١٨ مكالمه حكايات أسما ×1
جوزي تجاهل 18 مكالمة وابني بيموت علي ايدي وهو بينادي عليه… ولما لقيت بخاخة ابني الفاضية في جيبه، أبويا بصله نظرة واحدة وقال: “إنت انتهيت.”
الساعة كانت 11:47 بالليل…ولأول مرة في حياتي…
سمعت صوت جهاز القلب وهو بيعلن النهاية.صوت طويل…
بارد…قسم حياتي نصين.أنا اسمي ريم.وابني ريان…
كان عنده خمس سنين.خمس سنين من الضحك…
والشقاوة…وبيجامة باتمان…والرسومات اللي كان كل يوم يعلقها على التلاجة وهو فرحان.كل ده…خلص في لحظة.إيده الصغيرة كانت في إيدي…وفجأة حسيت إنها بردت.قبلها بساعات…بصلي من ورا ماسك الأكسجين…
وقال بصوت تعبان:”هو بابا جاي؟”حضنت وشه…
وكدبت عليه لأول مرة.قلت:”أيوه يا حبيبي…بابا في الطريق.”لكن الحقيقة…إني كنت باتصل بيه من ساعات.
مرة…
واتنين…
وعشرة…ولحد ما وصلوا تمنطاشر مكالمة.ولا مرة رد.
تمنطاشر مكالمة…وأنا واقفة قدام العناية المركزة للأطفال…والدكاترة بيحاولوا ينقذوا ابني..وريان…
كل شوية يسأل نفس السؤال:”بابا فين؟”لكن باباه…ماجاش.ولما الدكتور شال إيده عن صدر ريان…
وبصلي بنظرة كلها أسف…قال بهدوء:”البقاء لله.”
“وقت الوفاة…11:47 مساءً.”قعدت جنب ابني…
ساعتين كاملين.لا صرخت…ولا عيطت.كان الوجع أكبر من أي دموع..الساعة 2:17 الفجر..ظهر كريم سالم.
جوزي.بدلته لسه شيك…وربطة الكرافت مفكوكة…
وشعره مبهدل.مش من الجري…لكن كأنه خارج من مكان تاني.أول ما شافني…جري عليا وقال:”ريم…موبايلي فصل شحن.كنت في عشا شغل.أول ما شحنته…جريت على هنا.”
بصيتله بمنتهى الهدوء…وقلت:”ابنك مات.”
“ومات وهو بينادي عليك.”وشه اصفر…وقال:”مستحيل.”
قلت:”من تلات ساعات.”وقع على الكرسي…ودفن وشه بين إيديه.وقال بصوت مكسور:”أنا آسف…كان لازم أكون موجود.”رديت من غير ما أرفع صوتي:”أيوه…كان لازم.”
بعد ساعات من الالم وهو كان اداني الجاكيت بتاعه أحطه على كتفي. وأنا بدور على منديل…إيدي دخلت جيبه.
حسيت بحاجة بلاستيك.طلعتها…واتجمدت مكاني.كانت…
بخاخة ريان الاحتياطية.البخاخة…اللي اختفت من شنطته الصبح.رجّيتها بإيدي…لقيتها…فاضية.
حسيت إن نفسي بيتقطع.إيه اللي جاب بخاخة ابني في جيب كريم؟وليه كانت فاضية؟في ثانية…كل أعذاره…
وكل كدبه…وكل تأخيره…لفوا في دماغي.
ولسه هفتح بُقي وأسأله…باب الأسانسير اتفتح.
ونزل منه…أبويا.الحاج فؤاد الشاذلي.رجل الأعمال المعروف…والراجل الوحيد…اللي كريم كان بيهابه بجد.
أبويا ما اتكلمش.بصلي.وبص لكريم.وبعدين بص للبخاخة اللي في إيدي.نظرة واحدة بس…كانت كفاية.وقال بصوت هادي…لكن مرعب:”من النهارده…إنت انتهيت يا نطع”
أما كريم…فرجع خطوة لورا.ولأول مرة…الخوف الحقيقي بان في عينه.لأنه أخيرًا فهم…إن اللي بدأ الليلة…مش عزا.
دي…بداية نهايته.يتبع…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الثاني
فضل أبويا واقف…
وعينه ما فارقتش كريم.
أما كريم…
فكان باصص للبخاخة…
وكأن أول مرة يشوفها.
قال بصوت مهزوز:
“دي… دي إزاي وصلت عندي؟”
رفعت البخاخة قدامه.
وقلت:
“قول إنت.”
“دي كانت في شنطة ريان الصبح.”
“اختفت.”
“ودلوقتي لقيتها في جيبك.”
مد إيده ياخدها.
لكن أبويا سبقه.
خدها من إيدي بهدوء.
ولفها في منديل.
وقال:
“محدش يلمسها.”
كريم اتوتر.
وقال:
“حضرتك… أكيد في سوء تفاهم.”
أبويا بصله نظرة جامدة.
وقال:
“من أول دلوقتي…”
“كل كلمة هتقولها هتتحاسب عليها.”
أنا كنت واقفة…
حاسسة إن الدنيا بتلف.
افتكرت الصبح.
قبل ما أنزل بريان الحضانة.
كنت بحط البخاخة الاحتياطية في جيبه الصغير.
وهو ضحك.
وقال:
“ماما… أنا بقيت بطل.”
ضحكت وقتها.
وقلت:
“أيوه يا حبيبي.”
“بس البطل لازم ياخد بخاخه معاه.”
يعني…
أنا متأكدة إنها كانت معاه.
بصيت لكريم.
وقلت:
“إنت خرجت الصبح قبلنا.”
“صح؟”
هز راسه.
قلت:
“ودخلت أوضة ريان قبل ما تمشي.”
قال بسرعة:
“كنت ببوسه.”
قلت:
“بس.”
ما ردش.
أبويا قال:
“جاوب.”
تنهد كريم.
وقال:
“هو كان بيكح.”
“فأخدت البخاخة من الشنطة.”
“وقلت هجيبله واحدة جديدة وأنا راجع.”
اتجمدت.
قلت:
“ليه تاخدها أصلًا؟”
قال:
“البخاخة بتاعتي خلصت…”
“وحسيت بضيق في نفسي.”
“فاستخدمتها.”
بصيتله بعدم تصديق.
قلت:
“استخدمت بخاخة ابنك…”
“وسبتها فاضية…”
“ونسيت تشتري غيرها؟”
ما عرفش يرد.
كل اللي عمله…
إنه نزل راسه.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
الدكتور كان معدي من جنبنا.
سمع آخر الكلام.
وقف.
وقال:
“الطفل كان بيعتمد على البخاخة الاحتياطية في الحالات الطارئة؟”
قلت:
“أيوه.”
بص للدكتور…
ثم للبخاخة.
وقال:
“لو سمحتم احتفظوا بيها.”
“ومتتخلصوش منها.”
أبويا هز راسه.
وقال:
“متقلقش.”
“كل حاجة هتفضل زي ما هي.”
بعدها…
لف ناحية كريم.
وقال بمنتهى الهدوء:
“من اللحظة دي…”
“كل اللي هيحصل…”
“هيكون عن طريق القانون.”
وفي نفس اللحظة…
وصلت ممرضة مسرعة.
وقالت:
“مدام ريم…”
“في حاجة لقيناها مع متعلقات ريان.”
ناولِتني ظرفًا صغيرًا.
فتحته…
ولقيت فيه ورقة مطوية…
بخط طفل.
كانت آخر رسمة رسمها ريان في الحضانة…
وتحتها خمس كلمات فقط…
“أنا بحب ماما… وبابا كمان.”
وقعت الرسمة من إيدي…
ولأول مرة من ساعة وفاة ابني…
انهرت في البكاء.
الفصل الثالث
عدى يومين…
وكأن الزمن وقف.
البيت…
اللي كان كل يوم مليان صوت ريان…
بقى ساكت.
لدرجة إني كنت كل شوية أتخيل إني سامع ضحكته.
أفتح باب أوضته…
وأفتكر إنه مش هيرجع.
أما كريم…
فكان بيتصل كل ساعة.
وأنا…
ولا مرة رديت.
في صباح اليوم الثالث…
المحامي بتاع أبويا وصل البيت.
قعد قدامي.
وقال بهدوء:
“أنا عارف إن الوقت صعب.”
“لكن لازم نحافظ على كل حاجة.”
“البخاخة…”
“ورسائل التليفون…”
“وسجل المكالمات…”
“أي حاجة ممكن توضح اللي حصل.”
هزيت راسي.
وفتحت موبايلي.
كان فيه…
تمنتاشر مكالمة لم يُرد عليها.
كلها في نفس الليلة.
وآخر رسالة بعتها لكريم كانت:
“رد عليا بسرعة… ريان مش قادر يتنفس.”
بعدها…
مافيش أي رد.
المحامي أخد صور لكل حاجة.
وقال:
“دلوقتي…”
“هنسيب التحقيق ياخد مجراه.”
في نفس اليوم…
كريم جه البيت.
كان شكله منهار.
أبويا فتح الباب.
وقال ببرود:
“إيه اللي جابك؟”
قال كريم:
“عايز أكلم ريم.”
أبويا رد:
“لو عندك كلام…
قوله قدامي.”
دخل كريم.
أول ما شاف صورة ريان المعلقة على الحيطة…
عيط.
وقال:
“والله ما كنت أتمنى ده يحصل.”
بصيتله.
وقلت:
“أنا سألتك سؤال.”
“ليه كانت بخاخة ريان في جيبك؟”
مسح دموعه.
وقال:
“أنا كنت مخنوق الصبح.”
“واستخدمتها.”
قلت:
“وبعدين؟”
قال:
“حطيتها في جيبي…”
“واستعجلت على الشغل.”
“ونسيت أرجعها.”
قلت:
“ونسيت ترد على تمنتاشر مكالمة؟”
سكت.
قلت:
“ونسيت إن ابنك كان في المستشفى بيموت؟”
رد بصوت مكسور:
“الموبايل كان سايلنت.”
أبويا ضرب بإيده على الترابيزة.
وقال:
“سايلنت؟”
“ثمنتاشر مكالمة ما خلتكش تقلق؟”
كريم نزل راسه.
ولأول مرة…
قال جملة ما قالهاش قبل كده.
“أنا السبب في إني ما كنتش جنبه.”
ساد الصمت.
الجملة كانت تقيلة.
لكنها ما كانتش اعتراف إنه تسبب في وفاته…
كانت اعتراف إنه غاب عنه…
في أصعب لحظة في حياته.
وقبل ما يمشي…
طلع من جيبه ظرف صغير.
وقال:
“ده كان هدية لريان.”
فتحته.
لقيت عربية لعبة…
كان نفسه فيها من شهر.
افتكرت يومها…
لما ريان قال لأبوه وهو بيضحك:
“بابا… هتجيبهالي؟”
رد عليه:
“أول المرتب.”
لكن المرتب جه…
وريان…
ما بقاش موجود.
أما أبويا…
فكان باصص لكريم من بعيد.
وقال بهدوء شديد:
“في فرق كبير…”
“بين اللي بيغلط…”
“واللي بيتأخر لحد ما الغلط يبقى عمره ما يتصلح.”
وساعتها…
رن تليفون المحامي.
رد…
واستمع ثواني.
ثم بصلي.
وقال:
“المستشفى خلصت تقريرها الأولي…”
“وفيه معلومة مهمة جدًا عن حالة ريان في الساعات الأخيرة.”
الفصل الرابع
اتجمدت مكاني…
وبصيت للمحامي.
قلت:
“قالوا إيه؟”
قفل التليفون…
وقعد بهدوء.
وقال:
“التقرير الأولي بيقول إن ريان وصل المستشفى وهو في أزمة تنفس حادة.”
“والدكاترة عملوا كل اللي يقدروا عليه.”
“لكنهم طلبوا استكمال بعض الإجراءات قبل ما يخلص التقرير النهائي.”
سألته بسرعة:
“يعني البخاخة كانت السبب؟”
هز رأسه.
وقال:
“لسه محدش يقدر يقول كده.”
“ولا حد يقدر ينفيه.”
“علشان كده… لازم نستنى النتيجة النهائية.”
أبويا بصلي.
وقال:
“إوعي تخلي غضبك يخليكي تستنتجي حاجة قبل ما الحقيقة تظهر.”
هزيت رأسي…
لكن قلبي كان مليان أسئلة.
بعد يومين…
اتحدد ميعاد عزاء ريان.
الناس كانت داخلة بالعشرات.
كل واحد يقول:
“البقاء لله.”
وأنا…
حاسة إن كل كلمة بتعدي من غير ما أوصلها.
فجأة…
دخل كريم.
لابس أسود.
وشكله مرهق.
أول ما الناس شافوه…
الهمس بدأ.
“ده الأب.”
“إزاي ابنه يموت وهو مش موجود؟”
كريم مشي لحد صورة ريان.
وقف قدامها.
وبكى.
بكاء لأول مرة أشوفه بالشكل ده.
لكن…
أنا ما اتحركتش.
بعد انتهاء العزاء…
كان كل الناس مشيت.
فضل هو واقف.
قرب مني.
وقال:
“عارف إنك مش هتسامحيني.”
“بس فيه حاجة لازم تعرفيها.”
قلت ببرود:
“اتكلم.”
طلع موبايله.
فتح سجل المكالمات.
وقال:
“بصّي.”
بصيت.
لقيت فعلًا…
التمنتاشر مكالمة ظهروا عنده.
لكن كلهم…
كانوا بدون أي رد.
قال:
“الموبايل كان في العربية.”
“وأنا كنت في اجتماع.”
“ولما خرجت…”
“شحنه كان خلص.”
بصيتله.
وقلت:
“حتى لو ده حصل…”
“إيه اللي يمنعك ترد أول ما شحنته؟”
نزل رأسه.
وقال:
“لما شفت العدد…”
“قلبي وقع.”
“لكن كنت متأكد إني اتأخرت.”
سكت شوية…
ثم قال بصوت متكسر:
“أنا عمري ما هسامح نفسي.”
لفيت أمشي.
لكن أبويا قال له:
“الندم…”
“مش هيرجع طفل مات وهو مستني حضنك.”
في اللحظة دي…
دخل المحامي بسرعة.
وكان في إيده ظرف مختوم.
وقال:
“التقرير النهائي وصل…”
“وأعتقد…”
“إنه هيجاوب على كل الأسئلة اللي فضلنا نسألها من يوم وفاة ريان.”
يتبع