جوزي مسكني حكايات أسما السيد ×2
الفصل الثامن
فضلت طول الليل…
أقلب في كلام المحامي.
أنا ماكنتش بجري ورا فلوس.
ولا كنت مستنية تعويض يغير حياتي.
أنا الحمد لله…
شغلي مكفيني.
لكن اللي حصل…
كان لازم يتحاسب عليه.
تاني يوم…
رحت مكتب المحامي.
أول ما دخلت…
كان قدامه ملف كبير.
قال:
“بصي.”
فتح الملف.
طلع منه صور عقود.
وعقود بيع.
وإيصالات.
قال:
“بعد البلاغ بأسبوعين بس…”
“الحاج عبدالعزيز نقل الفيلا…
والأرض الزراعية…
والمحل الكبير…
كلهم باسم بنته.”
اتصدمت.
قلت:
“يعني هرب أملاكه.”
هز راسه.
وقال:
“وده اللي هيوقعه.”
“لأن كل التصرفات دي حصلت بعد ما عرف إن فيه قض..ية وتعويض.”
وفجأة…
دخل السكرتير.
وقال:
“الشاهدة وصلت.”
استغربت.
“شاهدة؟”
دخلت واحدة ست كبيرة في السن.
وشها مألوف.
لكن افتكرتها بعد ثواني.
كانت الجارة اللي ساكنة في الدور اللي تحتنا.
قالت:
“أنا آسفة إني اتأخرت.”
المحامي قال:
“احكي.”
قالت:
“ليلة العزومة…”
“أنا سمعت صريخ سارة.”
“طلعت أجري.”
“ولما وصلت عند الباب…”
“سمعت الحاج عبدالعزيز بيقول…”
«”خليها تعرف إن الفلوس لوحدها ما تعملهاش ست بيت.”»
وكملت:
“وسمعت كريم وهو بيقول…”
«”امسكها يا حاج.”»
حسيت جسمي كله قشعر.
أنا وقتها…
ماكنتش سمعت الجملة دي.
من الرعب…
ماكنتش مركزة.
لكن الشاهدة…
سمعتها.
وسجلتها في أقوالها.
المحامي ابتسم.
وقال:
“دي شهادة قوية.”
“خصوصًا إنها مستقلة.”
—
بعد أسبوع…
انعقدت الجلسة.
محامي الحاج عبدالعزيز حاول يقول…
إن الحرق كان مجرد حادث.
وإن السيجارة لمستني بالغلط.
لكن القاضي…
طلب سماع الشاهدة.
دخلت.
وحكت كل حاجة.
وبعدين عرضوا الفيديو.
واتسمع صوت كريم…
وهو بيقول:
“اسكتي.”
وبعدها بثواني…
ظهر أثر الحرق.
سكتت القاعة كلها.
القاضي رفع الجلسة للمداولة.
وأنا خارجة…
لقيت بنت أخت كريم واقفة بعيد.
جريت عليا.
وقالت وهي بتعيط:
“طنط سارة…”
استغربت.
حضنتني.
وقالت:
“أنا كنت موجودة يومها.”
“وخالتي خدت مني الموبايل…”
“علشان ما أصورش.”
اتصدمت.
قالت:
“بس أنا صورت أول دقيقة…”
“واستخبيت.”
طلعت فلاشة صغيرة من جيبها.
وحطتها في إيدي.
وقالت:
“أنا كبرت…
وعرفت إن اللي حصل كان ظلم.”
بصيت للفلاشة…
وحسيت إن ربنا…
كل مرة…
كان بيبعت دليل جديد.
يمكن علشان يثبتلي…
إن حق المظلوم…
ممكن يتأخر…
لكنه عمره…
ما بيضيع.
الفصل التاسع
رجعت البيت…
وأنا ماسكة الفلاشة بإيدي…
كأنها كنز.
طول الطريق…
كنت بفكر.
يا ترى…
إيه اللي فيها؟
ولما وصلت…
اتصلت بالمحامي.
قال:
“ماتفتحيهاش.”
“هاتيهالي الأول.”
تاني يوم…
دخلت مكتبه.
وصل الفلاشة بالكمبيوتر.
بدأ الفيديو يشتغل.
الصورة كانت مهزوزة…
لأن اللي بيصور طفلة.
لكن الصوت…
كان أوضح من أي حاجة.
ظهر الحاج عبدالعزيز…
واقف قدامي.
وسمعناه بيقول:
“امسكها كويس.”
وبعدها…
ظهر كريم.
وهو ماسك دراعي بإيده.
وأنا بقول:
“سيبني… أنا حامل.”
وفجأة…
اتسمع صوت حماتي.
وهي بتقول:
“خلصوا بقى…
العشا برد.”
بعدها بثواني…
بانت لحظة اقتراب السيجارة.
وصوت صرختي…
ملى المكتب كله.
قفلت عيني.
دموعي نزلت.
مش علشان الوجع.
لكن علشان افتكرت…
قد إيه كنت لوحدي.
المحامي وقف الفيديو.
وقال:
“بعد الدليل ده…”
“مفيش حد هيقدر يقول إنها كانت صدفة.”
—
في الجلسة التالية…
القاعة كانت هادية بشكل غريب.
القاضي طلب تشغيل الفيديو.
وأول ما بدأ…
اتغيرت وشوش الجميع.
محامي كريم حاول يعترض.
لكن القاضي رفض.
ولما خلص العرض…
سأل كريم مباشرة:
“هل ده صوتك؟”
سكت.
كرر السؤال.
قال بصوت مكسور:
“أيوه.”
وسأله:
“وهل كنت ممسكًا بزوجتك وقت الواقعة؟”
فضل ساكت.
القاضي قال:
“اعتبر سكوتك في حدود ما يسمح به القانون، وسنزن الأدلة المقدمة مع باقي أوراق الدعوى.”
في اللحظة دي…
الحاج عبدالعزيز انفجر.
وقف يزعق.
وقال:
“هي السبب.”
“هي اللي خربت بيت ابني.”
القاضي خبط بالمطرقة.
وقال بحزم:
“الهدوء.”
لكن الحاج عبدالعزيز…
فضل يزعق.
لحد ما أفراد الأمن خرجوه من القاعة.
وأثناء خروجه…
بصلي.
وقال:
“مش هتتهني.”
بصيتله…
وقلت بهدوء:
“أنا اتهنيت…
من يوم ما خرجت من بيتكم.”
—
بعد انتهاء الجلسة…
وأنا خارجة…
لقيت كريم واقف لوحده.
ملامحه كانت مكسورة.
قال:
“أنا مستنيتش منك تسامحيني.”
“بس كنت مستني من نفسي أكون راجل.”
سكت لحظة.
وكمل:
“أنا فشلت.”
بصيت له.
وقلت:
“الاعتراف بالذنب بداية.”
“لكن إصلاحه…
عمره ما بيكون بالكلام.”
لفيت ومشيت.
وأنا شايلة ابني بين إيديا.
حسيت إنه نام على كتفي.
ابتسمت.
وقلت في سري:
“يمكن أنا خسرت زوج…
لكن ابني عمره ما هيشوف أمه ساكتة على الظلم.”
وفي آخر اليوم…
اتصل بيَّ المحامي.
وقال:
“مبروك يا سارة.”
“المحكمة حجزت القض..ية للحكم.”
قفلت المكالمة…
وأنا عارفة…
إن الفصل الأصعب…
أخيرًا قرب ينتهي.
الفصل العاشر والأخير
اليوم المنتظر…
جه أخيرًا.
صحيت بدري.
لبست أبسط هدومي.
وشيلت ابني.
وبصيت في المراية.
أول مرة من شهور…
أشوف واحدة قوية.
مش مكسورة.
وصلنا المحكمة.
القاعة كانت مليانة.
كريم كان قاعد بعيد…
وراسه في الأرض.
أما الحاج عبدالعزيز…
فكان داخل وهو لسه فاكر إن صوته هيخوف الناس.
دخلت هيئة المحكمة.
والكل وقف.
وبدأ القاضي ينطق بالحكم.
بعد استعراض الأدلة…
والتقارير الطبية…
والفيديوهات…
وشهادة الشاهدة…
قضت المحكمة بثبوت واقعة الاعتداء.
وأشارت في أسباب حكمها إلى أن ما وقع كان اعتداءً لا يمكن تبريره أو اعتباره مزاحًا، وأن ما قُدم من أدلة كان متسقًا ويعزز بعضه بعضًا.
كما ألزمت المحكمة المسؤولين بما قضت به وفق القانون، وأقرت حقي في المطالبة بالتعويض المدني بالطرق القانونية.
أول ما خلص القاضي…
ماسمعتش أي حاجة بعدها.
كل اللي سمعته…
كان صوت ابني وهو بيضحك.
حضنته.
وبكيت.
لكن المرة دي…
ماكانتش دموع وجع.
كانت دموع نجاة.
—
خرجت من المحكمة.
لقيت كريم مستنيني.
قرب.
وقال:
“أنا مش جاي أطلب فرصة.”
“ولا جاي ألومك.”
“أنا جاي أقولك…
إني بدأت علاج نفسي.”
استغربت.
قال:
“اكتشفت إني طول عمري كنت بنفذ أوامر…
من غير ما أفكر.”
“وده مش عذر.”
“لكنه السبب.”
هزيت راسي.
وقلت:
“أتمنى تبقى أب كويس.”
“علشان ابننا.”
قال:
“أوعدك.”
ومشى.
من غير ما يطلب مني أرجع.
ولا حتى يبص وراه.
—
بعد سنة…
كنت واقفة في شرفة شقتي.
ابني بيلعب على الأرض.
ضحكته مالية البيت.
ترقيت في شغلي.
واشتريت حضانة صغيرة جنب الشركة.
علشان يبقى قريب مني.
وفي يوم…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت بنت صغيرة.
كان معاها ظرف.
وقالت:
“بابا قال أدي ده لحضرتك.”
عرفت إنها بنت كريم من زواجه الأول.
أخدت الظرف.
كان جواه خطاب.
مكتوب فيه:
«”شكرًا إنك رغم كل اللي حصل، ما حرمتنيش من إني أشوف ابني. كل زيارة معاه بتفكرني بالإنسان اللي لازم أبقى عليه. يمكن ما أقدرش أصلح الماضي، لكن هفضل أحاول أستحق لقب أب.”»
قفلت الخطاب.
وحطيته في الدرج.
مش علشان أرجع الماضي.
لكن علشان أفتكر…
إن الإنسان ممكن يتغير.
لكن بعد ما يدفع ثمن اختياراته.
بصيت لابني.
شيلته بين إيديا.
وقلت وأنا ببوس راسه:
“أوعى في يوم تفتكر إن القوة…
إنك تذل حد أضعف منك.”
“القوة الحقيقية…
إنك تحميه.”
ابتسم…
وكأنه فهم.
وفي اللحظة دي…
عرفت إن ربنا عوضني…
مش بفلوس…
ولا بحكم…
لكن بابن هيكبر…
وهو عارف إن أمه في أصعب ليلة في عمرها…
رفضت تسكت على الظلم.
تمت.