جوزي مسافر حكايات أسما ×3
الفصل الحادي عشر
بعد آخر جلسة…
رجعت أنا والولاد بيت أبويا.
لأول مرة من شهور…
ضحكت بنتي وهي بتلعب مع جدها.
وأبويا كان كل يوم ينزل يجيب لهم حاجة بسيطة.
مرة آيس كريم…
ومرة بالونات.
ويقول:
“أنا بعوضهم عن اللي شافوه.”
وأنا…
كل ما أشوفهم بيضحكوا…
أحمد ربنا إنهم خرجوا من البيت ده.
بعد أسبوعين…
صدر قرار مؤقت.
ألزم جوزي بنفقة شهرية للولاد…
ومصاريف المدرسة…
وجزء من العلاج.
أول ما المحامي بلغني…
بكيت.
مش علشان الفلوس.
لكن لأن أخيرًا…
حد قال إن ولادي ليهم حق.
جوزي اتصل بعدها بساعات.
ولأول مرة…
كان صوته واطي.
قال:
“أميرة…”
“أنا عايز أشوف العيال.”
قلت:
“هما مش لعبة.”
“وقت ما كنت سايبهم من غير مصاريف…
ما سألتش عليهم.”
قال:
“أنا أبوهم.”
قلت:
“وأبوهم أول واحد كان لازم يحافظ عليهم.”
سكت.
وبعدين قال:
“أمي اعترفتلي إنها كانت غلطانة.”
ابتسمت بسخرية.
وقلت:
“بعد ما المحكمة حكمت؟”
“دلوقتي افتكرت إنها غلطانة؟”
ما ردش.
وقفل.
بعدها بيوم…
حماتي جت بيت أبويا.
لكن المرة دي…
ماكانتش داخلة بثقة زي كل مرة.
كانت ماشية براحة.
وشكلها تعبان.
أول ما قعدت…
بصتلي.
وقالت:
“أنا جاية أعتذر.”
فضلت ساكتة.
قالت وهي دموعها نزلت:
“أنا كنت فاكرة إني بحافظ على فلوس ابني.”
“ونسيت إنه عنده بيت…”
“ونسيت إن عنده طفلين.”
أبويا كان ساكت.
وأمي كمان.
أما أنا…
فقلت بهدوء:
“الاعتذار كويس.”
“بس اللي اتكسر جوايا…
مش هيرجع بسهولة.”
هزت رأسها.
وقالت:
“عارفة.”
وقامت تمشي.
لكن قبل ما تخرج…
بنتي الصغيرة جريت عليها.
وقالت ببراءة:
“تيتا…”
“ليه بابا زعل ماما؟”
حماتي وقفت مكانها.
وبكت.
وماعرفتش ترد.
خرجت من البيت…
وهي أول مرة…
حاسسة بحجم اللي عملته.
أما أنا…
فحضنت بنتي.
وقلت لنفسي:
يمكن الجروح تفضل.
لكن أهم حاجة…
إن ولادي يكبروا وهم عارفين…
إن كرامة أمهم…
ما اتباعتش بأي ثمن.
الفصل الثاني عشر
عدى شهر…
وبدأت حياتي تستقر شوية.
رجعت أركز في شغلي.
والولاد رجعوا يضحكوا تاني.
يمكن مش زي الأول…
لكن على الأقل…
بقوا يناموا من غير صوت خناق.
وفي يوم…
المحامي كلمني.
وقال:
“الجلسة الأخيرة الأسبوع الجاي.”
قفلت معاه…
وقعدت أبص للسقف.
حسيت إن السنتين اللي فاتوا…
بيعدوا قدام عيني في ثواني.
يوم السفر.
وأول مرة اتأخر في المصروف.
وأول كذبة.
وأول إهانة.
وأول ضربة.
وأول ليلة نمتها أنا وولادي بره بيتنا.
كل ده…
كان خلاص قرب يخلص.
وفي يوم الجلسة…
دخلنا المحكمة.
جوزي كان واقف بعيد.
وشكله مختلف.
خس شوية.
ودقنه طويلة.
ولما شاف الولاد…
حاول يقرب.
ابني استخبى ورا ضهري.
وقال بصوت واطي:
“أنا خايف.”
الجملة دي…
كانت أصعب من أي حكم.
لأن الطفل…
ما بيخافش من أبوه إلا لو شاف منه اللي يكسره.
دخلنا القاعة.
القاضي راجع كل الأوراق.
وبعد مداولة…
أصدر الحكم.
ألزم جوزي بنفقة مناسبة لدخله الحقيقي.
وبسداد المتأخرات عن الفترة اللي امتنع فيها عن الإنفاق.
وكمان…
أكد حق الأولاد في مصاريف تعليمهم وعلاجهم.
خرجت من المحكمة…
وأنا مش حاسة إني انتصرت.
كنت حاسة…
إن حق ولادي رجع.
وده كان كفاية.
وأنا خارجة…
لقيت جوزي واقف مستنيني.
قال:
“ممكن أتكلم معاكي خمس دقايق؟”
بصيت للمحامي.
قال:
“القرار ليكي.”
وقفت.
قال جوزي:
“أنا عارف إنك مش هتسامحيني.”
“بس أنا فعلاً ندمان.”
قلت:
“الندم الحقيقي…”
“كان يبقى قبل ما ولادك يناموا جعانين.”
نزل رأسه.
وقال:
“أنا مستعد أصلح كل حاجة.”
قلت بهدوء:
“في حاجات ينفع تتصلح.”
“وفي حاجات عمرها ما بترجع.”
لفيت أمشي.
لكن ابني وقف.
بص لأبوه.
وقال:
“يا بابا…”
رفع جوزي رأسه بسرعة.
ابني كمل:
“إحنا كنا محتاجينك…”
“مش فلوسك بس.”
الجملة دي…
خلت جوزي ينهار في البكاء.
أما أنا…
فمسكت إيد ولادي.
ومشيت.
وأنا عارفة…
إن النهاية الحقيقية لأي ظلم…
مش لما الظالم يعيط.
لكن لما المظلوم…
يرجع واقف على رجليه من جديد.
الفصل الأخير
عدى ست شهور…
والحياة بدأت ترجع تمشي بهدوء.
مش بسهولة…
لكن بخطوات ثابتة.
النفقة بقت بتنزل بانتظام.
والولاد رجعوا مدرستهم.
وابني اشترى الشنطة اللي كان نفسه فيها من سنة.
ولما رجع البيت…
فضل يبص لها ويبتسم.
قال:
“ماما…
دي أول مرة أحس إن عندي شنطة جديدة زي صحابي.”
حضنته…
وحمدت ربنا.
أما بنتي…
فكانت كل يوم ترسم بيت.
وفي كل رسمة…
كانت ترسم الشمس كبيرة.
سألتها مرة:
“ليه الشمس كبيرة كده؟”
قالت وهي بتضحك:
“عشان بيت جدو كله نور.”
ابتسمت…
لكن دموعي نزلت.
في يوم…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت جوزي واقف.
لوحده.
من غير أمه.
من غير حد.
كان باين عليه التعب.
قال:
“ممكن أشوف الولاد؟”
قلت:
“هسألهم.”
دخلت.
وقلت لهم:
“باباكم بره.”
ابني سكت.
وبعدين قال:
“لو هو هيزعق…
أنا مش عايز أشوفه.”
خرجت له.
وقلت:
“اسمع بنفسك.”
لما سمع كلام ابنه…
انحنى على الأرض.
وحط وشه بين إيديه.
وقال وهو بيبكي:
“أنا اللي ضيعتهم بإيدي.”
بصيت له.
وقلت:
“لسه قدامك فرصة تبقى أب كويس.”
“لكن مش بالكلام.”
“بالمواقف.”
هز راسه.
وقال:
“هحاول.”
بدأ يشوف الولاد في مواعيد منتظمة.
في الأول…
كانوا متحفظين.
لكن مع الوقت…
بدأ يكسب ثقتهم خطوة بخطوة.
مش لأنه أبوهم.
لكن لأنه بدأ يتصرف كأب.
أما أنا…
فما رجعتش له.
لأن التسامح…
مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول.
في يوم…
وأنا راجعة من الشغل…
افتكرت أول ليلة خرجت فيها من بيتي.
كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
لكن الحقيقة…
إنها كانت البداية.
بداية واحدة…
عرفت إن كرامتها أهم من خوفها.
وإن ولادها…
يستحقوا يشوفوا أمهم قوية.
ولو في حاجة اتعلمتها من كل اللي حصل…
فهي إن الست…
ممكن تستحمل الفقر.
وتستحمل التعب.
لكن أول ما كرامتها تنكسر…
لازم تعرف إن الصمت عمره ما كان حل.
وإن حقها…
مهما اتأخر…
لازم في يوم يرجع.
بعد ثلاث سنوات…
عدت تلات سنين…
كانت كفاية تغير ناس كتير.
أنا…
بقيت أهدى.
واتعلمت أعيش من غير ما أستنى حد ينقذني.
اترقيت في شغلي.
وأجرت شقة صغيرة.
مش كبيرة…
لكن كانت أول بيت أدخله وأنا حاسة إنه ملكي.
الولاد كبروا.
ابني بقى في أولى إعدادي.
وبنتي بقت كل ما حد يسألها:
“نفسك تطلعي إيه؟”
تقول بمنتهى الثقة:
“زي ماما.”
الكلمة دي…
كانت بالدنيا كلها.
أما جوزي السابق…
فكان بيشوف الولاد في المواعيد اللي حددتها المحكمة.
في الأول…
كانوا بيتعاملوا معاه بتحفظ.
لكن مع الوقت…
بدأوا يتكلموا معاه أكتر.
لأنهم كانوا محتاجين أب…
حتى بعد كل اللي حصل.
وأنا…
عمري ما منعتهم منه.
كنت دايمًا أقول:
“خلافنا إحنا الكبار…
مالوش دعوة بيكم.”
وفي يوم…
وأنا خارجة من الشغل…
لقيته واقف مستنيني.
وقف بعيد.
واحترام المسافة بينا كان باين.
قال:
“ممكن دقيقة؟”
قلت:
“اتفضل.”
قال:
“أنا مش جاي أطلب ترجعي.”
“أنا عارف إن الصفحة دي اتقفلت.”
“أنا جاي أقولك شكرًا.”
استغربت.
قال:
“لو ما كنتيش وقفتي قصادي وقتها…”
“كان زماني لسه فاكر إن اللي عملته عادي.”
سكت شوية…
وبعدين كمل:
“دلوقتي بقيت أصرف على أمي…
وبساعدها.”
“لكن الأولاد…”
“بقوا أول مسؤولية في حياتي.”
ابتسمت لأول مرة من سنين…
مش علشانه.
لكن علشان ولادي.
قلت:
“أتمنى تفضل محافظ على الوعد ده.”
هز راسه.
ومشي.
وأنا كملت طريقي.
من غير ندم.
من غير كره.
لأن بعض العلاقات…
ما ينفعش ترجع.
لكن ينفع تخلص باحترام.
ولما رجعت البيت…
لقيت بنتي معلقة ورقة على باب أوضتها.
مكتوب فيها بخط صغير:
“أجمل بيت…
هو البيت اللي ماما بتضحك فيه.”
وقفت أبص للجملة دي…
وافتكرت الليلة اللي خرجت فيها من بيتي بشنطة صغيرة…
وأنا فاكرة إن الدنيا انتهت.
لكن الحقيقة…
إنها كانت أول يوم…
في حياة جديدة.
حياة اتبنت على الكرامة…
مش على الخوف.
وعلى الاحترام…
مش على الإهانة.
وعرفت وقتها…
إن ربنا…
ممكن يؤخر الفرج…
لكنه أبدًا…
ما بينساش حق المظلوم.
تمت.