جلس جوزي حكـايـات أسمـا 2

الفصل الجديد
مر أسبوع…
ولأول مرة من سنين، البيت بقى هادي بطريقة مختلفة.
مش هدوء خوف…
لكن هدوء قبل العاصفة.
كريم بقى يرجع متأخر، ويتابع موبايله كل شوية، وكل ما يشوف ليلى قاعدة تقرأ أو تشرب قهوتها من غير ما تسأله أي سؤال، كان قلقه يزيد.
السكوت اللي كان فاكره استسلام…
طلع أسوأ من أي خناقة.
في صباح يوم الثلاثاء، رن جرس الباب.
فتحت ليلى.
المندوب سلمها ظرفًا رسميًا.
وقعت بالاستلام وقفلت الباب.
كريم كان واقف آخر الطرقة.
قال بتوتر:
— إيه ده؟
ردت وهي بتحط الظرف في شنطتها:
— حاجة تخصني.
ولأول مرة…
ما حاولتش تشرح.
هو اللي فضل واقف مستني تفسير عمره ما جه.
في مكتب نادية…
كانت الملفات مرصوصة على الترابيزة.
قالت نادية:
— عملنا مراجعة لكل المستندات.
وأشارت إلى كشف حساب بنكي.
— بصي هنا…
كل قسط تقريبًا كان خارج من حساب مشترك، وفي شهور كتير كان الجزء الأكبر من المبلغ خارج من مرتبك إنتِ.
ثم أخرجت ملفًا آخر.
— ودي فواتير التجديدات… كلها تقريبًا باسمك.
ثم نظرت إليها.
— حتى لو اختلف الناس على قيمة كل ورقة، وجودها مهم لأنها ترسم صورة كاملة عن مساهمتك.
ليلى تنهدت.
— أنا كنت فاكرة إن احتفاظي بالورق نوع من الوسواس.
ابتسمت نادية.
— ساعات الوسواس بيبقى تنظيم… والتنظيم بيبقى دليل.
في نفس اليوم…
كان كريم عند أمه.
سهير كانت بتحاول تطمنه.
— ما تقلقش… دي بتهوّل.
لكن الباب خبط.
دخل المحامي.
وشه ماكانش مطمن.
قعد وقال بهدوء:
— لازم تعرفوا إن أي خطوة جاية لازم تتعمل بحساب.
سهير ضحكت.
— يعني إيه؟
فتح الملف.
— لو حصل نزاع قضائي، المحكمة هتنظر في كل المستندات والوقائع، ومش هتكتفي بعنوان العقد أو باسم المالك الحالي. ومش من الحكمة نفترض النتيجة من دلوقتي.
كريم حس إن حلقه نشف.
قال:
— يعني ممكن…
قاطعه المحامي.
— أنا بقول ممكن يبقى فيه نزاع معقد، ولازم نستعد له قانونيًا بدل الثقة الزايدة.
سهير لأول مرة…
ما لقتش رد.
في المساء…
كان عمر، ابنهم، راجع من إسكندرية بعد ما حس إن في حاجة غلط.
دخل البيت وهو مبتسم.
لكن أول ما شاف والده نايم في أوضة الضيوف…
وأمه قاعدة لوحدها في الجنينة…
الابتسامة اختفت.
دخل قعد جنبها.
وقال:
— هو في إيه؟
ليلى بصت له طويلًا.
كانت نفسها تحميه.
لكنها كانت عارفة إن الحقيقة وصلت لحد الباب.
قالت بهدوء:
— أنا وأبوك عندنا خلاف كبير… ولسه بيتحل.
عمر سكت.
ثم قال:
— هو ناوي يطلقك؟
ليلى ما جاوبتش.
وسكوتهـا كان كفاية.
بعد دقائق…
دخل عمر على أبوه.
وقف قدامه وقال:
— صحيح اللي سمعته؟
كريم حاول يبتسم.
— دي مشاكل كبار.
لكن عمر قال بحزم:
— سؤال واحد… صحيح؟
بعد ثوانٍ من الصمت…
رد كريم:
— أيوه.
عمر نزل بعينه للأرض.
ثم رفعها مرة تانية.
— وماما عملت إيه علشان تستاهل ده؟
لم يجد كريم إجابة.
لأن كل الأسباب اللي كان بيرددها لنفسه…
بدت فجأة ضعيفة وهو بيقولها بصوت مسموع.
خرج عمر من الأوضة…
ولم ينطق بكلمة أخرى مع والده تلك الليلة.
أما كريم…
فجلس وحده، ينظر إلى باب الغرفة المغلق.
ولأول مرة منذ بدأ كل شيء…
بدأ يشعر أن خسارته قد لا تكون مجرد قض*ية أو بيت… بل عائلته كلها.
الفصل الجديد
مرّت ثلاثة أيام…
والبيت بقى غريب.
مش لأن الأثاث اتغير…
لكن لأن الناس اللي فيه اتغيرت.
كريم بقى يصحى بدري، يبص من شباك أوضة الضيوف، يلاقي ليلى في الجنينة بتسقي الورد أو بتقرأ كتابها قبل ما تنزل الشغل.
ولا مرة حاولت تستفزه.
ولا مرة سألته رايح فين أو جاي منين.
وده كان بيق*تله من جوه.
الإنسان أوقات بيستحمل الخناقة…
لكن بيخاف من البرود.
في صباح الخميس، رن تليفون ليلى.
كان عمر.
قال بصوت متردد:
— ماما… ممكن أقابلك لوحدنا؟
ابتسمت رغم التعب.
— طبعًا يا حبيبي.
اتقابلوا في كافيه صغير قريب من جامعة القاهرة، لأنه كان نازل يخلص شوية أوراق تدريب.
أول ما قعد…
فضل ساكت.
وبعدين قال:
— أنا سألت بابا سؤال واحد.
ليلى بصت له.
— سألته ليه؟
هز رأسه.
— معرفش يرد.
سكت لحظة.
ثم قال:
— هو فيه واحدة تانية؟
ليلى أخذت نفسًا عميقًا.
كانت تعرف شكوكها…
لكنها لم تكن تملك دليلًا قاطعًا.
لذلك قالت بهدوء:
— أنا مش هقول حاجة مقدرش أثبتها. اللي أعرفه إن بينا خلاف كبير، والباقي هيتكشف مع الوقت.
عمر مسك إيد أمه.
— أنا مع الحق… مهما كان مع مين.
نزلت دمعة من عين ليلى لأول مرة منذ بدأت الأزمة.
مش دمعة ضعف…
دمعة ارتياح.
في نفس الوقت…
كان كريم في شركة التطوير العقاري.
لكنه ماكانش مركز.
كل شوية يبص على موبايله.
لحد ما دخل عليه مديره.
وقال:
— كريم… في عميل مستنيك من نص ساعة.
اعتذر بسرعة.
لكن أثناء الاجتماع…
لخبط في الأرقام.
ونسي تفاصيل مشروع هو بنفسه كان مسؤول عنه.
بعد ما العميل خرج…
المدير قفل الباب.
وقال بجدية:
— إنت مش طبيعي اليومين دول.
لو عندك مشاكل شخصية… حلها بعيد عن الشغل.
خرج كريم وهو حاسس إن الدنيا كلها بتضيق.
في المساء…
وصلت رسالة إلى هاتفه.
من رقم غير مسجل.
فتحها.
كانت صورة.
صورة قديمة للفيلا أثناء التجديد.
ليلى واقفة بملابس العمل، ماسكة رول دهان، وهو واقف جنبها بيضحك.
تحت الصورة مكتوب:
“بعض البيوت بيتبني بالطوب… وبعضها بيتبني بالتعب.”
مفيش توقيع.
لكن كريم عرف فورًا إن الرسالة من ليلى.
اتجنن.
اتصل بها.
ردت بهدوء.
— أيوه.
قال بعصبية:
— إنتِ بتهدديني؟
قالت:
— لا.
— أمال الصورة دي معناها إيه؟
ردت في هدوء:
— مجرد صورة فكرتني إن الحقيقة أكبر من الورق.
وقف ساكت.
ثم قفلت المكالمة.
بعد يومين…
دخلت ليلى مكتب نادية.
كان على المكتب ملف جديد.
سألت:
— خير؟
قالت نادية:
— وصلنا رد رسمي من محامي كريم.
قعدت ليلى.
فتحت نادية الملف.
ثم قالت:
— واضح إنهم بدأوا يفهموا إن الموضوع مش بسيط… وفيه رغبة في التفاوض بدل التصعيد.
ليلى سألت:
— وإحنا؟
ابتسمت نادية.
— إحنا مش هنستعجل. هنقرأ كل كلمة، وهنرد بالقانون، مش بالعصبية.
ثم أغلقت الملف وأضافت:
— أوقات… أول تنازل بيكون اعتراف ضمني إن الثقة القديمة اختفت.
خرجت ليلى من المكتب وهي تشعر أن المعركة لم تنتهِ بعد…
لكنها أيضًا لم تعد المرأة التي جلست على طاولة المطبخ تسمع أنها “ستخرج من الجوازة بإيد فاضية”. لقد أصبحت تعرف أن الطريق سيكون طويلًا، وأن النتيجة ستتوقف على ما يثبته القانون والأدلة، لا على ثقة كريم أو خوفه.
الفصل الجديد
بعد أسبوع…
وصل أول عرض تسوية.
الظرف كان سميكًا.
وشعار مكتب المحاماة مطبوع عليه بحروف ذهبية.
ليلى كانت قاعدة قدام نادية.
فتحت الخطاب بهدوء.
قرأت أول صفحة.
ثم الثانية.
ثم ابتسمت ابتسامة قصيرة.
سألتها نادية:
— إيه؟
ناولتها الورق.
نادية قرأت بسرعة.
وبعدين قالت:
— زي ما توقعت.
العرض كان واضحًا.
تتنازل ليلى عن أي مطالب تخص الفيلا…
مقابل مبلغ مالي كبير وسيارة، مع إنهاء كل النزاعات.
ليلى ضحكت لأول مرة من قلبها.
— يعني لسه فاكر إن المشكلة فلوس.
قفلت نادية الملف.
وقالت:
— الناس اللي بتفكر بمنطق المكسب والخسارة، بتفتكر إن كل حاجة لها تمن.
ليلى ردت:
— أنا مش بدور على تمن… أنا بدور على عدل.
في مساء نفس اليوم…
كان كريم قاعد عند أمه.
سهير قالت وهي متوترة:
— وافقي وخلاص… تاخد الفلوس وتمشي.
رد كريم بثقة حاول يصطنعها:
— هتوافق.
لكن موبايله رن.
كان محاميه.
رد بسرعة.
— خير؟
الصوت على الناحية التانية كان جادًا.
— هي رفضت العرض.
سكت كريم.
— رفضته؟
— بالكامل.
قفل المكالمة.
وبص لأمه.
لأول مرة…
ما عرفش يقول لها إن كل حاجة تحت السيطرة.
في اليوم التالي…
كانت ليلى في الشغل.
جالها اتصال من رقم محفوظ عندها.
“منى”.
صاحبتها القديمة.
قالت:
— أنا شوفت كريم امبارح.
ليلى رفعت حاجبها.
— فين؟
— في مطعم في مصر الجديدة.
كان مع واحدة.
ليلى سكتت.
منى كملت بسرعة:
— أنا مش بقول إن دي دليل على حاجة… لكن حسيت إن لازم تعرفي إني شفته.
ليلى ردت بهدوء:
— شكرًا إنك قلتيلي.
وقفلت المكالمة.
ما انهارتش.
ولا حتى زعلت.
الغريب…
إنها حسّت إن قلبها بقى أخف.
لأنها أدركت إن قرارها بالمواجهة ماكانش نابع من شكوك فقط، بل من الطريقة اللي اتعامل بيها معاها.
بعدها بيومين…
وصل كريم البيت.
لقى شنطته قدام أوضة الضيوف.
وفوقها ورقة صغيرة.
“باقي حاجتك في الكراتين داخل الجراج.”
دخل يدور على ليلى.
لقاها في الصالة.
قال بعصبية:
— إيه ده؟
ردت بهدوء:
— بما إننا منفصلين فعليًا، حبيت أنظم المكان.
صرخ:
— إنتِ بتطرديني؟
قالت وهي واقفة بثبات:
— البيت لسه محل نزاع، وأنا مش بطردك. لكن وجود كل واحد في مساحة واضحة هيخلي الأمور أهدى لحد ما الإجراءات تاخد مجراها.
فضل يبصلها.
دي مش ليلى اللي كان يعرفها.
دي ست تانية.
ست بتتكلم بثقة.
وبدون خوف.
في الليل…
كانت سهير قاعدة لوحدها.
فتحت درج قديم.
طلعت منه صورة.
كريم وهو طفل صغير.
حضنته وهي بتبكي.
وقالت لنفسها:
— أنا كنت فاكرة إني بحميه…
لكن يمكن أنا علمته إنه عمره ما يغلط.
وفي اللحظة دي…
رن جرس الباب.
فتحت.
كان المحضر واقف يحمل إخطارًا جديدًا يتعلق بالإجراءات القضائية.
استلمت الورق…
ولما قرأت أول سطر…
اختفى اللون من وشها.
همست:
— مستحيل…
وأغلقت الباب بيد مرتعشة، بينما كانت تعرف أن الأيام القادمة قد تكون أصعب مما تخيلت هي وابنها.
يتيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *