حامل في الشهر الثامن حكـايـات أسمـا السـيد ×2

الفصل الرابع
مر أسبوع…
ثم اتنين…
وأحمد ما زال محبوسًا على ذمة التحقيق.
كل يوم كان بيسأل العسكري نفس السؤال:
“في أخبار عن ابني؟”
والعسكري كان يرد بنفس الجملة:
“إحنا مالناش دعوة.”
أما مريم…
فكانت لسه في المستشفى.
جسمها كان ضعيف.
لكن قلبها…
بقى أقوى من أي وقت فات.
دخل عليها أبوها وهو شايل علبة صغيرة.
ابتسم وقال:
“تحبي تشوفيه؟”
دموعها نزلت قبل ما ترد.
بعد لحظات…
الممرضة دخلت بالحضانة المتنقلة.
كان الطفل صغير جدًا.
موصل بأجهزة وأنبوبة أكسجين رفيعة.
لكن أول ما مريم مدت صباعها…
الطفل مسكه بإيده الصغيرة.
وانفجرت في البكاء.
قالت وهي بتضحك وسط دموعها:
“الحمد لله…
الحمد لله إنه عايش.”
أبوها مسح دموعه بعيدًا عنها.
وقال:
“ربنا عوض صبرك يا بنتي.”
في نفس اليوم…
النيابة استدعت عشرات الموظفين.
كل واحد بدأ يحكي.
واحد قال:
“كان بيكتب فواتير وهمية.”
الثاني قال:
“كان ينقل الفلوس على حسابات بأسماء قرايبه.”
الثالث قال:
“مراته التانية كانت بتمضي على أوراق من غير ما تفهم.”
سلمى لما سمعت الكلام…
عرفت إنها وقعت في الفخ.
طلبت تقابل وكيل النيابة.
دخلت وهي بترتعش.
وقالت:
“أنا مستعدة أقول كل حاجة.”
المحقق رفع عينه.
“كل حاجة؟”
هزت رأسها.
“أيوه.”
“أنا عندي رسائل…
وتسجيلات…
وأماكن أخفى فيها مستندات.”
المحقق سألها:
“ليه دلوقتي؟”
دموعها نزلت.
وقالت:
“لأنه ضحك عليا…
زي ما ضحك عليها.”
بعد ساعات…
خرجت قوة من الشرطة مع سلمى.
وقفت قدام شاليه صغير على البحر.
أحمد كان دايمًا يقول إنه للاستجمام.
لكن الحقيقة…
كان مخزنًا لكل الأوراق اللي ممكن تدينه.
فتحوا خزنة سرية.
لقوا عقودًا.
ودفاتر شيكات.
وأختام شركات.
وفلاشات.
المحقق ابتسم.
وقال:
“دي نهاية الق\ضية.”
أما أحمد…
فلما عرف إن سلمى اعترفت…
جن جنونه.
ضرب بإيده على باب الزنزانة.
وصرخ:
“خاينة!”
العسكري رد ببرود:
“الخيانة بدأت منك.”
فسكت.
لأنه لأول مرة…
ما عرفش يرد.
بعد شهرين…
مريم خرجت من المستشفى.
وابنها خرج بعدها بأسبوع.
كان وزنه زاد.
وبقى يرضع طبيعي.
أول ما دخلت بيت أبوها…
كان مستنيها استقبال بسيط.
مفيش بالونات.
ولا زينة.
لكن فيه دفا.
أبوها شال الطفل.
وقال:
“النهارده…
البيت اتولد من جديد.”
ابتسمت مريم.
لأول مرة…
ابتسامتها كانت طالعة من قلبها.
في المقابل…
بدأت جلسات المحاكمة.
القاعة كانت مليانة.
صحفيين.
وموظفين.
ودائنين.
وكل واحد مستني يسمع الحكم.
دخل أحمد…
لابس بدلة الحبس البيضاء.
ملامحه اتغيرت.
وشعره بدأ يشيب.
أول ما شاف مريم…
خفض عينه.
ما قدرش يبصلها.
القاضي بدأ يسمع الشهود.
ومع كل شاهد…
كانت دائرة أحمد بتضيق أكتر.
لكن المفاجأة حصلت…
لما المحامي قال:
“سيادة القاضي…
لدينا شاهد أخير.”
القاضي سأله:
“مين؟”
رد المحامي:
“شخص كان شريكًا في كل حاجة…
ثم اختفى قبل سنوات.”
باب القاعة اتفتح ببطء…
ودخل رجل في منتصف الخمسينات.
أول ما أحمد شافه…
وشه فقد لونه بالكامل.
وطلع منه همس مرتعش:
“مستحيل…
إنت لسه عايش؟”
وتحولت أنظار القاعة كلها إلى الرجل الغامض…
الذي بدا أنه يحمل السر الأكبر في الق\ضية.
الفصل الخامس
الصالة كلها سكتت.
حتى الصحفيين…
بطلوا يكتبوا.
الرجل دخل بخطوات هادية.
شعره كله بقى أبيض.
لكن ملامحه…
كانت معروفة لأحمد.
همس أحمد وهو بيترعش:
“عماد…”
الرجل وقف قدام منصة الشهود.
وقال:
“اسمي عماد السيوفي.”
“الشريك المؤسس لشركة أحمد عبد الهادي.”
همهمة كبيرة انتشرت في القاعة.
القاضي سأله:
“حضرتك كنت فين طول السنين دي؟”
تنهد عماد.
وقال:
“كنت خارج مصر.”
“خرجت بعد ما أحمد زور توقيعي في كذا عقد…”
“ولما اعترضت…”
“هددني بقضايا ملفقة.”
أحمد صرخ:
“كذاب!”
القاضي ضرب بالمطرقة.
“التزم الهدوء.”
عماد فتح حقيبة جلد قديمة.
وأخرج ملفًا سميكًا.
وقال:
“دي النسخ الأصلية.”
“ودي العقود قبل التزوير.”
ثم أخرج جهاز تسجيل صغير.
وقال:
“وده تسجيل من خمس سنين.”
شغل التسجيل.
وفجأة…
امتلأت القاعة بصوت أحمد.
“امضوا مكان عماد… هو مش هيرجع.”
“ولو رجع… هنعرف نسكته.”
صوت أحمد كان واضحًا جدًا.
القاعة كلها اتجمدت.
أحمد نزل برأسه.
أما محاميه…
فقفل الملف اللي قدامه.
وعرف إن القض\ية انتهت.
بعد انتهاء الجلسة…
خرجت مريم من المحكمة.
كانت شايلة ابنها.
وأبوها ماشي جنبها.
صحفية جريت عليها.
وقالت:
“يا مدام مريم…”
“تحبي تقولي كلمة بعد اللي حصل؟”
مريم وقفت.
بصت لابنها.
وقالت:
“في ناس فاكرة إن القوة إنك تنتقم.”
“لكن القوة الحقيقية…”
“إنك تقدر تبدأ من جديد…”
“من غير كراهية.”
ثم كملت طريقها.
بعد أسبوع…
صدر الحكم.
حبس أحمد لسنوات طويلة.
مع تغريمه مبالغ كبيرة.
ومصادرة جزء كبير من ممتلكاته.
كما ألزمت المحكمة برد حقوق الشركاء والدائنين.
أما سلمى…
فبعد تعاونها مع التحقيق، أخذت المحكمة تعاونها في الاعتبار في حدود ما يسمح به القانون، مع استمرار مساءلتها عن أي دور ثبت أنها شاركت فيه.
بعد ستة أشهر…
كانت مريم قاعدة في شرفة بيت أبوها.
ابنها بينام في حضنها.
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت أم أحمد.
كانت أكبر في العمر.
وأضعف.
وعينيها مليانة دموع.
أول ما شافت مريم…
قالت:
“أنا جاية أعتذر.”
مريم سكتت.
الحماة كملت:
“أنا ظلمتك.”
“ولما ابني غلط…”
“وقفت معاه.”
“فاكرة إني بحميه.”
“لكن الحقيقة…”
“أنا دمرته.”
دموعها نزلت.
وقالت:
“لو الزمن رجع…”
“كنت أول واحدة أقف في صفك.”
مريم قربتلها كرسي.
وقالت بهدوء:
“اتفضلي.”
قعدت الست.
وبصت لحفيدها لأول مرة.
كانت إيديها بترتعش.
قالت:
“ممكن أشيله؟”
مريم بصت للطفل.
ثم بصت للحماة.
وبعد لحظة صمت…
ناولتها الطفل.
أم أحمد حضنته.
وانهارت في البكاء.
وقالت:
“سامحيني.”
ردت مريم بهدوء:
“المسامحة شيء…
والرجوع للماضي شيء تاني.”
“أنا سامحت…
لكن حياتي خلاص بقت في طريق تاني.”
هزت الحماة رأسها.
وعرفت إن القرار انتهى.
بعد سنة…
افتتحت مريم مشروعًا صغيرًا باسم ابنها.
رجعت تشتغل.
واعتمدت على نفسها.
وكان كل نجاح جديد…
يذكرها أنها لم تنهض لأن أحدًا أنقذها…
بل لأنها قررت ألا تستسلم.
وفي مساء هادئ…
وقفت أمام صورة قديمة من يوم زفافها.
نظرت إليها للحظات…
ثم أغلقت الألبوم.
وابتسمت وهي تنظر إلى ابنها الذي بدأ يخطو أولى خطواته.
وقالت بصوت منخفض:
“مش كل نهاية وجع…”
“بعض النهايات…”
“هي بداية الحياة اللي كنا نستحقها من الأول.”
الفصل الأخير – بعد خمس سنوات
خمس سنين…
عدوا أسرع مما مريم كانت تتخيل.
البيت اللي خرجت منه يومها وهي مكسورة…
بقى مجرد ذكرى.
أما البيت الصغير اللي اشترته بعد سنين من الشغل…
فبقى مليان ضحك.
ابنها “يوسف” كان عنده خمس سنين.
ولد ذكي…
بيجري في كل مكان.
وفي كل مرة يقع…
يقوم وهو بيضحك.
وكان دايمًا يقول:
“أنا راجل يا ماما.”
فتضحك مريم…
وتحضنه.
وتقول:
“وأحسن راجل كمان.”
في صباح يوم الجمعة…
كانت بتحضر فطار بسيط.
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت راجل واقف ببدلة سوداء.
قال باحترام:
“حضرتك مدام مريم؟”
هزت رأسها.
ناولها ظرفًا مختومًا.
وقال:
“دي وصية.”
استغربت.
“وصية مين؟”
قال:
“الأستاذ أحمد عبد الهادي.”
وقبل ما تسأله…
كان مشي.
فضلت ماسكة الظرف دقيقة كاملة.
قلبها دق بسرعة.
بعد كل السنين دي…
إيه اللي ممكن يكون كتبه؟
فتحت الظرف.
كان فيه جواب مكتوب بخط أحمد.
“مريم…
يمكن تكوني أول مرة تقري كلام مني من غير كذب.
أنا عارف إني ما استحقش حتى إنك تفتحي الجواب.
لكن لو وصل لإيدك…
يبقى ربنا اداني آخر فرصة أقول الحقيقة.
أنا خسرت كل حاجة.
الفلوس…
والشركة…
والناس…
وقبلهم…
خسرتك إنتِ.
في السجن…
كل يوم كنت بفتكر اليوم اللي زقيتك فيه.
ولحد النهارده…
صوت الترابيزة وهي وقعت بيصحيني من النوم.
مكنتش فاهم…
إن الراجل مش اللي بيكسب الدنيا.
الراجل…
هو اللي يحافظ على بيته.
أنا فشلت.
ولو فيه حاجة بطلبها…
فهي إن يوسف…
ما يكرهنيش.
احكيله الحقيقة…
لكن متزرعيش جواه الكره.
لأن الكره…
هو اللي ضيعني.
سامحيني لو تقدري.
أحمد.”
مريم قفلت الجواب.
ما بكتش.
ولا حتى ابتسمت.
بصت للشباك.
وقالت لنفسها:
“ربنا هو اللي يحاسب.”
وبهدوء…
حطت الخطاب في درج قديم.
وقفلته.
بعد كام يوم…
راحت مع يوسف تزور قبر أبوها.
الولد كان ماسك وردة بيضا.
وقال:
“جدو كان بيحبني؟”
ابتسمت.
وقالت:
“أكتر واحد.”
حط الولد الوردة.
وقرأ الفاتحة بطريقته البسيطة.
وبعدين بص لمريم.
وقال:
“ماما…”
“إحنا سعداء دلوقتي… صح؟”
ركعت قدامه.
ومسكت وشه بين إيديها.
وقالت:
“أيوه يا حبيبي.”
“مش علشان حياتنا بقت سهلة…”
“لكن علشان بقينا نعرف نعيشها من غير خوف.”
وفي نفس اللحظة…
كان صوت أذان المغرب بيرفع في المكان.
مريم رفعت عينيها للسما.
وهمست:
“الحمد لله.”
الحمد لله…
إن الظلم مهما طال…
له نهاية.
وإن الصبر…
عمره ما بيرجع صاحبه خالي اليدين.
وإن أقوى انتصار…
مش لما تشوف اللي ظلمك بيتعاقب.
لكن…
لما تلاقي نفسك بعد السنين…
عشت…
واتعافيت…
وبقى قلبك أخف من الوجع.
أمسكت يد يوسف.
وسارا معًا في طريق طويل تغمره أشعة الشمس الأخيرة…
بينما كانت بداية جديدة أخرى تُكتب لهما…
بعيدًا عن الخوف…
وقريبًا من السلام.
تمت بحمد الله.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *