وقت الفراق حكـايـات أسمـا السـيد ×2

الجزء الرابع

أول ما كريم قرأ إيصال بيع العربية…

وشه اصفر.

فضل باصص للورقة…

كأنه أول مرة يشوفها.

وبعدين رفع عينه ناحيتي.

وقال:

— الورقة دي كانت عند أبوكي؟

قلت بهدوء:

— لأ.

كانت عند صاحبها.

سكت ثواني.

وقال:

— يعني إيه؟

الأستاذ حسام فتح ملفًا آخر.

وقال:

— المرحوم الحاج محمود كان بيحتفظ بنسخة من كل مستند يخص الشركة.

وكان موثقها في الشهر العقاري.

كريم ضرب المكتب بإيده.

وقال:

— مستحيل.

أنا نقلت كل الأصول باسمي.

ابتسم الأستاذ حسام.

وقال:

— نقلت الإدارة…

لكن ما نقلتش الملكية.

فرق كبير.

في اللحظة دي…

دخل سكرتير المكتب.

وقال:

— يا فندم…

كل أعضاء مجلس الإدارة وصلوا.

بصيت لكريم.

وقلت:

— تحب تحضر الاجتماع؟

ضحك بسخرية.

وقال:

— طبعًا.

هشوف هتعملي إيه.

دخلنا قاعة الاجتماعات.

كانت أول مرة أدخلها…

من يوم تأسيس الشركة.

على الحائط…

كانت معلقة صورة قديمة.

صورة افتتاح أول مخزن.

في الصورة…

أبويا واقف في آخر الصف.

لابس جلابيته البسيطة.

وبيضحك.

أما كريم…

فكان واقف في النص.

وقت ما الصورة اتصورت…

قال لأبويا:

— تعالى أقف معانا.

لكن أبويا رفض.

وقال:

— أنا مكاني ورا…

مش قدام.

افتكرت الموقف…

وحسيت بدموعي بتنزل.

رئيس المجلس وقف.

وقال:

— نبدأ الاجتماع.

ثم بص ناحيتي.

وقال:

— مدام نور…

حضرتك بصفتك المالكة الرئيسية…

تقدري تفتحي الجلسة.

كريم اعترض بسرعة.

— اعتراض.

أنا المدير التنفيذي.

الرجل رد بهدوء:

— كنت.

من لحظة وقف الصفقة…

كل صلاحيات الإدارة اتجمدت لحين الفصل في النزاع.

جلس كريم…

وهو بيكز على أسنانه.

بدأ الأستاذ حسام يعرض المستندات.

عقد التأسيس.

إيصالات التمويل.

تحويلات البنوك.

كل حاجة كانت واضحة.

لكن فجأة…

واحد من أعضاء المجلس رفع إيده.

وقال:

— مع احترامي…

إحنا عارفين إن مدام نور مالكة.

لكن الشركة النهارده قيمتها مليارات.

مين اللي كبرها؟

كريم ابتسم.

وقال:

— أهو…

حد فاهم.

الرجل كمل كلامه.

— لكن السؤال…

لو كريم مشى…

مين هيعرف يدير الشركة؟

كل العيون اتجهت ناحيتي.

حتى كريم ابتسم بثقة.

وقال:

— شايفة؟

الملكية لوحدها ما تكفيش.

إنتِ بقالك خمس سنين بعيدة عن الشغل.

ما تعرفيش حاجة.

ابتسمت.

وقلت:

— فعلًا؟

ثم فتحت اللابتوب.

وضغطت زرًا واحدًا.

ظهرت شاشة كبيرة في آخر القاعة.

امتلأت بأرقام ورسوم بيانية.

وأسماء مشاريع.

وأرباح.

قلت بهدوء:

— المشاريع دي…

مين كان بيخطط لها؟

حد من الأعضاء قال:

— الإدارة.

ابتسمت.

وقلت:

— لا.

أنا.

كل الموجودين اتفاجئوا.

كريم ضحك.

— إنتِ؟

قلت:

— فاكر كل مرة كنت تقول إن عندك اجتماع مهم؟

وتسيب اللابتوب في البيت؟

أنا اللي كنت براجع العقود.

وأصحح الأخطاء.

وأكتب دراسات الجدوى.

وأنت…

كنت تبعتها باسمك.

سكت.

كملت:

— فاكر مشروع “حدائق النور”؟

أول مشروع نجح للشركة؟

الفكرة كانت فكرتي.

التصميم الأول…

أنا اللي رسمته.

حتى الاسم…

أنا اللي اخترته.

كريم حاول يقاطعني.

لكن الأستاذ حسام فتح ملفًا جديدًا.

وقال:

— معانا الإيميلات الأصلية.

كلها خارجة من بريد مدام نور.

ومتحولة بعد كده لبريد الأستاذ كريم.

باسم جديد.

القاعة كلها سكتت.

واحد من المستثمرين قال:

— يعني…

إحنا كنا بنتعامل مع العقل الحقيقي للشركة…

من غير ما نعرف؟

ابتسمت لأول مرة.

وقلت:

— كنت بشتغل…

علشان حلمنا ينجح.

مش علشان اسمي يظهر.

لكن لما الحلم اتحول لطمع…

كان لازم الحقيقة تظهر.

في اللحظة دي…

هاتف كريم رن.

رد بسرعة.

وفجأة…

ملامحه اتغيرت.

قال:

— إزاي؟

الموظف على الطرف التاني كان بيصرخ.

وسمعنا صوته بوضوح:

— يا فندم…

كل البنوك جمدت التسهيلات الائتمانية.

والشركاء بدأوا ينسحبوا.

والمشكلة الأكبر…

مدام ياسمين سحبت عرض الجواز…

وسابت لحضرتك جواب.

أغلق كريم الهاتف ببطء.

وبدأ لأول مرة…

يحس أن كل شيء بناه في السنوات الماضية…

ينهار أمام عينيه.

الجزء الخامس

القاعة كلها كانت ساكتة.

وكريم…

أول مرة أشوفه مش لاقي كلام يقوله.

كان دايمًا بيعرف يرد.

ويقنع.

ويلف ويدور.

لكن المرة دي…

الأدلة كانت بتتكلم بدل أي حد.

رئيس مجلس الإدارة قفل الملف.

وقال بهدوء:

— قبل ما ناخد أي قرار…

فيه سؤال لازم يتجاوب.

بص ناحية كريم.

وقال:

— هل عندك أي مستند يثبت إنك اشتريت أسهم مدام نور؟

كريم بلع ريقه.

وسكت.

الرجل كرر السؤال.

— عندك؟

رد بصوت واطي:

— لا.

قال:

— هل معاك أي عقد تنازل موقع منها؟

سكت تاني.

الأستاذ حسام فتح درج صغير.

وطلع ملفًا بنيًا.

وقال:

— الحقيقة…

الأستاذ كريم حاول أكتر من مرة.

وحضرتك يا مدام نور كنتِ بترفضي.

استغرب واحد من الأعضاء.

وقال:

— طب ليه؟

ابتسمت بحزن.

وقلت:

— لأني كنت بثق فيه.

كنت فاكرة إنه بيخلص إجراءات روتينية.

ولما كنت أقرأ الورق…

أكتشف إنه تنازل عن حصصي.

فكنت أرفض.

وهو كان كل مرة يعتذر…

ويقول إن المحامي غلط.

كريم صرخ:

— لأنك كنتِ شكاكة!

بصيت له.

وقلت:

— لا…

لأن أبويا علمني…

ما أمضيش على ورقة قبل ما أقراها.

ساد صمت ثقيل.

وفجأة…

الأستاذ حسام قال:

— لسه فيه حاجة.

مد إيده.

وطلع فلاشة صغيرة.

وقال:

— المرحوم الحاج محمود سلمها لي قبل وفاته بثلاثة شهور.

وقال لي بالحرف:

“لو بنتي دخلت يوم المحكمة…

شغل التسجيل.”

كريم اتوتر.

وقال بسرعة:

— أي تسجيل ده؟

وصلوا الفلاشة بالشاشة الكبيرة.

اشتغل الفيديو.

ظهر أبويا.

قاعد في أوضة المستشفى.

وشه كان تعبان.

لكن عينيه…

كانت ثابتة.

ابتسم للكاميرا.

وقال:

— لو الفيديو ده اتعرض…

يبقى أنا خلاص عند ربنا.

يا نور…

لو إنتِ بتشوفيني…

اعرفي إني فخور بيكي.

دموعي نزلت.

وأنا ببص لوشه.

كمل كلامه.

— ويمكن تستغربي…

إني كنت عارف إن كريم هيبيعك.

من أول سنة جواز.

كريم انتفض.

وقال:

— كدب.

لكن الفيديو كمل.

— أول ما الشركة نجحت…

سمعته بنفسي…

وهو بيقول لواحد صاحبه:

“أول ما أكبر…

هنقل كل حاجة باسمي…

وأطلق نور.”

وأخرجت من جيبي منديلًا.

لأول مرة…

ما قدرتش أمنع دموعي.

أبويا أكمل:

— من يومها…

بدأت أوثق كل حاجة.

مش علشان أهد بيت بنتي.

لكن علشان لو في يوم…

حد حاول يسرق تعبها…

تلاقي حقها كامل.

ثم سكت لحظة.

وقال:

— يا كريم…

لو إنت بتتفرج على الفيديو…

فأنا عندي سؤال واحد.

لما كنت بتاخد فلوسي…

كنت راجل.

ولما نجحت…

نسيت الراجل اللي باع لقمة عيشه علشانك؟

كريم نزل رأسه.

لأول مرة…

ما قدرش يبص للشاشة.

أبويا ختم كلامه بجملة…

خلت كل الموجودين يصفقوا من غير ما يحسوا.

قال:

— الغني الحقيقي…

مش اللي يملك شركات.

الغني…

هو اللي ينام مرتاح…

وعمره ما أكل حق حد.

انتهى الفيديو.

وساد الصمت.

رئيس مجلس الإدارة وقف.

وقال:

— بعد مراجعة المستندات…

وبناءً على عقد التأسيس…

يُقرر المجلس بالإجماع…

عودة جميع صلاحيات الإدارة…

إلى المالكة الرئيسية…

السيدة نور محمود.

التصفيق ملأ القاعة.

أما كريم…

فكان واقف مكانه.

حاسس إن الأرض بتسحب من تحت رجليه.

وقبل ما يخرج…

لف ناحيتي.

وقال بصوت مكسور:

— نور…

ممكن نتكلم؟

بصيت له بهدوء.

وقلت:

— أول مرة تطلب تتكلم…

بعد ما خسرت كل حاجة.

لكن فات الأوان.

خرج من القاعة…

ورأسه في الأرض.

ولم يكن يعلم…

أن المصيبة الأكبر…

لم تكن خسارة الشركة.

بل أن النيابة كانت في انتظاره بالخارج…

وبيدها ملف جديد…

لا علاقة له بالطلاق أو الشركة…

بل بتهمة تزوير واختلاس…

عقوبتها قد تصل إلى سنوات طويلة من السجن.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *