اتحبست في الاسانسير حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث
الجملة نزلت على ودني كأنها صفعة.
“مين دي؟”
بصيت لياسمين.
وبعدين بصيت لكريم.
كنت مستنية منه كلمة واحدة.
أي كلمة.
يقول:
“دي مراتي.”
يقول:
“احترمي نفسك.”
يقول أي حاجة.
لكنه فضل واقف.
ساكت.
وشه شاحب.
وعينه بتتنقل بيني وبينها.
الثواني دي كانت كفاية.
كفاية أعرف إن السكوت ساعات بيكون اعتراف.
قربت خطوة.
وقلت بهدوء:
“رد عليها.”
بلع ريقه.
وقال بصوت مبحوح:
“مريم… اسمعيني الأول.”
كررت كلامي:
“رد عليها.”
لف ناحية ياسمين.
وقال:
“…دي مراتي.”
ياسمين ضحكت.
ضحكة قصيرة.
افتكرتها في الأول ضحكة صدمة.
لكنها كانت ضحكة سخرية.
قالت:
“مراتك؟”
وسكتت لحظة.
“إنت قلتلي إنك منفصل من سنتين.”
لفيت ناحيته بسرعة.
“إيه؟”
ياسمين قامت واقفة.
كانت باينة عليها الصدمة الحقيقية.
بصتلي وقالت:
“حضرتك… هو قال إنه كان متجوز، لكن الطلاق خلص من زمان.”
أنا ما رديتش.
كل نظري كان على كريم.
قلت:
“صح الكلام ده؟”
فضل ساكت.
قلت بصوت أعلى:
“اتكلم.”
قال وهو بيقرب مني:
“الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.”
رجعت خطوة لورا.
“أمال هو إزاي؟”
قال:
“أنا كنت هقولها الحقيقة.”
ياسمين بصتله بعدم تصديق.
“الحقيقة؟”
“إنت كنت واعدني إننا هنكتب الكتاب آخر السنة.”
سكت المكتب كله.
الموظفين اللي بره بدأوا يبصوا من الزجاج.
كريم لاحظ ده.
وقال بعصبية:
“اقفلوا الباب.”
لكن محدش اتحرك.
ياسمين فتحت شنطتها بسرعة.
طلعت صورة.
ورمتها قدامي.
التقطتها بإيدي.
كانت صورة ليها مع كريم.
واقفين في مطعم.
هو حاطط إيده على كتفها.
والاتنين بيضحكوا.
وفي أسفل الصورة تاريخ.
من شهرين.
يعني في الوقت اللي كان بيقولي فيه إنه مسافر إسكندرية في مؤتمر.
بدأت أفتكر.
كل سفرية.
كل اجتماع اتأخر فيه.
كل مرة رجع فيها بريحة برفان غريبة وقال:
“أكيد من الأسانسير.”
كل مرة كنت بكذب إحساسي.
ياسمين قالت وهي بتبكي:
“أنا كمان ضحية.”
“أنا معرفش إنه متجوز.”
“أقسم بالله لو كنت أعرف…”
قاطعتها وأنا برفع إيدي.
“خلاص.”
“إنتِ مش مطالبة تبرريلي.”
بعدين بصيت لكريم.
وقلت:
“إنت اللي هتبرر.”
قرب مني.
“مريم… أنا غلطت.”
ضحكت.
كانت أول ضحكة تطلع مني من ساعة ما دخلت البرج.
لكنها كانت ضحكة وجع.
قلت:
“غلطت؟”
“دي الكلمة اللي لقيتها؟”
مد إيده يمسك دراعي.
سحبت إيدي بسرعة.
“إوعى تلمسني.”
بدأ الموظفون يتجمعوا في الممر.
والهمس زاد.
واحد بيقول:
“دي مراته بجد.”
والتاني:
“يعني ياسمين كانت متعرفش.”
وثالث هز راسه وقال:
“الراجل ضيع نفسه.”
كريم كان بيبص حواليه بخوف.
واضح إن سمعته بقت على المحك.
قال بصوت منخفض:
“تعالي نتكلم في البيت.”
هزيت راسي.
“لا.”
“هنتكلم هنا.”
“زي ما كنت عايش حياتين هنا.”
في اللحظة دي، خرجت داليا من آخر الطرقة.
أول ما شافتني، فهمت من وشي إن كل حاجة اتكشفت.
قربت بهدوء.
وقالت:
“إنتِ كويسة؟”
بصيتلها.
وقلت:
“كنتِ بتقولي إن في حاجة تانية.”
تنهدت داليا.
وبصت لكريم.
وقالت:
“أيوه.”
“في حاجة أهم.”
وش كريم اصفر.
وصاح فيها:
“داليا… اسكتي.”
لكنها تجاهلته.
وقالت وهي تنظر إليّ مباشرة:
“أنا من شهر كنت في قسم الموارد البشرية.”
“وشوفت بالصدفة استمارة التأمينات الخاصة بيه.”
سكتت لحظة.
ثم قالت الجملة التي جعلت الجميع يلتفت إليها:
“وفيها مكتوب إنه غير متزوج… وحالته الاجتماعية: أعزب.”
ساد صمت ثقيل في المكان.
أما أنا…
ففي تلك اللحظة، لم أعد أفكر في مواجهة زوج خان، بل بدأت أفكر في شيء واحد فقط…
إذا كان أخفى زواجه رسميًا داخل الشركة…
فماذا كان يخطط ليفعله بعد ذلك؟
الفصل الرابع
الكلمة الأخيرة فضلت ترن في ودني.
“أعزب.”
بصيت لكريم.
مستنية منه يقول إنها غلطة.
إن الموظف كتبها غلط.
أي مبرر.
لكنه ما اتكلمش.
بس قال بسرعة:
“الموضوع إداري… ومكنش مهم.”
ضحكت بمرارة.
“إداري؟”
“يعني جوازنا بقى إجراء إداري؟”
قال وهو بيحاول يسيطر على الموقف:
“الشركة مالهاش دعوة بحياتي الشخصية.”
داليا ردت قبل ما أتكلم:
“لو ده صحيح… ليه قدمت طلب تحديث بيانات من شهرين وبرضه كتبت أعزب؟”
التفت كريم لها بعصبية.
“إنتِ بتراقبيني؟”
قالت بثبات:
“لا.”
“أنا كنت بمراجع ملفات الموظفين، وملفك كان قدامي.”
بدأ الهمس يزيد في الممر.
مدير الموارد البشرية خرج من مكتبه بعدما سمع الأصوات.
وقال بجدية:
“في إيه هنا؟”
كريم رد بسرعة:
“مشكلة عائلية… وهتتحل.”
لكن المدير لمحني وأنا ماسكة عقد الزواج اللي كنت محتفظة بصورة منه في شنطتي.
ولمح ياسمين وهي بتبكي.
ولمح الموظفين المتجمعين.
ففهم إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف زوجي.
قال بهدوء:
“أستاذ كريم… اتفضل على مكتبي.”
رد كريم بعصبية:
“مش وقته.”
قال المدير بنبرة حاسمة:
“بل وقته.”
“لأن لو البيانات اللي اتقالت دي صحيحة، فدي مخالفة للوائح الشركة.”
في اللحظة دي…
رن موبايل ياسمين.
بصت للشاشة.
وشها اتغير.
قفلت المكالمة.
وقالت وهي بتبص لكريم:
“مامتك بتتصل بيا.”
اتجمدت.
قلت:
“إيه؟”
قالت بخجل:
“هي كانت فاكرة إننا مخطوبين.”
حسيت إن قلبي اتقبض.
“يعني والدته كانت عارفة؟”
ياسمين هزت رأسها.
“كانت بتناديني يا بنتي.”
“وقالتلي مرة إنها نفسها تشوف ولادنا.”
بصيت لكريم.
كان ساكت.
السكوت المرة دي كان أقسى من أي اعتراف.
قلت له:
“أمك كانت عارفة إنك متجوز.”
ما ردش.
كررت السؤال:
“كانت عارفة؟”
همس:
“…أيوه.”
أغمضت عيني.
افتكرت كل مرة روحت فيها لحماتي.
كل مرة كانت تعاملني ببرود.
كل مرة كانت تقول:
“لسه ربنا ما رزقكوش؟”
وكل مرة كانت تضغط على كريم عشان “يفكر في مستقبله”.
ساعتها افتكرت جملة قالتهالي من كام شهر.
قالت وهي بتبصلي:
“في رجالة كتير بتبدأ حياتها من جديد.”
افتكرتها نصيحة عادية.
دلوقتي…
فهمت معناها.
فتحت شنطة الأكل اللي كانت وقعت على الأرض.
طلعت منها علبة المحشي.
كانت اتبهدلت.
غطاها مكسور.
والشوربة سايحة.
قفلتها بهدوء.
ورجعتها في الشنطة.
كريم قرب وقال:
“مريم… أرجوكي.”
بصيت له.
وقلت:
“عارف أكتر حاجة وجعتني؟”
سكت.
قلت:
“مش الخيانة.”
“ولا الكدب.”
“ولا إنك كنت بتخطط تتجوز.”
“اللي وجعني… إني كنت جاية أفرحك بغدا بإيدي.”
رفعت شنطة الأكل قدامه.
“وأنت كنت مستني غدا تاني.”
دموعه بدأت تنزل.
لكنها ما أثرتش فيا.
استدرت ناحية الباب.
وقبل ما أخرج…
سمعت صوت ياسمين.
قالت:
“استني.”
لفيت لها.
كانت واقفة وهي بتمسح دموعها.
وقالت:
“أنا عندي كل الرسائل.”
“وكل الصور.”
“وكل التسجيلات.”
“ولو احتجتيها… هديهالك.”
كريم صرخ:
“ياسمين!”
لكنها بصتله باحتقار لأول مرة.
وقالت:
“أنا خسرت كرامتي بسببك.”
“ومش هسمح إن غيري يخسر حياته.”
أخدت نفسًا عميقًا.
وقلت لها:
“احتفظي بيهم دلوقتي.”
“يمكن أحتاجهم.”
ثم خرجت من المكتب.
لكن وأنا ماشية في الممر…
لمحت رجلًا خمسينيًا أنيقًا خارجًا من المصعد، وحوله عدد من الموظفين يستقبلونه باحترام شديد.
أول ما وقعت عينه على كريم، عقد حاجبيه.
ثم نظر إليّ، وإلى ياسمين، وإلى تجمع الموظفين.
وسأل بصوت حازم:
“إيه اللي حاصل هنا؟”
ساد صمت ثقيل…
أما كريم، فكان واضحًا من ملامحه أن الشخص الذي وصل الآن، هو آخر إنسان كان يتمنى أن يراه في تلك اللحظة.
الفصل الخامس
الراجل وقف في نص الممر.
كان شعره مخلوط بالأبيض.
بدلته رمادي غامق.
ونظارته الرفيعة مدياله هيبة تخلي كل اللي في الدور يسكت.
أول ما ظهر…
الموظفين وقفوا مستقيمين.
واحد همس:
“رئيس مجلس الإدارة.”
والتاني قال:
“كان مسافر… رجع النهارده.”
أنا معرفتوش.
لكن من نظرات الناس فهمت إنه صاحب القرار.
بص على الوجوه حواليه.
وبعدين ثبت عينه على كريم.
وقال بهدوء:
“أستاذ كريم…”
“أنا بسألك سؤال.”
“إيه اللي بيحصل؟”
كريم حاول يبتسم.
بس ابتسامته كانت مكسورة.
“حضرتك… سوء تفاهم عائلي.”
قبل ما يكمل…
ياسمين قالت:
“مش سوء تفاهم يا فندم.”
كل العيون راحت عليها.
وقالت بثبات:
“الموضوع أكبر من كده.”
كريم لف لها بعصبية.
“اسكتي.”
لكن رئيس مجلس الإدارة رفع إيده.
“سيبها تتكلم.”
أخدت نفس طويل.
وقالت:
“أنا كنت مخدوعة.”
“والأستاذ كريم فهمني إنه أعزب.”
“ووعدني بالجواز.”
ثم أشارت ناحيتي.
“وده طلع متجوز من تلات سنين.”
الرجل بصلي.
وقال باحترام:
“حضرتك زوجته؟”
طلعت بطاقتي من المحفظة.
ومعاها صورة من عقد الجواز كنت محتفظة بيها عشان إجراءات التأمين الصحي.
ناولته الورق.
بص فيه دقيقة.
ورفع عينه لكريم.
“الكلام ده صحيح؟”
كريم نزل راسه.
“…أيوه.”
الرجل قفل الملف.
وسأل سؤالًا واحدًا:
“يبقى ليه في ملفك الوظيفي مكتوب إنك أعزب؟”
كريم حاول يرد.
“كنت هعدل البيانات…”
قاطعه الرجل.
“من إمتى؟”
“بعد ما تتجوز للمرة التانية؟”
الممر كله سكت.
حتى صوت التكييف بقى مسموع.
مدير الموارد البشرية قرب بخطوات بطيئة.
وقال:
“يا فندم… فعلاً في تحديث بيانات اتقدم من شهرين.”
“والحالة الاجتماعية فيه أعزب.”
الرجل بصله.
“هات الملف.”
بعد خمس دقايق…
رجع المدير بملف أزرق.
فتحه قدام رئيس مجلس الإدارة.
بدأ يقلب الصفحات.
وفجأة…
وقف عند ورقة معينة.
قرأها مرة.
وبعدين مرة تانية.
ملامحه اتغيرت.
قال:
“غريب.”
كريم بلع ريقه.
“إيه يا فندم؟”
رفع الورقة.
وقال:
“أنت مش بس كتبت إنك أعزب.”
“أنت كاتب كمان إن ما عندكش أي مُعالين.”
أنا استغربت.
إحنا لسه ما خلفناش.
إيه المشكلة؟
لكن الرجل كمل وهو بيقلب الورق.
“وده معناه إنك كنت مقدم طلب للحصول على بدل سكن ومزايا خاصة بالأعزب.”
مدير الموارد البشرية قال:
“وده بيصرف من ميزانية الشركة.”
الرجل قفل الملف بعنف.
“يعني فيه بيانات غير صحيحة.”
“وده يخضع للتحقيق.”
كريم بدأ يتوتر فعلًا.
“أنا كنت هصلح كل ده.”
رد الرجل ببرود:
“إمتى؟”
“بعد ما الفلوس تنزل؟”
“ولا بعد ما تتجوز موظفة عندك؟”
وش كريم بقى شاحب.
أما أنا…
فبدأت أحس إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خيانة.
كان فيه كذب.
وتزوير بيانات.
واستغلال للمنصب.
في اللحظة دي…
رن موبايل رئيس مجلس الإدارة.
رد بسرعة.
وسكت وهو بيسمع.
ثم قال:
“طلعوها عندي.”
وقفل الخط.
كلنا بصينا له باستغراب.
بعد أقل من دقيقة…
باب المصعد اتفتح.
خرجت منه سيدة كبيرة في السن.
أنيقة جدًا.
وأول ما شافت كريم…
قالت بغضب:
“أنا قلتلك قبل كده…”
لكنها سكتت أول ما شافتني.
وشها اتغير.
بصت بيني وبينه.
ثم همست:
“…دي مين؟”
كريم غمض عينيه.
كأنه عارف إن اللحظة دي هتيجي.
أما رئيس مجلس الإدارة…
فبصلها وقال بهدوء شديد:
“السؤال ده أنا اللي كنت مستنيه.”
“اتفضلي يا مدام…”
“عرفينا…”
“حضرتك تعرفي الأستاذ كريم منين؟”
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *