امي بتموت حكـايـات أسمـا السـيد ×1

“أمي بتموت… وأنا معيش فلوس أشتري التذكرة.”
قالتها نور وهي بتحاول تمنع دموعها تنزل.
موظفة شركة الطيران بطلت كتابة على الكمبيوتر، وبصتلها بحزن…ولثواني…صالة السفر كلها سكتت.
في اللحظة دي…موبايل نور رن.
بصت للشاشة.مستشفى الرحمه الدولي – القاهرة.
قلبها وقع…ردت بسرعة.
“ألو… أنا نور محمود.”
جالها صوت الدكتور.
“يا أستاذة نور… حالة والدتك بقت غير مستقرة.”
مسكت الكاونتر بإيديها.
وقالت بصوت مرتعش:
“يعني إيه غير مستقرة؟”
سكت الدكتور ثواني.
السكوت اللي هي نفسها كانت بتعمله وهي ممرضة طوارئ قبل ما تبلغ أي أهل بخبر صعب.
قال بهدوء:
“القلب دخل في اضطراب شديد… إحنا بنحاول نثبت الحالة، لكن لازم توصلي في أسرع وقت.”
همست:
“أنا بحاول.”
“أنا في المطار.
“بس مش عارفة أسافر.”
المكالمة انتهت.
فضلت واقفة مكانها.
لابسة يونيفورم التمريض الكحلي بعد شيفت 12 ساعة.
وشعرها مربوط بسرعة.
والموبايل بيرتعش في إيدها.
الموظفة قالت بأسف:
“صدقيني دورت على كل الرحلات.”
“مفيش مكان.”
“والتذكرة الوحيدة المتاحة سعرها 42 ألف جنيه.”
نور نزلت عينها للأرض.
كل اللي معاها…
أقل من خمسة آلاف جنيه.
كانت باعت سلسلة دهب ورثاها عن أمها.
وسحبت كل اللي في حسابها.
وبرضه المبلغ ما كفاش.
في اللحظة دي…
رن موبايلها تاني
كانت خالتها.
ردت بسرعة.
“خالتي… بالله عليكي، سلفيني باقي المبلغ.”
“هرجعهولك أول الشهر.”
سكتت خالتها شوية.
وبعدين قالت ببرود:
“أنا قلتلك زمان متسيبيش إسكندرية وتروحي تشتغلي في شرم.”
نور اتصدمت.
وقالت:
“ماما بتموت.”
ردت خالتها:
“وده مش ذنبي.”
“كان لازم تحوشي.”
نور شهقت من الصدمة.
“أنا بطلب منك فلوس علشان ألحق أودع أمي!”
لكن المكالمة اتقفلت في وشها.
فضلت ماسكة الموبايل.
وبعدين انهارت.
قعدت على كرسي المطار ودفنت وشها بين إيديها.
كانت بتعيط..
عيط البنت اللي عرفت إن الفلوس ممكن تمنعها تشوف أمها للمرة الأخيرة.
وقتها…
كان فيه راجل في أوائل الأربعينات، لابس بدلة رمادي شيك، وقاعد على بعد كام متر.
كان سامع كل حاجة.
قام من مكانه.
وقف قدامها.
وقال بهدوء:
“تعالي معايا.”
رفعت رأسها باستغراب.
“حضرتك بتكلمني أنا؟”
ابتسم ابتسامة بسيطة.
وقال:
“أنا مسافر القاهرة دلوقتي.”
نور بصتله بعدم فهم.
“بس الرحلات كلها كاملة.”
قال:
“أنا مش مسافر بطيران عادي.”
طلع كارت من جيبه وادهولها.
مكتوب عليه:
يوسف المنشاوي
رئيس مجلس إدارة مجموعة المنشاوي للاستثمار.
بصت للكارت.
وبعدين بصتله.
قال:
“الطيارة الخاصة بتاعتي مستنياني.”
“وفيها سبع أماكن فاضية.”
نور رجعت خطوة لورا.
وقالت بحذر:
“أنا معرفكش.”
هز رأسه وقال:
“وده حقك.”
“اعملي سيرش على اسمي.”
“وكلمي أمن المطار.”
“وخليهم ييجوا معانا.”
“وابعتي رقم الطيارة لأي حد تعرفيه.”
فضلت باصة له.
وسألته: “ليه؟”
تنهد يوسف.
وبص من الشباك ناحية المدرج.
وقال بصوت هادي:”لأن أمي ماتت…””…وأنا ما لحقتش أوصلها.”
سكت لحظة…وأضاف..”من أربع سنين.”
“ومن يومها…”
“وأنا بتمنى لو كان فيه حد وقف جنبي وقاللي: فيه فرصة تانية.”
نور حسّت إن كلامه خارج من قلب مكسور.
وفي اللحظة دي…
وصل إشعار جديد على موبايلها.
رسالة صوتية من المستشفى.
إيدها بدأت ترتعش.
ووشها شحب.
يوسف أخد شنطتها الصغيرة من على الأرض.
وقال بحزم:
“الخوف بعدين.”
“دلوقتي… أمك مستنياكي.”
نور بصت لإيده الممدودة
وترددت ثواني
لكن لما افتكرت أمها…
مسكت إيده.
وقالت:”يلا…وهي لسه متعرفش..
إن أول ما أمها هتفوق في المستشفى…
أول شخص هتبصله مش هيكون بنتها.
هيكون…وهتقول اسم..
الاسم ده هيقلب حياة الاتنين رأسًا على عقب.
يتبع…الفصل الثاني

الرحلة اللي غيرت كل حاجة

نور كانت ماشية جنب يوسف وهي لسه مش مستوعبة اللي بيحصل.

كل كام خطوة كانت تبص حواليها كأنها مستنية حد يوقفهم ويقول إن كل ده سوء تفاهم.

لكن رجال الأمن كانوا واقفين عند البوابة الخاصة، وأول ما شافوا يوسف، فتحوا الطريق فورًا.

واحد منهم قال باحترام:

“الطائرة جاهزة يا فندم.”

يوسف أشار ناحية نور.

“المدام معايا.”

الأمن اكتفى بهزة رأس.

أما نور…

فكانت حاسة إنها دخلت عالم عمرها ما شافته.

بعد دقائق قليلة…

كانت قاعدة قدام شباك الطائرة الخاصة.

أول مرة في حياتها تركب طائرة بالشكل ده.

لكن لا الكراسي الجلد، ولا الهدوء، ولا الضيافة كانوا شاغلين بالها.

كل تفكيرها كان عند أمها.

فتحت الرسالة الصوتية اللي باعتها المستشفى.

خرج صوت الدكتور متعب:

“يا أستاذة نور… لو سمعتي الرسالة دي، حاولي توصلي بسرعة… والدتك دخلت على جهاز التنفس الصناعي.”

الموبايل وقع من إيديها.

دموعها نزلت من غير صوت.

يوسف كان قاعد في المقعد المقابل.

سابها تعيط.

ما حاولش يقول ولا كلمة.

كان عارف إن في وجع مفيش كلام يخففه.

بعد شوية…

ناولها زجاجة مية.

قال بهدوء:

“اشربي.”

أخدتها وهي بتحاول تتمالك نفسها.

سألها:

“اسم والدتك إيه؟”

“الحاجة فاطمة.”

ابتسم ابتسامة خفيفة.

“ربنا يشفيها.”

نور بصتله.

وقالت لأول مرة:

“شكراً.”

هز راسه.

“لما توصلي وتلاقيها بخير… ابقي اشكريني.”

سكتت ثواني.

وبعدين قالت:

“هو حضرتك دايمًا بتساعد الناس؟”

ضحك ضحكة قصيرة.

“لأ.”

“أومال ليه ساعدتني؟”

بص من الشباك.

وقال:

“لأنك فكرتيني بنفسي.”

…

بعد ساعة ونصف…

الطائرة هبطت في القاهرة.

أول ما الباب اتفتح…

كانت عربية إسعاف خاصة مستنياهم.

يوسف كان مبلغ المستشفى قبل الوصول.

ركبت نور العربية وهي قلبها هيقف من الخوف.

كل دقيقة كانت بتعدي كأنها سنة.

ولما وصلت المستشفى…

جريت في الممرات وهي بتنادي:

“ماما… ماما…”

الممرضة وقفتها.

“حضرتك بنت الحاجة فاطمة؟”

“أيوة.”

“اتفضلي بسرعة.”

دخلت غرفة العناية المركزة.

الأجهزة كانت بتطلع أصوات منتظمة.

ووالدتها نايمة، وشها شاحب جدًا.

نور مسكت إيدها.

وبكت.

“أنا جيت يا ماما…”

“سامحيني…”

“متسبنيش…”

في اللحظة دي…

مؤشرات القلب بدأت تتحرك بسرعة.

الدكتور جري.

الممرضات دخلوا.

وبعد ثوانٍ…

الحاجة فاطمة فتحت عينيها بصعوبة.

أول حاجة شافتها…

ما كانتش نور.

كانت الراجل اللي وقف عند باب الأوضة بهدوء…

يوسف.

اتسعت عينيها فجأة.

وشفايفها اتحركت بصعوبة.

وهمست بكلمة واحدة:

“يوسف…”

الصمت سيطر على المكان كله.

نور بصت لأمها…

وبعدين بصت ليوسف.

وقالت بدهشة:

“إنتوا تعرفوا بعض؟”

أما يوسف…

فاتجمد مكانه.

ولون وشه اتغير.

وقال بصوت شبه الهمس:

“مستحيل…”

لأن الست اللي قدامه…

كان فاكر إنها ماتت من أكتر من عشرين سنة.
الفصل الثالث

السر اللي اتدفن عشرين سنة

“مستحيل…”

الكلمة خرجت من يوسف وهو باصص للحاجة فاطمة كأنه شاف شبح.

نور بصت بين الاتنين باستغراب.

“إنتوا تعرفوا بعض؟”

الحاجة فاطمة كانت بتحاول تتكلم، لكن جهاز الأكسجين كان مانعها.

الدكتور قرب بسرعة.

“يا جماعة… المريضة ممنوع أي انفعال.”

بص ليوسف.

“لو سمحت حضرتك استنى بره.”

يوسف ما نطقش.

خرج من الأوضة وهو حاسس إن الأرض بتميد بيه.

وقف قدام إزاز العناية المركزة.

كل الذكريات رجعت مرة واحدة…

رجعت لعشرين سنة فاتوا.

…

كان وقتها شاب عنده اتنين وعشرين سنة.

لسه متخرج من كلية التجارة.

ولا يملك غير حلم صغير إنه يعمل شركة باسمه.

وفي نفس الحي…

كانت ساكنة بنت اسمها فاطمة.

بنت بسيطة…

أبوها موظف، وأمها ست بيت.

كبروا مع بعض.

واتربوا في نفس الشارع.

وكانوا بيحبوا بعض.

حب عرفته البلد كلها.

لكن أبو يوسف…

رجل الأعمال عبد المنشاوي…

رفض الجوازة رفض قاطع.

قال له يومها:

“ابن المنشاوي ما يتجوزش بنت فقيرة.”

يوسف رفض يسمع كلامه.

وفاطمة رفضت تسيبه.

لحد ما…

في يوم اختفت.

اختفت من غير ما تسيب جواب…

ولا حتى كلمة.

يوسف قلب الدنيا عليها.

لف المستشفيات.

وسأل في كل مكان.

لكن محدش عرف عنها حاجة.

وبعد شهور…

وصله خبر إنها ماتت في حادث.

ومن ساعتها…

دفن حبه معاها.

…

“يا أستاذ يوسف.”

الصوت رجعه للواقع.

كانت الممرضة.

“المريضة بتطلب تشوف حضرتك.”

دخل بخطوات بطيئة.

الحاجة فاطمة كانت أحسن شوية.

رفعت إيديها المرتعشة.

وأشارِت له يقرب.

يوسف قرب.

قالت بصوت ضعيف جدًا:

“أنا… آسفة.”

يوسف بلع ريقه.

“إنتِ… عايشة؟”

دموعها نزلت.

“كنت غصب عني.”

“أبوك…”

يوسف اتجمد.

“بابا؟”

هزت رأسها.

“هددني.”

“قال لي لو ما اختفيتش من حياتك…”

“هيدمرك.”

نور كانت واقفة مش فاهمة أي حاجة.

قالت:

“هو حضرتك مين أصلًا؟”

الحاجة فاطمة بصتلها.

وبعدين بصت ليوسف.

وقالت:

“ده…”

“كان أول حب في حياتي.”

الصمت خيّم على الأوضة.

نور حسّت إن قلبها بيدق بعنف.

لكن المفاجأة لسه ما خلصتش.

الحاجة فاطمة مسكت إيد بنتها.

وقالت وهي بتبكي:

“في حاجة عمري ما قدرت أقولها.”

يوسف قرب أكتر.

قال بصوت مبحوح:

“إيه هي؟”

أغمضت عينيها لحظة.

ثم فتحتهم.

وقالت:

“أنا ما كنتش لوحدي لما سبتك.”

يوسف حس إن أنفاسه وقفت.

“كنت…”

“حامل.”

الكلمة نزلت كالصاعقة.

نور شهقت.

ويوسف رجع خطوة لورا وهو مش قادر يصدق.

“حامل؟!”

الحاجة فاطمة أومأت برأسها.

وقالت:

“لكن الطفل… مات قبل ما يتولد.”

يوسف سند إيده على الحيطة.

وعينيه امتلوا بالدموع لأول مرة من سنين.

كل السنين دي…

كان فاكر إنها خانته.

وطلعت كانت بتحاول تحميه.

أما نور…

فكانت واقفة تبص لأمها، ثم ليوسف.

وعقلها بيسأل سؤال واحد:

إذا يوسف كان حب عمر أمي…

يبقى ليه القدر رجعه في حياتنا دلوقتي؟
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *