صرخت:
“كداب!”
رد بهدوء:
“معايا أحكام المحكمة.”
فتح شنطة جلد كانت معاه.
طلع منها ملف مليان أوراق.
وحطه على الترابيزة.
أنا ما كنتش فاهمة.
قلت:
“كل ده ماله بخيانة كريم؟”
بصلي مباشرة.
وقال:
“مالوش.”
“وده أهم حاجة لازم تعرفيها.”
استغربت.
قال:
“ابني غلط.”
“وخانك.”
“وده قرار هو اللي أخده.”
“بلاش حد يقنعك إن السبب أسرار قديمة أو ميراث.”
حماتي نزلت راسها.
أما هو فكمل:
“أنا جيت النهارده بعد ما عرفت اللي حصل في الشركة.”
“مش علشان أدافع عنه.”
“لكن علشان أمنع حد يضحك عليكي.”
طلع ظرف تاني.
وقال:
“اقري.”
فتحت الظرف.
كان فيه صور.
لكن مش صور لياسمين.
كانت صور لكريم…
واقف مع والدته قدام مكتب محامٍ.
وتاريخها من أربعة شهور.
وفي صورة تانية خارجين من نفس المكتب.
قلت:
“إيه ده؟”
قال:
“دي كانت أول مرة أعرف إن ابنـي عايش.”
“روحت أقابله.”
“وقلتله إن نصيبه من الميراث موجود.”
“لكن بشرط.”
سألته:
“شرط إيه؟”
قال:
“إنه يصلح حياته.”
“ويعيش بشرف.”
“ويرجع لمراته.”
“لأن المحامي كان جابلي معلومات إنه متجوز.”
تنهد.
ثم أكمل:
“بعدها اختفى.”
“وبعدها عرفت إنه دخل في علاقة تانية.”
بصيت لحماتي.
كانت ساكتة.
فؤاد قال بحزم:
“محدش هدده.”
“ولا حد أجبره.”
“هو اختار.”
الجملة دي كانت كأنها آخر مسمار.
لأن الرسالة اللي كتبها كريم كانت بتحاول تحمل المسؤولية لغيره.
لكن الحقيقة…
كانت غير كده.
في نفس اللحظة…
رن جرس الباب مرة تانية.
فتحت حماتي.
وكان كريم.
أول ما شاف فؤاد…
وقف مكانه.
وقال بصدمة:
“إنت هنا؟”
رد فؤاد:
“أيوه.”
“وجيت أسمعك تقول الحقيقة بنفسك.”
كريم بصلي.
كانت عينيه مليانة ندم.
وقال:
“مريم…”
“أنا مش هطلب منك ترجعي.”
“لأني عارف إني خسرتك.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“لكن في حاجة لازم تعرفيها.”
رفعت عيني له.
فأخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا فضيًا.
ووضعه على الطاولة.
وقال:
“ده مفتاح خزنة.”
“فيها كل حاجة.”
“كل الرسائل.”
“وكل العقود.”
“وكل التسجيلات.”
“حتى الحاجات اللي تثبت إن ياسمين كانت ضحية زيك.”
ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال:
“بعد ما تشوفي اللي فيها…”
“احكمي عليا بالطريقة اللي تستحقيها.”
وساد الصمت في الغرفة…
بينما بقيتُ أحدق في المفتاح الصغير، وأنا أشعر أن ما بداخل تلك الخزنة قد يغيّر كل ما كنت أظن أنني عرفته حتى الآن.
الفصل العاشر
فضلت أبص للمفتاح في كف إيدي.
كان صغير.
فضي.
وعليه رقم محفور:
217
قلت بهدوء:
“الخزنة فين؟”
رد كريم:
“في بنك.”
“استأجرتها من سنة.”
بصيت له باستغراب.
“من سنة؟”
هز رأسه.
“أول ما بدأت أغلط.”
الجملة دي خلت الكل يبص له.
حتى أمه.
قالت بعصبية:
“يعني كنت عارف إنك بتدمر حياتك؟”
رد وهو منزل راسه:
“أيوه.”
خرج فؤاد من جيبه كارت.
وقال:
“البنك ده قريب.”
“ولو حابة أعرف الحقيقة معاكم.”
قلت:
“لا.”
“هروح لوحدي.”
أول مرة من ساعات…
حسيت إني لازم أواجه كل حاجة بنفسي.
بعد ساعة…
كنت قاعدة قدام موظف البنك.
ناولته بطاقتي.
والمفتاح.
راجع البيانات على الكمبيوتر.
وقال:
“حضرتك صاحبة تصريح الدخول؟”
استغربت.
“أنا؟”
لف الشاشة ناحيتي.
كان فيه ورقة ممضية باسم كريم.
مكتوب فيها:
“في حالة حضوري بصحبة زوجتي مريم، أو في حالة طلبي تسليمها محتويات الخزنة، يتم السماح لها بالاطلاع على كل المحتويات.”
وقعت على الاستلام.
وبعد دقائق…
رجع الموظف بصندوق حديدي طويل.
حطه قدامي.
وقال:
“اتفضلي.”
أول ما فتحته…
لقيت أربع حاجات.
فلاشة سوداء.
وملف أزرق.
وظرف أبيض.
ودفتر صغير.
بدأت بالدفتر.
كان مكتوب على أول صفحة:
“لو مريم بتقرأ الكلام ده… يبقى أنا خسرتها.”
قفلت الدفتر فورًا.
مش قادرة.
حسيت إني لو كملت هنهار.
ففتحت الملف الأزرق.
كان فيه صور.
لكن مش صور خيانة.
صور تحويلات بنكية.
إيصالات.
كشوف حساب.
وكلها باسم كريم.
المبالغ كانت كبيرة.
مرة مائتين ألف.
ومرة مية وخمسين.
ومرة تلاتمية ألف.
والمستفيد…
شركة باسم غريب.
“النور للاستثمار.”
ولا مرة سمعت عنها.
فتحت الظرف الأبيض.
كان فيه عقد.
قرأته بسرعة.
واتجمدت.
العقد بيقول إن كريم ضامن شخصيًا قرضًا بمبلغ ضخم.
ولو القرض ما اتسدش…
هيتحجز على شقتنا.
وشقتنا…
كانت باسمه.
لكنها بيتي.
البيت اللي عشت فيه.
حسيت إن أنفاسي اتلخبطت.
يعني وأنا فاكرة إن أكبر مصيبة هي الخيانة…
كان فيه كارثة مالية مستخبية.
طلعت الفلاشة.
كان جنب الموظف جهاز كمبيوتر مخصص لمراجعة الملفات.
استأذنته.
وشغلتها.
ظهر فيديو.
كريم.
قاعد قدام الكاميرا.
واضح إنه صوره بنفسه.
بص للعدسة وقال:
“لو بتشوفي الفيديو ده يا مريم…”
“يبقى كل حاجة انتهت.”
سكت ثواني.
ثم قال:
“أنا خنتك.”
“ودي أكبر غلطة في حياتي.”
“لكن في حاجة لازم تعرفيها.”
“الفلوس اللي اختفت من حساباتي…”
“ولا جنيه منها اتصرف على ياسمين.”
استغربت.
كمل:
“كل المبالغ دي كانت بتروح لشركة كنت شريك فيها.”
“واكتشفت متأخر إنها شركة وهمية.”
“واحد من أقرب أصحابي نصب عليا.”
“ولما غرقت في الديون…”
“بدل ما أواجهك بالحقيقة…”
“هربت.”
“هربت في الشغل.”
“وهربت في علاقة غلط.”
“وكل مرة كنت بقول بكرة أصلح.”
“لحد ما ضيعت كل حاجة.”
قفلت الفيديو.
ما حسيتش بأي تعاطف.
لأن مهما كانت أزمته…
كانت قراراته هي اللي وصلته لكده.
لكن قبل ما أقفل الصندوق…
لاحظت ظرفًا صغيرًا مخبيًا تحت الدفتر.
كان مكتوب عليه بخط واضح:
“لا يُفتح إلا إذا قررت مريم الطلاق.”
وقفت مكاني.
مديت إيدي ناحيته…
ثم ترددت.
كان عندي إحساس إن الورقة اللي جواه…
هتحدد النهاية الحقيقية لكل اللي حصل.
الفصل الأخير

فضلت أبص للظرف دقيقة كاملة.

إيدي كانت بتترعش.

وأخيرًا…

فتحته.

كان جواه ورقة واحدة فقط.

بخط كريم.

«”مريم…

لو وصلتي للظرف ده، يبقى معناه إنك اخترتي تمشي.

وأنا لأول مرة في حياتي… هحترم اختيارك.

الشقة اتنقلت باسمك من أسبوع.

أنا مضيت عقد التنازل عند المحامي.

ومش هطعن عليه.

العربية كمان باسمك.

والحساب المشترك اتقفّل، لكن حولت كل اللي فيه لحسابك.

مش علشان أشتري رضاكي…

لأن مفيش فلوس في الدنيا تشتري ثقة اتكسرت.

لكن علشان أعرف أني على الأقل خرجت من حياتك من غير ما أظلمك ماديًا زي ما ظلمتك إنسانيًا.”»

فضلت أقرأ السطور أكتر من مرة.

وبعدين لقيت ورقة تانية.

كانت وكالة رسمية لمحاميه.

فيها تعليمات واضحة:

إذا تقدمت مريم بطلب الطلاق…

لا يتم الاعتراض.

ولا يتم طلب إنذار طاعة.

ولا أي دعوى ضدها.

ابتسمت لأول مرة من ساعة ما بدأت الكارثة.

مش ابتسامة فرح…

ابتسامة راحة.

عرفت إن المعركة انتهت قبل ما تبدأ.

—

بعد يومين…

كنت قاعدة في مكتب المحامي.

بمضي أوراق الطلاق.

المحامي سألني:

“متأكدة؟”

بصيت قدامي.

وقلت:

“أنا سامحته كإنسان.”

“لكن مستحيل أرجع أثق فيه كزوج.”

هز رأسه.

وقال:

“أوقات الطلاق بيكون أقل وجعًا من استمرار الحياة بالغصب.”

مضيت.

وانتهى الجواز رسميًا.

—

بعد أسبوع…

اتصلت بيا ياسمين.

قالت:

“أنا آسفة.”

قلت:

“إنتِ مش السبب.”

قالت:

“استقلت من الشركة.”

قلت:

“ربنا يعوضك.”

وسكتنا.

كل واحدة فينا كانت ضحية لنفس الشخص…

لكن كل واحدة بدأت طريق جديد.

—

أما كريم…

فالتحقيق الداخلي انتهى.

وثبت إنه قدّم بيانات غير صحيحة للشركة، واستغل صلاحياته في بعض الإجراءات الإدارية، فتم إنهاء خدمته.

ولأن الشركة الوهمية اللي استثمر فيها كانت قضية نصب كبيرة…

استدعته النيابة كشاهد، بعد القبض على أصحابها.

خسر منصبه.

وخسر سمعته.

وخسر البيت.

لكن أكتر حاجة خسرها…

كانت الإنسانة اللي صدقته من غير شروط.

—

بعد ستة شهور…

بدأت أشتغل من البيت.

كنت بعرف أطبخ.

وصاحباتي شجعوني أعمل مشروع أكل بيتي.

في الأول كنت بجهز عشر وجبات في اليوم.

بعدها بقوا خمسين.

وبعد سنة…

استأجرت مطبخًا صغيرًا.

ووظفت أربع سيدات أرامل.

كنت كل يوم وأنا بلف ورق العنب…

أفتكر شنطة الأكل.

الشنطة اللي خرجت بيها من البيت وأنا فاكرة إني رايحة أفرح جوزي.

وابتسم.

لأنها كانت بداية النهاية…

وفي نفس الوقت…

بداية حياتي.

—

وفي يوم…

وأنا خارجة من البنك…

سمعت حد بينادي:

“مدام مريم.”

لفيت.

كان كريم.

لكن مش كريم اللي أعرفه.

وشه باين عليه التعب.

وشعره بدأ يشيب.

ولابس هدوم بسيطة.

وقف بعيد.

من غير ما يقرب.

وقال:

“مبروك على مشروعك.”

قلت:

“شكرًا.”

ابتسم بحزن.

وقال:

“كل مرة أشوف عربية التوصيل عليها اسم مشروعك… أعرف إنك نجحتي.”

سكت لحظة.

ثم قال:

“أنا كنت فاكر إن الخيانة بتبدأ في لحظة.”

“لكن اكتشفت إنها بتبدأ بأول كذبة.”

“وأول كذبة قلتها… كانت السبب في ضياع كل حاجة.”

بصيت له بهدوء.

وقلت:

“وأنا اتعلمت إن الثقة أغلى من الحب.”

“لأن الحب ممكن يرجع…”

“لكن الثقة لو اتكسرت…”

“صعب جدًا تتصلح.”

هز رأسه.

وقال:

“عندك حق.”

ثم لف ومشى.

من غير ما يبص وراه.

وأنا كملت طريقي.

من غير ما أنادي عليه.

لأن بعض النهايات…

بتكون عادلة.

مش لأنها بتعاقب حد…

لكن لأنها بتدي لكل واحد نتيجة اختياراته.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *