اولياء الامور حكايات اسما2
الجزء الرابع
كل اللي في ساحة المدرسة…
وقف يبص ناحية العربية.
السيدة نزلت بهدوء.
كانت في منتصف الأربعينات.
أنيقة…
لكن ملامحها كلها دفء.
وقفت المديرة تستقبلها.
وقالت باحترام:
— أهلًا بحضرتك.
الست ابتسمت.
وقالت:
— أنا جيت بدعوة من مجلس الأمناء علشان أسلّم درع التفوق للطلبة.
ثم سألت فجأة:
— فين الطالبة ليان؟
المديرة اتفاجئت.
وقالت:
— حضرتك تعرفيها؟
ابتسمت السيدة.
وقالت:
— أعرف قصتها.
وصلتني من بنتي…
اللي كانت في نفس المدرسة زمان.
وسمعت كمان إن في ناس حاولت تمنعها من حضور الحفلة.
ساد صمت ثقيل.
بعض أولياء الأمور بدأوا يبصوا لبعض.
أما ليان…
فكانت قاعدة بعيد على كرسيها.
بتراقب كل حاجة.
السيدة مشت لحد ما وصلت لها.
وركعت قدامها.
وقالت بابتسامة:
— إنتِ ليان؟
هزت ليان رأسها.
فمدت السيدة إيدها وصافحتها.
وقالت:
— يشرفني أقابلك.
أنا جاية النهارده مخصوص علشان أشوف شجاعتك.
ليان بصتلها بعدم تصديق.
وقالت:
— شجاعة؟
أنا حتى مش عارفة أقف.
السيدة هزت رأسها.
وقالت بهدوء:
— الشجاعة عمرها ما كانت في الرجلين…
الشجاعة في القلب.
الكلمات دي…
خلّت ليان تبتسم لأول مرة من يومين.
في نفس اللحظة…
دخل مسؤول الأمن بسرعة.
وفي إيده جهاز لوحي.
وقال للمديرة:
— لقينا تسجيل جديد.
الكل لف ناحيته.
قال:
— الكاميرا الخارجية اللي في موقف السيارات كانت معطلة…
لكن في محل مقابل المدرسة وافق يدينا تسجيلاته.
المديرة طلبت تشغله فورًا.
تجمع الجميع حول الشاشة.
ظهر شخص خارج من عربية.
لابس كاب.
ودخل المدرسة من الباب الجانبي.
وبعد دقائق…
خرج بسرعة.
لكن وهو بيشيل الكمامة داخل العربية…
ظهرت ملامحه بوضوح.
شهقت إحدى الأمهات.
وقالت:
— ده… ابني!
لفت الأنظار كلها نحوها.
الولد كان واقف آخر القاعة.
وشه اصفر.
ورجليه بقت بترتعش.
المديرة قالت بحزم:
— تعالى هنا.
اقترب بخطوات بطيئة.
وعينيه في الأرض.
سألته:
— إنت اللي فكيت المنحدر؟
فضل ساكت.
لكن لما شاف أمه بتبكي…
انفجر في العياط.
وقال:
— أيوه…
أنا اللي عملت كده.
القاعة كلها اتقلبت همس.
الأم صرخت:
— ليه؟!
رد وهو بينهار:
— لأن بابا كان كل يوم يقول إن الحفلة كلها باظت بسببها…
وإن لازم حد يمنعها تطلع المسرح…
وأنا افتكرت إني لما أخوفها…
مش هتيجي.
ساد صمت مرعب.
الأب…
اللي كان أكتر واحد معترض في الاجتماعات…
ماعرفش يرفع عينه.
كل الوجوه اتجهت نحوه.
أما ليان…
فكانت بتبص للولد.
الولد قرب منها.
وهو بيعيط.
وقال:
— أنا آسف…
والله ما كنت عايز أقتلك…
كنت فاكر إنها مجرد حركة تخوفك.
فضلت ليان ساكتة ثواني.
ثم قالت بصوت هادئ:
— أنا مسامحاك…
بس أوعى في يوم تجرح حد علشان ترضي حد تاني.
الولد انهار في البكاء.
وأمه احتضنته.
أما الأب…
فخرج من القاعة وسط نظرات الجميع.
لأول مرة…
حس بالخجل الحقيقي.
لكن رغم كشف الحقيقة…
كانت المفاجأة الأكبر…
ما زالت مستنياهم…
لأن بداية الحفلة بعد دقائق…
هتشهد موقفًا لم يكن أحد يتوقعه…
الجزء الخامس
قبل بداية الحفلة بعشر دقائق…
كانت القاعة ممتلئة عن آخرها.
الطلبة لابسين روب التخرج.
وأولياء الأمور ماسكين موبايلاتهم.
وكل واحد مستني اللحظة اللي يشوف فيها ابنه أو بنته على المسرح.
أما ليان…
فكانت قاعدة خلف الستارة.
إيديها بتترعش.
بصيت لي.
وقالت بصوت منخفض:
— ماما…
أنا خايفة.
ابتسمت رغم دموعي.
وقلت:
— الخوف طبيعي…
بس النهارده مش يوم خوف.
النهارده يومك.
في اللحظة دي…
دخل آدم.
كان لابس بدلة التخرج.
وقف قدامها.
ومد إيده.
وقال:
— جاهزة؟
ابتسمت.
وقالت:
— جاهزة.
انطفأت أنوار القاعة.
وسلطت الكشافات على المسرح.
بدأت الموسيقى.
وطلع أول صف من الطلبة وسط تصفيق حار.
ثم جاء دور الرقصة الرئيسية.
الكل كان مستني يشوف إزاي المدرسة هتتعامل مع وجود ليان.
وفجأة…
الموسيقى وقفت.
ثانيتين فقط.
ثم بدأت مقطوعة جديدة…
هادئة…
ومؤثرة.
خرج آدم وحده إلى منتصف المسرح.
وقف.
ثم التفت ناحية الكواليس.
ومد ذراعه.
وفي اللحظة التالية…
خرجت ليان على كرسيها المتحرك.
لكنها لم تكن وحدها.
كل طلبة الفصل…
خرجوا خلفها.
لا واحد سبقها.
ولا واحدة حاولت تخطف الأضواء منها.
بل كوّنوا دائرة واسعة حولها.
ثم بدأت الرقصة.
لم تكن رقصة تعتمد على الأرجل.
كانت تعتمد على الحركة…
والتناسق…
ولغة الأيدي.
كل طالب كان يتحرك بطريقة تجعل ليان في قلب اللوحة الفنية.
وفي منتصف العرض…
وقف آدم خلف كرسيها.
وأدار الكرسي برفق مع إيقاع الموسيقى.
بينما بقية الطلبة شكلوا حولها جناحين كبيرين.
بدت وكأنها تطير.
ساد الصمت في القاعة.
ثم بدأت أصوات البكاء.
أمهات كثيرات…
حتى بعض من اعترضن في البداية…
كانوا بيمسحوا دموعهم.
المديرة كانت واقفة في آخر القاعة.
وعينيها مليانة فخر.
وعندما انتهت الموسيقى…
ساد صمت لثوانٍ.
ثم…
وقف شخص واحد يصفق.
كان والد إحدى الطالبات.
وبعده وقف شخص ثانٍ.
ثم ثالث.
وخلال لحظات…
وقف كل من في القاعة.
أكثر من ألف شخص…
يصفقون وهم واقفون.
استمر التصفيق دقائق طويلة.
أما ليان…
فكانت تبكي.
لكن لأول مرة منذ الحادث…
لم تكن دموع ألم.
كانت دموع انتصار.
اقتربت المديرة من الميكروفون.
وقالت:
— الليلة دي علمتنا درس عمرنا ما هننساه…
إن الكمال الحقيقي…
مش في إن كل الناس تكون شبه بعض.
الكمال…
إن كل واحد يلاقي مكانه من غير ما حد يطلب منه يختفي.
ساد هدوء عميق.
ثم تقدمت السيدة الضيفة إلى المسرح.
وأمسكت بيد ليان.
وقالت أمام الجميع:
— أنا جيت النهارده علشان أسلّم درع تفوق.
لكن اللي شوفته…
خلاني أطلب إضافة جائزة جديدة.
جائزة الشجاعة والإلهام.
ودي هتكون من نصيب…
ليان.
انفجرت القاعة بالتصفيق مرة أخرى.
أما ليان…
فرفعت الدرع بكلتا يديها.
وبصت للحضور.
ثم قالت جملة قصيرة…
خلّت القاعة كلها تبكي:
— كنت فاكرة إن الكرسي خلاني أقل من غيري…
لكن النهارده عرفت…
إن اللي وقف جنبي…
خلاني أقوى من أي وقت فات.
الجزء الأخير
بعد نهاية الحفلة…
بدأت القاعة تفضى.
الطلبة بيتصوروا.
والضحك مالي المكان.
أما ليان…
فكانت لسه قاعدة على المسرح.
حاسّة إن اللي عاشته الليلة…
أشبه بحلم.
وفجأة…
آدم قرب منها.
وقال وهو بيبتسم:
— ممكن أخطفك خمس دقايق؟
ضحكت لأول مرة من قلبها.
وقالت:
— موافقة.
خرج بيها إلى حديقة المدرسة.
كان المكان هادي.
وأنوار الزينة بتنور الأشجار.
وقف قدامها.
وأخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
ناولها ليه.
استغربت.
وقالت:
— إيه ده؟
قال بابتسامة:
— افتحي.
فتحت الظرف.
ولقت فيه صورة قديمة جدًا.
هي وآدم…
في أولى ابتدائي.
كانت واقفة بتجري في فناء المدرسة.
وهو بيجري وراها.
خلف الصورة…
مكتوب بخط طفل صغير:
“لما أكبر… هفضل صاحب ليان طول العمر.”
بصت له…
وعينيها دمعت.
وقالت:
— إنت لسه محتفظ بيها؟
ضحك.
وقال:
— كنت محتفظ بيها…
ومستني اليوم اللي أوريهالك.
سكت لحظة.
ثم أخذ نفسًا عميقًا.
وقال:
— يوم الحادث…
أول حاجة فكرت فيها…
إني خسرت ضحكتك.
ومن يومها…
كان نفسي أشوف الابتسامة دي ترجع.
النهارده…
رجعت.
وده أكبر انتصار في حياتي.
ابتسمت ليان.
وقالت:
— أنا كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
رد آدم بهدوء:
— لا…
حياتك بدأت من جديد.
في نفس اللحظة…
خرجت المديرة ومعاها السيدة الضيفة.
وقالت:
— ليان…
في خبر حلو.
استغربت.
قالت السيدة:
— أنا رئيسة مؤسسة بتدعم الشباب من ذوي الإعاقة.
والليلة دي…
قررنا نتكفل بالكامل بعلاجك وتأهيلك في مركز متخصص.
ولو الأطباء قالوا إن في فرصة لأي تحسن…
هنوفره مهما كانت تكلفته.
أنا…
ماقدرتش أتكلم.
أما ليان…
فغطت وشها بإيديها…
وانفجرت في البكاء.
لكن المفاجآت…
ما انتهتش.
بعد أسبوع…
انتشر فيديو الرقصة على مواقع التواصل.
ملايين الناس شافوه.
واتحولت ليان…
إلى مصدر إلهام لآلاف الأسر.
أما أولياء الأمور…
اللي كانوا رافضين وجودها…
فنشروا اعتذارًا رسميًا.
واعترفوا إنهم ظلموها…
وإنهم اتعلموا درسًا عمرهم ما هينسوه.
وبعد شهور…
رجعت ليان المدرسة.
مش كطالبة…
لكن كضيفة شرف.
وقفت على نفس المسرح.
وقالت للطلبة الجدد:
— يمكن الحياة تاخد منك حاجات كتير…
لكن أوعى تسمح لحد ياخد منك حقك في الحلم.
القصة دي مش عن كرسي متحرك.
ولا عن حفلة تخرج.
القصة عن إن قيمة الإنسان…
عمرها ما كانت في شكله…
ولا في جسمه…
لكن في قلبه…
وإصراره…
والناس اللي اختاروا يقفوا جنبه بدل ما يبعدوه.
تمت.