اغني رجل بالمدينه حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الخامس: الحقيقة التي لم يتوقعها أحد
اندفعت السيارة السوداء بين شوارع القاهرة…
وكانت أصوات السيارات المختلطة بصفارات الشرطة تملأ المكان.
ليلى كانت تمسك حقيبتها بكلتا يديها.
وعيناها لا تفارقان المرآة الجانبية.
السيارتان اللتان تطاردانهما لم تتراجعا.
قالت بغضب:
“قف… أنزلني.”
نظر إليها عمر للحظة قصيرة ثم أعاد عينيه إلى الطريق.
وقال بهدوء:
“لو نزلتِ الآن… لن تمري خمس دقائق وأنتِ حية.”
أجابت بحدة:
“أنا لا أثق بك.”
ابتسم ابتسامة خافتة.
وقال:
“وأنا لو كنت مكانك… لما وثقت بنفسي أيضًا.”
ساد الصمت.
لكن المطاردة استمرت.
وفجأة…
انعطف عمر داخل موقف سيارات قديم أسفل أحد المباني.
أطفأ المحرك.
واختفت السيارة بين عشرات السيارات المتوقفة.
مرت سيارات المطاردين من الخارج دون أن تلاحظ مكانهما.
تنفست ليلى للمرة الأولى منذ دقائق.
لكنها لم تنظر إليه.
قال عمر:
“الآن افتحي الفلاشة.”
أخرجتها من حقيبتها.
وقالت:
“لن أفتحها إلا أمام شخص أثق به.”
أجاب:
“إذن افتحيها بنفسك.”
…
بعد دقائق…
وصلا إلى شقة صغيرة يملكها عمر منذ سنوات.
لم تكن فيلته الفاخرة.
بل شقة قديمة كان يستخدمها عندما يريد الابتعاد عن الجميع.
أغلق الباب بنفسه.
وأغلق الهواتف.
ثم أخرج جهاز كمبيوتر محمولًا لا يتصل بالإنترنت.
قال:
“هنا لن يستطيع أحد اختراق الجهاز.”
نظرت إليه ليلى باستغراب.
وسألته:
“واضح أنك كنت تتوقع شيئًا كهذا.”
رد بهدوء:
“في عالم رجال الأعمال…
الخيانة ليست مفاجأة.”
…
وضعت ليلى الفلاشة في الجهاز.
ظهرت ملفات جديدة لم يروها من قبل.
كان أحدها يحمل اسمًا غريبًا:
“في حالة وفاتي.”
ضغطت عليه.
ظهر والدها مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
كان يبدو أكثر إرهاقًا.
قال:
“إذا وصلتم إلى هذا التسجيل…
فاعلموا أن هناك شخصًا داخل مجموعة الكيلاني يعمل لصالح مروان عزمي.”
نظر عمر إلى الشاشة باهتمام شديد.
أكمل الدكتور سامي:
“هذا الرجل كان ينقل كل اجتماعات الشركة…
وكل العقود…
وكل الأسرار.”
ثم أخرج ورقة أمام الكاميرا.
وقال:
“اسمه مكتوب هنا.”
تعلقت أنظار ليلى وعمر بالشاشة.
لكن قبل أن يظهر الاسم…
توقف التسجيل فجأة.
وأصبحت الشاشة سوداء.
صرخت ليلى:
“لا… مستحيل.”
حاول عمر تشغيل الملف مرة أخرى.
لكن دون فائدة.
قال وهو يضغط على أسنانه:
“آخر جزء محذوف.”
…
في تلك اللحظة…
رن هاتف عمر.
كان مساعده الشخصي.
أغلق الخط مباشرة.
ثم رن مرة ثانية.
ومرة ثالثة.
أجاب أخيرًا.
جاءه صوت المساعد مرتبكًا:
“أستاذ عمر… لازم ترجع الشركة فورًا.”
“في إيه؟”
“مجلس الإدارة اجتمع من غير علم حضرتك.”
“وبعدين؟”
“صوتوا على قرار بعزلك من منصب رئيس مجلس الإدارة.”
وقف عمر فجأة.
وقال بصدمة:
“إزاي؟”
رد المساعد:
“في حد اشترى نسبة كبيرة من الأسهم خلال الأيام الماضية.”
سأل عمر بصوت منخفض:
“مين؟”
جاءه الرد الذي لم يتوقعه.
“شركة استثمار أجنبية…”
ثم سكت المساعد لحظة.
وأضاف:
“لكن التحريات بتقول إنها مجرد واجهة…”
“والمالك الحقيقي…”
“هو مروان عزمي.”
…
أغلق عمر الهاتف ببطء.
كانت الصدمة واضحة على وجهه.
قالت ليلى:
“إذن الرجل الذي تسبب في موت أبي…”
“يريد الآن تدميرك أنت أيضًا.”
نظر إليها لأول مرة دون أي غرور.
وقال:
“لا…”
“هو يريد شيئًا واحدًا فقط.”
سألته:
“ماذا؟”
أجاب وهو ينظر إلى الفلاشة:
“يريد أن يتأكد أن الحقيقة لن تظهر أبدًا.”
وفي اللحظة نفسها…
سمعا صوتًا خافتًا خارج باب الشقة.
ثم صوت مفتاح يحاول فتح القفل من الخارج.
نظر عمر إلى ليلى.
وأشار إليها أن تلتزم الصمت.
أما الشخص الذي يقف خلف الباب…
فقد ابتسم وهو يهمس:
“وجدتهما.”
ثم بدأ القفل يدور ببطء…
يتبع…
الفصل السابع: أمانة تحت شجرة الياسمين
ظلت ليلى تردد الكلمات في عقلها…
“أمانة أبوكي… تحت شجرة الياسمين.”
وفجأة…
نهضت من مكانها.
وقالت بصوت مرتجف:
“يا جدتي…”
نظر إليها عمر ومحمود في الوقت نفسه.
قالت:
“زمان وأنا صغيرة… كنت كل ما أسأل جدتي عن بابا…”
“كانت ترد الجملة دي.”
“وكنت فاكرة إنها مجرد دعاء.”
اقترب محمود منها بسرعة.
وقال:
“فين شجرة الياسمين؟”
أغلقت ليلى عينيها للحظات…
ثم تذكرت.
البيت القديم.
المنزل الذي تربت فيه قبل أن يضطروا لبيعه بعد وفاة والدها.
كان في حي شبرا.
وفي فناء المنزل…
كانت توجد شجرة ياسمين ضخمة زرعها والدها بنفسه.
قالت:
“لازم نروح هناك.”
لكن محمود هز رأسه بقوة.
“مستحيل.”
“أكيد مروان مراقب كل تحركاتكم.”
نظر عمر إلى ليلى.
وقال:
“لو كانت الخزنة هناك فعلًا…”
“فهو غالبًا سبقنا.”
…
في اللحظة نفسها…
رن هاتف ليلى.
كان رقم جدتها.
ردت بسرعة.
لكن الصوت الذي جاءها…
لم يكن صوت الحاجة فاطمة.
بل صوت رجل.
هادئ…
بارد…
ومليء بالثقة.
قال:
“مساء الخير يا آنسة ليلى.”
تجمد الدم في عروقها.
“مين؟”
ضحك الرجل.
وقال:
“واضح إننا اتأخرنا في التعارف.”
“أنا مروان عزمي.”
انتفض عمر من مكانه.
وحاول أن يأخذ الهاتف.
لكن ليلى أشارت إليه أن يصمت.
قال مروان:
“جدتك عندي.”
شعرت ليلى وكأن الأرض انهارت تحت قدميها.
صرخت:
“لو لمستها…”
قاطعها بهدوء.
“ما زالت بخير.”
“لكن صحتها لا تسمح بالانتظار.”
“وأنتِ تعرفين ذلك.”
سال الدمع من عينيها.
وقالت:
“عايز إيه؟”
رد بابتسامة تكاد تُسمع في صوته.
“الخزنة.”
“هاتيهالي…”
“وهرجعلك جدتك.”
أغلقت الهاتف دون أن ترد.
ثم انهارت جالسة على الأرض.
…
قال عمر بحزم:
“لن تذهبي وحدك.”
رفعت رأسها.
“دي جدتي.”
“هي كل اللي فاضل لي.”
اقترب منها.
وقال لأول مرة بصوت خالٍ من أي كبرياء:
“ومن النهارده…”
“مش هتواجهي أي حاجة لوحدك.”
نظرت إليه طويلًا.
كانت هذه أول مرة ترى عمر الكيلاني…
بعيدًا عن البدلة الفاخرة…
وبعيدًا عن غروره.
رأت رجلًا يشعر بالذنب…
ويحاول إصلاح ما أفسده القدر.
…
بعد ساعة…
وصل الثلاثة إلى شارع قديم في شبرا.
كان المنزل ما يزال قائمًا.
لكنه أصبح مهجورًا.
الجدران متشققة.
والنوافذ مكسورة.
أما شجرة الياسمين…
فكانت لا تزال في مكانها.
رغم مرور كل تلك السنوات.
اقتربت ليلى منها.
ومررت يدها على جذعها.
وهمست:
“بابا…”
ثم بدأت تحفر.
ساعدها عمر.
ومحمود.
وبعد دقائق…
اصطدمت المجرفة بشيء معدني.
نظر الثلاثة إلى بعضهم.
وأكملوا الحفر.
حتى ظهرت…
خزنة حديدية صغيرة.
مغطاة بالصدأ.
أخرجها عمر بصعوبة.
كانت مغلقة برقم سري.
قال محمود:
“حد يعرف الرقم؟”
ابتسمت ليلى وسط دموعها.
وقالت:
“تاريخ ميلاد أمي.”
أدارت الأرقام ببطء.
وفجأة…
صدر صوت خفيف.
وانفتح الباب.
لكن ما وجدوه بالداخل…
لم يكن أموالًا.
ولا مجوهرات.
كان ملفًا أحمر.
وعقدًا قديمًا.
وصندوقًا مخمليًا صغيرًا.
فتحت ليلى الصندوق.
لتجد خاتمًا فضيًا بسيطًا.
وتحته ورقة صغيرة بخط والدها.
كتب فيها:
“إذا وصلتِ إلى هنا يا ليلى…”
“فاعلمي أن الحقيقة ليست داخل الملف…”
“بل داخل الشخص الذي سيحاول أخذه منك.”
نظر الثلاثة إلى بعضهم في حيرة.
وفي اللحظة نفسها…
سمعوا صوت تصفيق بطيء يأتي من خلفهم.
استداروا بسرعة.
ليجدوا مروان عزمي يقف على بعد أمتار قليلة…
وحوله أكثر من عشرين رجلًا مسلحًا.
ابتسم ابتسامة باردة.
وقال:
“أحسنتم…”
“لقد وفرتم عليّ سنوات من البحث.”
ثم مد يده نحو ليلى.
وقال:
“الآن…”
“سلمي الخزنة.”
يتبع…الفصل الثامن: المواجهة الأولى
ساد الصمت.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف.
كانت يد ليلى لا تزال تمسك بالخزنة بقوة.
بينما وقف عمر الكيلاني أمامها دون أن يشعر.
وكأنه يحاول أن يحجبها بجسده.
ابتسم مروان عزمي.
وقال ساخرًا:
“واضح إنك مستعد تموت علشان بنت عرفتها من كام يوم.”
رد عمر دون أن يهتز:
“أنا مستعد أموت علشان الحقيقة.”
ضحك مروان بصوت مرتفع.
وأشار إلى رجاله.
فأحاطوا بالمكان من كل اتجاه.
قال:
“الحقيقة يكتبها الأقوياء يا عمر.”
“والضعفاء يكتفون بقراءتها.”
…
اقترب محمود السيوفي خطوة.
وقال:
“خمس عشرة سنة من الدم… ولسه ما شبعتش؟”
نظر إليه مروان باحتقار.
ثم قال:
“أنت كان المفروض تموت مع سامي.”
أجابه محمود بثبات:
“يمكن…”
“لكن ربنا سابني أعيش اليوم ده.”
…
اقترب أحد رجال مروان من ليلى.
وقال:
“هاتِ الخزنة.”
لكن قبل أن يلمسها…
دفَعه عمر بقوة.
وسقط الرجل على الأرض.
وخلال ثوانٍ…
تحول المكان إلى فوضى.
اندفع رجال مروان نحو عمر.
ورغم أنهم كانوا أكثر عددًا…
ظل يقاوم بكل ما يملك.
استغل محمود الفوضى.
وأمسك بيد ليلى.
وقال:
“اجري.”
ركضا بين الأشجار.
بينما بقي عمر وحده يواجه الرجال.
صرخت ليلى:
“عمر…!”
لكنه التفت إليها وهو يلهث.
وقال:
“احمي الخزنة…”
“ومتبصيش وراكي.”
…
ركضت ليلى حتى وصلت إلى سور المنزل القديم.
لكنها فوجئت برجل يقف أمامها.
كان يحمل س-لاحًا.
ابتسم وقال:
“انتهى الهروب.”
ارتجفت.
لكن قبل أن يتحرك نحوها…
انطلقت عصا خشبية وضربته بقوة على كتفه.
سقط الس*-*لاح من يده.
وكانت المفاجأة…
أن من أنقذها…
الحاجة فاطمة.
وقفت الجدة بصعوبة.
تتنفس بسرعة.
وقالت:
“لسه جدتك تعرف تضرب.”
ركضت ليلى إليها واحتضنتها وهي تبكي.
“إنتِ كويسة؟”
ابتسمت الجدة رغم التعب.
وقالت:
“هربت منهم…”
“مش هسيب بنت ابني لوحدها.”
…
وفي الجهة الأخرى…
كان عمر قد تلقى عدة ضربات.
لكن عينيه بقيتا مثبتتين على مروان.
اقترب منه الأخير.
وقال:
“أبوك خسر قدامي…”
“وأنت هتخسر زيه.”
ابتسم عمر رغم الدم الذي يسيل من جبينه.
وقال:
“أنت لحد النهارده…”
“مش فاهم أبويا.”
قطب مروان حاجبيه.
فأكمل عمر:
“هو مات…”
“لكن مبادئه لسه عايشة.”
…
في تلك اللحظة…
ارتفع صوت صفارات الشرطة من بعيد.
تغيرت ملامح مروان.
نظر إلى أحد رجاله.
وصاح:
“انسحبوا.”
لكن قبل أن يركب سيارته…
نظر إلى ليلى.
وقال بصوت مرتفع:
“احتفظي بالخزنة…”
“لأنك لما تفتحي الملف الأحمر…”
“هتتمني إنك ما عرفتي الحقيقة أبدًا.”
ثم انطلقت السيارات بسرعة واختفت.
…
بعد دقائق…
جلس الجميع داخل المنزل القديم.
وضعت ليلى الملف الأحمر فوق الطاولة.
كانت يدها ترتجف.
نظر إليها عمر.
وقال بهدوء:
“إحنا وصلنا لآخر السر.”
هزت رأسها.
ثم فتحت الملف ببطء.
سقطت أول ورقة أمامها.
كانت…
شهادة ميلاد قديمة.
لكن الاسم المكتوب عليها…
جعل وجه الحاجة فاطمة يشحب.
وسقطت الورقة من يد ليلى.
همست الجدة وهي تبكي:
“لا…”
“هو عرف يوصل لها…”
نظر عمر إلى الشهادة بسرعة.
ثم اتسعت عيناه في ذهول.
لأن اسم الأم كان معروفًا…
أما اسم الأب…
فكان مفاجأة لم يتوقعها أحد.
عبدالرحمن الكيلاني.
نظر عمر إلى ليلى…
ثم إلى الجدة.
وقال بصوت بالكاد يُسمع:
“يعني…”
“ليلى…”
“أختي؟!”
وسقط الصمت على المكان…
بينما كانت الحقيقة التي ظن الجميع أنهم وصلوا إليها…
مجرد بداية لسر أكبر بكثير.
يتبع…
الفصل التاسع: الحقيقة المزيفة
ساد الصمت.
كان عمر لا يزال يحدق في شهادة الميلاد.
وليلى تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالصدمة.
أما الحاجة فاطمة…
فكانت تبكي وهي تردد:
“كنت عارفة إن اليوم ده هيحصل…”
قال عمر بصوت مبحوح:
“يعني… إحنا إخوات؟”
هزت الجدة رأسها بعنف.
وقالت:
“لا!”
نظر إليها الجميع في وقت واحد.
أمسكت الحاجة فاطمة بالشهادة.
ثم مزقتها إلى نصفين.
وقالت:
“دي مزورة.”
تجمدت ليلى.
“إيه؟”
قالت الجدة وهي تحاول التقاط أنفاسها:
“أبوكِ… الدكتور سامي… هو أبوكي الحقيقي.”
“وعمر… ابن عبدالرحمن الكيلاني.”
“أما الورقة دي… فاتعملت مخصوص علشان توقعكم في بعض.”
سأل محمود السيوفي بدهشة:
“لكن ليه؟”
أجابت الجدة:
“لأن مروان كان عارف إن أول ما تشوفوا الورقة… هتشكوا في كل حاجة.”
“وساعتها هتضيع الحقيقة وسط الكذب.”
…
فتح محمود الملف الأحمر من جديد.
وبدأ يقلب الأوراق بعناية.
ثم توقف فجأة.
وقال:
“استنوا…”
كانت هناك ورقة ملتصقة في الغلاف الداخلي.
سحبها بحذر.
فوجد تقريرًا رسميًا من مصلحة الأحوال المدنية.
وبداخله ختم أصلي.
وفيه بيانات ميلاد ليلى الحقيقية.
الأب: الدكتور سامي عبدالرحمن.
الأم: منى سامي.
تنفست ليلى الصعداء.
أما عمر…
فجلس على الكرسي وهو يغلق عينيه.
وقال:
“الحمد لله.”
ابتسمت الجدة لأول مرة منذ ساعات.
وقالت:
“أبوكوا الاتنين كانوا أصحاب عمر.”
“ومروان كان عايز حتى ذكراهم تتلوث.”
…
لكن المفاجأة لم تنته.
وجد محمود ظرفًا صغيرًا آخر داخل الملف.
فتح الظرف.
لتسقط منه وحدة تخزين إلكترونية صغيرة جدًا.
قال:
“دي مش الفلاشة القديمة.”
كتب عليها بخط الدكتور سامي:
الدليل النهائي.
أوصلها عمر بالحاسوب المحمول.
ظهر تسجيل جديد.
ظهر فيه الدكتور سامي.
لكن هذه المرة…
كان يجلس بجواره عبدالرحمن الكيلاني.
نظر الاثنان إلى الكاميرا.
وقال الدكتور سامي:
“لو وصل الفيديو ده لحد…”
“يبقى إحنا غالبًا مش موجودين.”
ثم تكلم عبدالرحمن الكيلاني لأول مرة.
وقال:
“ابني عمر…”
“لو أنت اللي بتشوف الفيديو…”
“فاعرف إن أبوك ما خانش ضميره.”
“أنا وسامي جمعنا كل الأدلة ضد مروان.”
“لكن اكتشفنا إن عنده شركاء في جهات كبيرة.”
“ولو بلغنا وقتها…”
“كانت عائلاتنا كلها هتدفع الثمن.”
أكمل الدكتور سامي:
“علشان كده قسمنا الأدلة.”
“جزء عند عبدالرحمن.”
“وجزء عندي.”
“والجزء الأخير…”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“…أودعناه عند شخص محدش هيفكر يدور عنده.”
توقفت ليلى عند الجملة.
وقالت بسرعة:
“مين الشخص ده؟”
ظهر الدكتور سامي وهو يرفع صورة قديمة.
داخل الصورة…
رجل مسن يرتدي جلبابًا بسيطًا.
وخلفه مكتبة صغيرة.
وقال:
“الشيخ يوسف…
صاحب مكتبة الحسين.”
نظر محمود إلى الصورة واتسعت عيناه.
وقال:
“مستحيل…”
سألته ليلى:
“حضرتك تعرفه؟”
ابتسم بحزن.
وقال:
“أعرفه؟”
“ده الراجل اللي رباني بعد وفاة أبويا.”
لكن قبل أن يكمل…
رن هاتف عمر.
نظر إلى الشاشة.
ثم شحب وجهه.
“إيه؟!”
قفز من مكانه.
سألته ليلى بقلق:
“في إيه؟”
أجاب وهو ينظر إليها بذهول:
“المكتبة…”
“اتولعت من عشر دقايق.”
وساد الصمت…
لأن الجميع أدرك أن مروان عزمي سبقهم بخطوة أخرى…
وربما كان الدليل الأخير…
يحترق في هذه اللحظة.
يتبع….
الفصل العاشر: ما لم يحترق
لم ينتظر عمر ثانية واحدة.
التقط مفاتيح السيارة.
وقال:
“لازم نوصل قبل ما كل حاجة تضيع.”
انطلقت السيارة تشق شوارع القاهرة.
لم يتبادل أحد كلمة واحدة.
كانت ليلى تنظر من النافذة…
وقلبها يدعو أن يكون والدها قد ترك لهم فرصة أخيرة.
…
بعد عشرين دقيقة…
وصلوا إلى حي الحسين.
كانت سيارات الإطفاء لا تزال في المكان.
والدخان الأسود يتصاعد من المكتبة القديمة.
وقف عمر أمام أحد الضباط.
وسأله:
“هل كان فيه حد جوه؟”
رد الضابط:
“الحمد لله… الراجل الكبير خرج قبل الحريق بدقائق.”
تنفست ليلى الصعداء.
وقالت:
“يعني الشيخ يوسف عايش.”
لكن أحد رجال الإطفاء اقترب منهم.
وقال:
“للأسف…
توفي في سيارة الإسعاف قبل وصوله للمستشفى.”
ساد صمت ثقيل.
خفض محمود رأسه.
وتمتم:
“إنا لله وإنا إليه راجعون.”
…
دخلوا المكتبة بعد أن سمح لهم رجال الإطفاء.
لم يبق منها إلا الجدران.
والرفوف المتفحمة.
والرائحة الثقيلة للخشب المحترق.
كانت ليلى تمشي ببطء.
تمرر يدها على الكتب التي تحولت إلى رماد.
وفجأة…
توقفت.
لاحظت أن أحد الأرفف لم يسقط.
اقتربت.
كان هناك مصحف قديم…
لم تمسه النار إلا قليلًا.
رفعته بحذر.
فسقط من داخله مفتاح نحاسي صغير.
ومعه ورقة مطوية.
فتحتها بسرعة.
وكان مكتوبًا عليها بخط الشيخ يوسف:
“إذا وصلتِ إلى هنا يا ليلى…
فاعلمي أن الدكتور سامي كان يعلم أن المكتبة لن تكون آمنة إلى الأبد.”
“لذلك…
لم يتركني أحفظ الدليل.”
“بل طلب مني أن أحفظ الطريق إليه.”
تسارعت أنفاس الجميع.
وأكملت ليلى القراءة.
“المفتاح يفتح الخزانة رقم 17…
في محطة مصر القديمة.”
نظر عمر إليها.
وقال:
“إذن الدليل الحقيقي…
لم يكن هنا أصلًا.”
…
في الوقت نفسه…
كان مروان عزمي يجلس في مكتبه غاضبًا.
دخل أحد رجاله وقال:
“يا فندم…
فتشنا المكتبة كلها.”
“مفيش أي ملفات.”
ضرب مروان المكتب بقبضته.
وصاح:
“يعني الشيخ خدعنا.”
ثم سأل بسرعة:
“لقوا الورقة؟”
أجاب الرجل:
“لا.”
ابتسم مروان ابتسامة باردة.
وقال:
“إذن ليلى هي اللي هتوصلنا للدليل.”
…
خرج عمر وليلى ومحمود من المكتبة.
وقبل أن يركبوا السيارة…
قالت ليلى:
“حاسسة إن في حد بيراقبنا.”
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة.
وقال:
“مش إحساس.”
وأشار بعينيه إلى سيارة سوداء متوقفة على الجانب الآخر من الشارع.
بداخلها رجل يحمل كاميرا.
ويراقبهم منذ وصولهم.
قال عمر بهدوء:
“من النهارده…
كل خطوة هنمشيها…
هيكون وراها حد.”
أغلقت ليلى يدها على المفتاح النحاسي.
وقالت بثبات:
“يبقى لازم نوصل للخزانة رقم 17…
قبلهم.”
لكن ما لم يكن أحد منهم يعرفه…
أن الخزانة رقم 17…
لم تكن تحتوي على مستندات فقط.
بل على شيء أخطر بكثير…
شيء إذا خرج إلى النور…
فلن يسقط مروان عزمي وحده…
بل ستسقط معه أسماء كبيرة…
لم يتخيل أحد يومًا أنها كانت جزءًا من المؤامرة.
يتبع…