لست ابي حكايات اسما×3
الجزء الثامن
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
نظرت إلى الضابط بعدم تصديق.
وقلت:
— باسمي أنا؟! مستحيل… أنا عمري ما سافرت بره مصر.
وضع الضابط تقريرًا أمام المستشار.
وقال:
— ده اللي وصلنا من التعاون الدولي.
الخزنة اتفتحت الساعة 9:17 صباحًا.
بجواز سفر باسم ندى حسن.
وبصمة إلكترونية مطابقة للبيانات المسجلة.
ضرب كريم الطاولة بقبضته.
— دي أكيد هوية مزورة!
أومأ الضابط.
— إحنا كمان مقتنعين بكده.
لكن اللي أخد محتويات الخزنة…
اختفى قبل ما الشرطة الدولية توصل بدقائق.
فتح المستشار الملف بسرعة.
ثم قال:
— لازم نعرف كان فيها إيه.
بعد ساعات…
وصل تقرير من البنك.
كانت الخزنة تحتوي على:
وصية أصلية لفؤاد عزمي.
ثلاثة أقراص تخزين مشفرة.
دفتر حسابات مكتوب بخط اليد.
عقد تأسيس شركة عمره 27 سنة.
وصورة لطفلة رضيعة ملفوفة في بطانية بيضاء.
نظر الجميع إلى الصورة.
كانت الطفلة تضع في معصمها إسورة صغيرة.
اقترب المستشار منها.
ثم ارتجفت يده.
وقال:
— دي… ندى.
رفعت حاجبي في دهشة.
— يعني الصورة كانت ليا؟
هز رأسه.
— أيوه.
لكن الغريب…
إن اللي كان شايلك في الصورة…
مش حسن.
ولا سلوى.
كان رجلًا آخر.
وجهه غير واضح.
لكن في يده خاتم فضي عليه نقش غريب.
نظر الضابط إلى الخاتم.
وقال:
— الخاتم ده ظهر قبل كده.
فتح ملفًا آخر.
وأخرج صورة من مسرح جريمة مقتل حسن.
كان نفس الخاتم ظاهرًا في انعكاس زجاج سيارة متوقفة بعيدًا.
قال كريم:
— يعني قاتل حسن هو نفسه اللي كان شايل ندى وهي طفلة؟
رد المستشار:
— أو شخص من نفس المنظمة.
وقبل أن يكمل…
دخل خبير الأدلة الجنائية مسرعًا.
وقال:
— قدرنا نفك تشفير أول قرص من النسخة الاحتياطية اللي كانت مع حسن.
أسرع الجميع إلى غرفة التحليل.
ظهر تسجيل فيديو قديم.
كان التاريخ يعود إلى سبعة وعشرين عامًا.
ظهر فيه فؤاد عزمي، والد ندى الحقيقي.
كان يبدو مرهقًا.
وينظر مباشرة إلى الكاميرا.
وقال:
“لو بتشوفي الرسالة دي يا ندى… يبقى أنا غالبًا مش عايش.”
توقفت أنفاسي.
وأكمل والدي:
“أنا ما سرقتش حد… والفلوس اللي بيقولوا عليها أمانات تخص آلاف الناس. أخفيتها علشان العصابة ما تسرقهاش.”
ثم أخرج مفتاحًا ذهبيًا صغيرًا أمام الكاميرا.
وقال:
“المفتاح ده هيوصل للحق… لكن إوعي تثقي في أي حد… حتى أقرب الناس ليكي.”
توقف التسجيل فجأة.
ظهرت شاشة سوداء.
ثم ظهرت جملة واحدة بخط أبيض:
“تم حذف بقية التسجيل بواسطة المستخدم: R.”
نظر الجميع إلى بعضهم.
قال كريم:
— مين “R” دي؟
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف الضابط.
استمع لثوانٍ…
ثم أغلق الخط ببطء.
وسقط الصمت على الغرفة.
سأله المستشار:
— خير؟
قال الضابط بصوت خافت:
— لقينا ريم…
لكنها كانت في حالة انهيار كامل…
وأول كلمة قالتها بعد ما فاقت كانت:
“ما تروحوش للمفتاح… لأنه مش بيفتح خزنة… بيفتح قبر.”
الجزء التاسع
ساد صمت ثقيل داخل غرفة التحقيق.
نظر الجميع إلى ريم وهي ترتجف على السرير.
كانت شاحبة، وعيناها حمراوين من كثرة البكاء.
اقترب منها الضابط بهدوء.
وقال:
— ريم… إيه معنى كلامك؟
هزت رأسها بعنف.
وهمست:
— لو قلت أي حاجة… هيقتلوني.
رد المستشار فؤاد:
— اللي بيهددك مش هيقدر يوصل لك دلوقتي.
رفعت رأسها ببطء.
ثم قالت:
— أنتم فاكرين إن المفتاح ده بيفتح خزنة فيها فلوس…
لكن الحقيقة…
إنه بيفتح غرفة مدفونة تحت الأرض.
نظر إليها الجميع في ذهول.
قال كريم:
— غرفة فين؟
أغمضت عينيها.
ثم قالت:
— تحت المصنع القديم… اللي كان مملوك لفؤاد عزمي.
فتح المستشار الملف بسرعة.
وأخرج خريطة قديمة.
ظل يقلب صفحاتها حتى توقف فجأة.
وأشار إلى نقطة حمراء صغيرة.
وقال:
— المصنع ده اتقفل من ستة وعشرين سنة بعد حريق ضخم.
ابتسمت ريم ابتسامة حزينة.
— الحريق كان تمثيلية.
كل الناس افتكرت إن المصنع اتحرق بالكامل…
لكن تحت المبنى فيه بدروم سري.
وفي آخر البدروم…
باب حديد.
والمفتاح الذهبي هو اللي بيفتحه.
سألها الضابط:
— عرفتي الكلام ده منين؟
نزلت دموعها.
وقالت:
— سمعت حسن والخواجة بيتكلموا من خمس سنين.
كنت مستخبية.
ومن يومها…
وأنا عارفة إنهم مخبيين سر هناك.
لكن ما كنتش أعرف السر نفسه.
في صباح اليوم التالي…
تحركت قوة من النيابة والشرطة.
وكان المستشار فؤاد وكريم وأنا معهم.
وصلنا إلى المصنع المهجور.
كانت الجدران متشققة.
والحديد كله مغطى بالصدأ.
لكن الغريب…
أن بابًا جانبيًا كان نظيفًا.
وكأنه يُفتح باستمرار.
قال أحد الضباط:
— فيه حد بيدخل هنا لحد دلوقتي.
نزلنا درجات طويلة إلى أسفل.
حتى وصلنا إلى باب فولاذي ضخم.
وفي منتصفه…
فتحة صغيرة على شكل مفتاح قديم.
أخرج المستشار المفتاح الذهبي.
نظر إليّ.
وقال:
— والدك كان واثق إنك هتوصلي لليوم ده.
أدخل المفتاح.
وداره ببطء.
صدر صوت معدني قوي.
ثم بدأ الباب يفتح ببطء شديد.
اندفعت رائحة تراب ورطوبة قديمة.
أضاء أفراد الشرطة المصابيح.
ودخلوا أولًا.
لكن بعد ثوانٍ…
تجمدوا في أماكنهم.
سأل الضابط من الخارج:
— في إيه؟
لم يرد أحد.
دخلنا خلفهم.
وعندما نظرت إلى الداخل…
شعرت بأن أنفاسي توقفت.
لم تكن الغرفة مليئة بالأموال…
ولا بالذهب.
كانت مليئة بعشرات الصناديق المعدنية.
وعلى كل صندوق…
اسم شخص.
وتاريخ.
ورقم قضية.
همس المستشار فؤاد وهو ينظر حوله:
— يا إلهي…
دي مش مخازن…
دي أرشيف كامل.
اقترب أحد خبراء الأدلة من أول صندوق.
فتحه بحذر.
ثم رفع رأسه وهو مذهول.
وقال:
— الصندوق ده فيه تسجيلات ووثائق تثبت إن عشرات القضايا المشهورة خلال آخر سبعة وعشرين سنة… تم التلاعب فيها.
وقبل أن يفتحوا الصندوق الثاني…
صدر صوت تصفيق هادئ من آخر الغرفة.
التفت الجميع بسرعة.
وخرج رجل مسن من الظلام، يرتدي بدلة سوداء أنيقة.
ابتسم ابتسامة باردة وقال:
— أحسنتم…
وصلتم أخيرًا.
رفع الضابط سلاحه نحوه.
لكن الرجل لم يتحرك.
بل قال بهدوء:
— أنا مش الخواجة…
أنا مجرد الشخص اللي هيعرفكم…
مين هو الخواجة الحقيقي.
الجزء الأخير
ساد الصمت داخل الغرفة.
كل العيون اتجهت نحو الرجل المسن.
قال الضابط وهو يوجه السلاح إليه:
— اتكلم.
ابتسم الرجل وقال بهدوء:
— طول السنين دي… كنتم بتدوروا على شخص اسمه “الخواجة”.
لكن الحقيقة…
الخواجة عمره ما كان شخصًا واحدًا.
كان اسمًا بيتسلم من واحد للتاني.
كل ما يموت أو يختفي قائد…
يسلم الاسم والملفات للي بعده.
اقترب المستشار فؤاد خطوة.
وقال:
— وآخر واحد؟
نظر الرجل إليّ مباشرة.
وقال:
— آخر واحد… مات من شهر.
وأنا جيت أسلمكم كل حاجة.
ألقى حقيبة جلدية على الأرض.
فتحها الضابط.
كانت مليئة بعقود أصلية، وتسجيلات، وأختام رسمية، وأقراص تخزين.
قال الرجل:
— كل الأدلة دي كفاية تبرئ والد ندى الحقيقي… وتدين كل أفراد الشبكة.
سأله كريم:
— وليه تساعدنا؟
تنهد الرجل.
وقال:
— لأني كنت واحد منهم.
لكن لما شفت كام إنسان بريء اتدمر…
قررت أنهي كل حاجة.
وفي اللحظة نفسها…
دخلت قوة كبيرة من الشرطة والنيابة.
تم التحفظ على جميع الملفات.
وبدأت التحقيقات الرسمية.
خلال الشهور التالية…
تم القبض على عشرات المتهمين.
وكُشف عن شبكة ضخمة لتزوير العقود وغسيل الأموال وابتزاز رجال الأعمال.
وصدر حكم بالسجن المشدد على كل من شارك في الجرائم.
أما سلوى…
فحصلت على حكم مخفف بعد اعترافها الكامل، وتعاونها مع جهات التحقيق.
وريم…
اعترفت بكل ما تعرفه، واعتذرت لي وهي تبكي.
قالت:
— عمري ما كنت أتخيل إن غيرتي هتوصلني لكل ده.
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت:
— اللي حصل عمره ما هيتنسي…
لكن الكراهية مش هترجعلي اللي ضاع.
تركتها ورحلت.
بعد انتهاء القضية…
تم إعلان براءة فؤاد عزمي رسميًا.
وأعيد إليه اعتباره بعد وفاته.
كما أُعيدت أموال المستثمرين التي أمكن استردادها.
وتقرر إنشاء مؤسسة خيرية باسمه لدعم ضحايا الاحتيال والفساد.
أما أنا…
فخضعت لعدة عمليات جراحية.
وبفضل الله…
استعدت معظم بصري.
وبقي أثر صغير بجوار عيني اليسرى.
في البداية كنت أكرهه.
لكن كريم كان يقول لي كل يوم:
— الندبة دي مش علامة ضعف…
دي دليل إنك انتصرتي.
وبعد عام كامل…
وقفنا في نفس المكان الذي كان من المفترض أن نقيم فيه حفل زفافنا.
لكن هذه المرة…
لم يكن هناك خوف.
ولا أسرار.
ولا أكاذيب.
أمسك كريم بيدي.
وقال أمام الجميع:
— وعدتك زمان إني مش هسيبك.
والنهارده…
بوفي بوعدي.
ابتسمت وسط دموعي.
وأجبت:
— وأنا كمان.
تم عقد قراننا وسط الأهل والأصدقاء الذين بقوا إلى جانبنا في أصعب الأيام.
وبعد انتهاء الحفل…
سلمني المستشار فؤاد صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قال:
— والدك الحقيقي كتب الرسالة دي ليكي يوم ولادتك.
فتحتها بيدين مرتعشتين.
وكان مكتوبًا فيها:
“يا ندى… يمكن ما أكونش موجود لما تكبري. لكن افتكري دايمًا إن الحقيقة ممكن تتأخر… لكنها عمرها ما بتموت. ولو جه يوم واضطريتي تختاري بين المال والحق… اختاري الحق. لأنه الحاجة الوحيدة اللي هتفضل معاكي طول العمر.”
ضممت الرسالة إلى صدري.
ورفعت عيني إلى السماء.
وشعرت لأول مرة…
أن العدالة قد تتأخر…
لكنها في النهاية تجد طريقها دائمًا.
تمت.