كل يوم جمعه حكـايـات أسمـا السـيد
“كل يوم جمعة الصبح… كنت بصحى ألاقي حد رجّع صناديق القمامة قدام الجراج. في الأول افتكرته جارًا طيبًا… لكن لما راجعت كاميرات المراقبة، اتصدمت. الراجل اللي كان بيعمل كده… هو نفسه اللي دمّر حياة أبويا من عشرين سنة.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اسمي ليلى…
وعندي سبعة وأربعين سنة.
بعيش لوحدي…
في نفس البيت اللي كبرت فيه بنتي.
كل يوم خميس بالليل…
كنت بطلع صناديق القمامة قدام البيت.
وكل يوم جمعة الصبح…
أصحى ألاقيها مترتبة جنب الجراج.
في الأول…
قلت أكيد جار بيساعدني.
لكن بعد تلات أسابيع…
الفضول غلبني.
فتحت كاميرات المراقبة.
الساعة كانت خمسة وثمانية وتلاتين دقيقة الصبح.
راجل كبير في السن…
دخل بهدوء من البوابة.
مسك الصناديق…
ورجعها مكانها.
وبعدها…
وقف يبص لباب البيت.
فضل واقف كام ثانية…
كأنه عايز يخبط.
لكن كل مرة…
يمشي من غير ما يعمل أي صوت.
كبرت الصورة…
وأول ما شفت وشه…
اتجمد الدم في عروقي.
كان حسام.
الراجل…
اللي من عشرين سنة…
شهد ضد أبويا في المحكمة.
وقال إنه سرق ملايين من شركة المقاولات اللي كانوا شغالين فيها.
بسبب شهادته…
أبويا دخل السجن.
وخسر شغله…
وسمعته…
وأربع سنين من عمره.
ولما خرج…
كان مكسور.
ومات بعد أسابيع…
وهو بيقسم إنه عمره ما سرق جنيه واحد.
أما حسام…
فباع شركته…
واختفى.
ولا حد شافه تاني.
لحد النهارده.
في الخميس اللي بعده…
استنيته.
وأول ما مد إيده يمسك صناديق القمامة…
فتحت الباب.
وقف مكانه…
وكأنه اتشل.
قلتله بغضب:
— عندك جرأة تيجي لحد بيتي… بعد اللي عملته في أبويا؟
فضل ساكت.
وبعدين…
طلع ظرف قديم من جيب الجاكيت.
وهو بيترعش.
وقال بصوت مكسور:
— الظرف ده معايا من سنين… لكن عمري ما امتلكت الشجاعة أخبط على بابك.
صرخت فيه:
— إنت دمرت حياة أبويا!
نزلت دموعه.
وقال:
— عارف.
وسكت لحظة…
قبل ما ينطق بالجملة…
اللي استنيتها عشرين سنة.
قال:
— أبوكي…
ما سرقش ولا جنيه.
ومدلي الظرف…
بإيدين بيرتعشوا…
وكان جواه…
الحقيقة اللي هتقلب كل اللي عرفته عن الماضي.
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
الفصل الثاني
إيدي كانت بتترعش وأنا باخد الظرف منه.
بصيتله…
وبعدين بصيت للظرف الأصفر القديم.
كان متبهدل من الزمن…
والحواف بتاعته متآكلة…
وعليه تاريخ من عشرين سنة.
قلت وأنا بضغط على أسناني:
— لو دي لعبة جديدة… أقسم بالله هبلغ عنك.
هز راسه في هدوء.
وقال:
— لو كنت جاي أكذب… ماكنتش استنيت العمر ده كله.
فتحت الظرف.
كان فيه ملف صغير.
وصورتين.
وورقة مكتوبة بخط اليد.
أول صورة…
كانت لأبويا.
واقف في موقع البناء…
وبيتكلم مع راجل لابس بدلة.
أما الصورة التانية…
فكانت لثلاثة رجال.
أبويا…
وحسام…
ورجل تالت معرفوش.
لكن اللي شدني…
الورقة.
فتحتها بسرعة.
وكان أول سطر فيها:
“لو حصل فيا حاجة… اعرفوا إن اللي سرق الفلوس هو شريف العزبي… وأنا مضطر أسكت.”
اتجمدت.
الاسم ده…
كان اسم صاحب شركة المقاولات.
الراجل اللي المحكمة برأته.
رفعت عيني لحسام.
قلت:
— يعني إيه؟
تنهد…
وقعد على أول كرسي قدام الجراج.
وقال:
— الحقيقة عمرها ما كانت إن أبوكي سرق.
سكت شوية.
وكمل:
— الحقيقة إن شريف هو اللي اختلس الفلوس.
وأبوكي اكتشفه.
راح هدده إنه هيبلغ عنه.
لكن شريف كان أذكى.
لفق التهمة لأبوكي.
واشترى شهود.
بلع ريقه.
وقال:
— وأنا كنت واحد منهم.
فضلت باصة له…
مش قادرة أستوعب.
قال وهو بيبكي:
— كنت مديون بمبلغ كبير.
ابني وقتها كان محتاج عملية قلب.
وشريف دخل عليا بالمبلغ كله.
وقال لي…
“تشهد إن محمود هو اللي سرق… والباقي عليا.”
سألته بصوت مخنوق:
— وبعت ضميرك؟
قال:
— أيوه.
وبعت نفسي معاه.
وأول ما خلصت القض\ية…
اداني الفلوس.
لكن ابني…
مات قبل العملية بيومين.
وساعتها…
حسيت إن ربنا أخد مني كل حاجة.
ومن يومها…
وأنا بعاقب نفسي.
قلت بعصبية:
— وأبويا؟
مين يرجعه؟
رفع عينه…
وقال:
— محدش.
علشان كده…
أنا جيت.
مدلي ورقة تانية.
كانت إقرار موقع باسمه.
مكتوب فيه اعتراف كامل.
بكل اللي حصل.
وإن شهادته كانت زور.
وفي آخر الورقة…
جملة واحدة.
“أنا مستعد أدخل السجن… لو ده هيرجع حق محمود.”
كنت حاسة إن الأرض بتميل بيا.
بعد عشرين سنة…
الحقيقة ظهرت.
لكن بعد فوات الأوان.
في اللحظة دي…
رن جرس موبايلي.
كان رقم غريب.
رديت.
جالي صوت راجل قال:
— مدام ليلى؟
قلت:
— أيوه.
قال:
— مع حضرتك المستشار عمر فؤاد.
أنا ماسك ملف قديم خاص بق\ضية والدك.
وفيه مستندات جديدة ظهرت من أسبوع.
ولازم أقابلك النهارده.
بصيت لحسام.
لقيت وشه اصفر فجأة.
وهمس بخوف:
— يبقى عرفوا.
قلت باستغراب:
— مين؟
بص ناحية الشارع.
ولقيته اتجمد.
بصيت وراه…
فشفت عربية سودا فخمة.
واقفة من غير نمر واضحة.
وجوانبها زجاج أسود.
ومن جوه…
كان في حد…
بيراقبنا من أول الحوار.
يتبع…
الفصل الثالث
بصيت للعربية…
وحسيت بقبضة باردة على قلبي.
حسام وقف بسرعة.
وقال بصوت واطي:
— اقفلي الباب… حالًا.
قلت بعصبية:
— هو إيه اللي بيحصل؟
لكن قبل ما يرد…
العربية اتحركت ببطء.
عدت قدام البيت.
ومن ورا الزجاج الأسود…
لمحت راجل كبير في السن.
ملامحه ما كانتش واضحة.
لكن أول ما العربية عدت…
رفع إيده بإشارة صغيرة.
وكأنه بيقول…
“أنا لسه موجود.”
اختفت العربية آخر الشارع.
حسام مسح عرقه.
وقال:
— ده واحد من رجال شريف.
قلت بصدمة:
— بعد عشرين سنة؟
هز راسه.
— الناس دي عمرها ما بتسيب حاجة تدفنها.
دخلته البيت لأول مرة.
فضل واقف عند الباب.
كأنه مش مستحق يقعد.
قلتله:
— اقعد.
قعد وهو مطأطئ راسه.
اتصلت بالمستشار عمر.
قال:
— مدام ليلى… المستندات اللي عندي خطيرة جدًا.
وفيه حد حاول يمنعها توصل للنيابة.
قلت بسرعة:
— إيه المستندات؟
قال:
— دفاتر حسابات الشركة الأصلية.
وفيها تحويلات مالية.
وأسماء ناس اتدفعلهم فلوس مقابل تغيير شهاداتهم.
قلبي دق بعنف.
قلت:
— وحسام؟
قال:
— اسمه موجود.
لكن مش لوحده.
في خمسة شهود تانيين.
وفي توقيع شخصي من شريف العزبي بالموافقة على صرف المبالغ.
بصيت لحسام.
لقيته بيبكي بصمت.
قال:
— كنت فاكر كل الورق اتحرق.
المستشار قال:
— فيه واحد احتفظ بنسخة.
وسلمها لينا قبل ما يموت.
سألته:
— مين؟
سكت ثواني.
وقال:
— مدير الحسابات.
قبل وفاته كتب اعتراف كامل.
وأكد إن محمود… والد حضرتك… كان بريء.
قفلت المكالمة.
وحسيت لأول مرة…
إن اسم أبويا ممكن يتنضف.
لكن حسام قال فجأة:
— لسه في خطر.
قلت:
— ليه؟
قال:
— لأن شريف لسه عايش.
اتصدمت.
قلت:
— مستحيل.
الجرائد كلها قالت إنه مات من سنين.
ابتسم حسام بمرارة.
— اللي مات… أخوه.
أما شريف…
فهرب برا مصر بهوية جديدة.
ومن خمس سنين رجع.
وبقى مستثمر كبير.
باسم مختلف.
فضلت أبصله.
قلت:
— يعني الراجل اللي دمر حياتنا…
بيعيش حياته عادي؟
قال:
— أيوه.
وفجأة…
رن جرس الباب.
أنا وحسام بصينا لبعض.
الجرس رن مرة تانية.
وبعدين تالتة.
قربت من الكاميرا.
لقيت شاب في أوائل الثلاثينات.
لابس بدلة.
وفي إيده حقيبة جلد.
فتحت الباب بحذر.
قال بأدب:
— مدام ليلى؟
قلت:
— أيوه.
طلع كارنيه.
وقال:
— أنا كريم… محامي شركة العزبي للاستثمار.
اتجمدت.
كمل وهو بيبتسم ابتسامة باردة:
— جاي أوصلك عرض.
قلت:
— عرض إيه؟
فتح الشنطة.
طلع منها عقد…
وشيك بمبلغ خمسين مليون جنيه.
وقال بهدوء:
— موكلي مستعد يشتري البيت ده.
وكل الأرض اللي حواليه.
وكمان…
أي مستندات قديمة موجودة عندك.
مقابل إن الماضي…
يفضل مدفون.
بصيت للشيك…
وبعدين بصيت لحسام.
لقيته وشه شحب فجأة.
وهمس بصوت مرتعش:
— يبقى عرفوا إن الظرف وصل لك…
والأسوأ…
إنهم مش هيقفوا عند عرض الفلوس.
يتبع…
الفصل الرابع
بصيت للمحامي…
وبعدين للشيك.
خمسين مليون جنيه.
رقم يخلي ناس كتير تنسى أي حاجة.
لكن أنا…
كل اللي شفته قدامي…
كان وش أبويا وهو خارج من المحكمة مكبل بالكلابشات.
وشه الشاحب…
ونظرة الانكسار اللي عمرها ما فارقت خيالي.
رفعت الشيك…
وقطعته قدامه.
قطعة…
ورا قطعة.
وقع الصمت.
المحامي حتى ملامحه ما اتغيرتش.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— كنت متوقع الرد ده.
لكن موكلي طلب مني أبلغك إن ده آخر عرض محترم.
قلت بغضب:
— اطلع بره.
قفل الشنطة بهدوء.
وقبل ما يمشي…
وقف عند الباب.
وقال جملة خلت جسمي يقشعر.
— خدي بالك على بنتك.
اتجمدت.
صرخت فيه:
— تقصد إيه؟
لكن كان نزل درجات السلم.
وركب العربية.
واختفى.
قفلت الباب بسرعة.
ولقيت حسام بيقوم من مكانه.
وشه كان مرعوب.
قال:
— هما بيهددوكي.
قلت:
— بنتي عايشة في الإسكندرية مع جوزها.
مالهم بيها؟
قال:
— الناس دي لما متعرفش تكسر الشخص…
بتكسر اللي بيحبه.
في نفس اللحظة…
اتصلت ببنتي “ريم”.
رن…
ورنت…
لحد ما ردت.
قالت وهي بتضحك:
— صباح الخير يا ماما.
أول ما سمعت صوتها…
حسيت روحي رجعت.
قلت بسرعة:
— إنتي كويسة؟
استغربت.
— أيوه… في إيه؟
قلت:
— متخرجيش النهارده.
قالت:
— ليه؟
وقبل ما أرد…
سمعت صوت فرامل عربية جامدة.
وصوت صرخة.
وبعدين…
المكالمة اتقطعت.
صرخت:
— ريم!
فضلت أنادي عليها.
لكن الخط فصل.
إيدي وقعت منها الموبايل.
حسام مسكه بسرعة.
وقال:
— لازم نروح.
ركبنا العربية.
وطول الطريق…
قلبي كان بيدق بعنف.
كل دقيقة كانت سنة.
وصلنا قدام العمارة.
لقينا الناس متجمعة.
وعربية إسعاف واقفة.
جريت بأقصى سرعة.
ولقيت بنتي قاعدة على الرصيف.
وشها كله دموع.
أول ما شافتني…
حضنتني.
وقالت وهي بتترعش:
— العربية كانت جاية تدوسني يا ماما.
لكن واحد شدني في آخر لحظة.
بصيت حواليا.
قلت:
— فين الراجل؟
قالت:
— مشي.
لكن قبل ما يمشي…
ساب الظرف ده.
ناولتهولي.
فتحته بسرعة.
كان فيه صورة قديمة.
صورة لأبويا…
واقف مع شريف العزبي.
لكن اللي صدمني…
إنهم ما كانوش بيتخانقوا.
كانوا بيضحكوا…
وحاطين إيديهم على كتف بعض.
وخلف الصورة…
مكتوب بخط واضح:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة… اسألي أمك.”
وقعت الصورة من إيدي.
لأن أمي…
ماتت من خمسة عشر سنة.
وحسام أول ما شاف الجملة…
رجع خطوة لورا.
وهمس وهو مرعوب:
— مستحيل…
لو أمك دخلت في الموضوع…
يبقى إحنا كلنا كنا فاهمين الحكاية غلط من أولها.
يتبع…
الفصل الخامس
وقفت مكاني…
حاسّة إن الدنيا كلها بتلف بيا.
بصيت للصورة مرة تانية.
أبويا…
وشريف…
واقفين جنب بعض.
وبيضحكوا.
مش مجرد زملاء شغل…
لأ…
واضح إن بينهم علاقة قوية.
صرخت في حسام:
— الصورة دي مزورة!
هز راسه بسرعة.
وقال:
— لا… دي حقيقية.
أنا فاكر اليوم ده.
كان افتتاح فرع الشركة الجديد.
قلت بعصبية:
— أمال إزاي؟!
إنت قلت إن شريف لفّق التهمة لأبويا!
قال:
— وده حصل.
لكن قبلها…
كانوا أصحاب.
وسكت لحظة.
وأضاف:
— يمكن… في حاجة إحنا منعرفهاش.
فضلت أبص للصورة.
وفجأة…
افتكرت حاجة.
وأنا صغيرة…
كان فيه صندوق خشب قديم في أوضة أمي.
كانت دايمًا تمنعني أقرب منه.
وبعد وفاتها…
الصندوق اختفى.
جريت على المخزن.
فضلت أقلب في الكراتين القديمة.
لحد ما لقيت مفتاح نحاس صغير.
مربوط فيه ورقة مكتوب عليها بخط أمي:
“لما تعرفي الحقيقة… افتحي الأمانة.”
اتجمدت.
أنا عمري ما شفت الورقة دي.
حسام قرب مني.
وقال:
— أمانة؟
قلت:
— أبويا كان عنده خزنة في بنك قديم.
فاكرة إنه كان بيقول إن فيها أوراق مهمة.
لكن بعد سجنه…
محدش راح لها.
جريت جبت كل الأوراق القديمة.
وبعد ساعة…
وصلنا البنك.
الموظف بص للمفتاح.
وبعد مراجعة طويلة…
قال:
— الخزنة لسه موجودة.
لكن…
في شرط غريب.
قلت:
— شرط إيه؟
قال:
— والد حضرتك كتب إنه في حالة وفاته…
الخزنة ما تتفتحش إلا بحضور ابنته…
وشاهد اسمه…
حسام عبدالسلام.
أنا وحسام بصينا لبعض في صدمة.
الموظف أخدنا لغرفة تحت الأرض.
صفوف طويلة من الخزن الحديد.
وقف قدام رقم 317.
دخل المفتاح.
وبعدين طلب من حسام يستخدم مفتاحه هو كمان.
حسام اتجمد.
قلت:
— معاك مفتاح؟
طلع سلسلة قديمة من رقبته.
كان فيها مفتاح صغير.
وقال بصوت مرتعش:
— أبوكي اداهولي قبل القبض عليه بيوم.
وقال لي…
“لو جه اليوم اللي ليلى تعرف الحقيقة… افتح معاها.”
إيدي كانت بتترعش.
الخزنة اتفتحت ببطء.
كان جواها…
ملف جلدي أسود.
وشريط كاسيت قديم.
وصورة عائلية.
ولما رفعت الصورة…
شهقت.
لأن الصورة كانت لأبويا…
وأمي…
وأنا طفلة…
وشريف العزبي…
واقف وسطنا.
وحاملني على كتفه…
وكأنه…
واحد من العيلة.
أما الملف…
فلما فتحته…
لقيت أول صفحة عنوانها:
“اتفاق الشراكة السري.”
وكان أول سطر مكتوب فيه:
“أنا محمود عبدالرحمن… وشريف العزبي… شركاء بالنصف…”
بصيت لحسام.
وقلت وأنا مش قادرة أستوعب:
— يعني…
أبويا ما كانش مجرد موظف…
كان شريك؟
هز حسام رأسه ببطء…
وقال:
— أيوه…
وده السر…
اللي لو عرفه الناس…
هيغير الق\ضية كلها…
لكن قبل ما نكمل قراءة الملف…
انطفأت أنوار البنك بالكامل.
ودوى صوت إنذار حاد.
ثم سمعنا صوت خطوات سريعة في الممر…
وصوت رجل يقول:
— اقفلوا كل المخارج…
ماحدش يخرج من هنا قبل ما ناخد الملف.
يتبع…
الفصل الأخير
انطفأت الأنوار…
والإنذار فضل يصرخ في كل مكان.
ضمّيت الملف لحضني.
وحسام شدني ناحية آخر الغرفة.
وقال بصوت واطي:
— متتكلميش.
بعد ثواني…
اشتغلت الإضاءة الاحتياطية.
نور أحمر خافت.
وشفنا تلات رجالة بيلبسوا بدل سوداء داخلين ناحية الخزن.
واحد منهم قال:
— دوروا على الملف… البنت لازم متخرجش بيه.
في اللحظة دي…
سمعنا صوت تاني.
— شرطة! الكل يرفع إيده!
رجالة المباحث دخلوا من الباب الرئيسي.
واضح إن المستشار عمر كان مبلغ عن أي محاولة لسرقة المستندات.
حصلت حالة ارتباك.
اتقبض على اتنين.
أما التالت…
فهرب.
لكن قبل ما يهرب…
وقع منه موبايل.
ولما الشرطة فتحته…
لقوا رسائل كلها مع شخص مسجل باسم:
“الحاج شريف.”
بعد ساعات…
كنا في مكتب المستشار.
الملف كله اتراجع.
وكانت الحقيقة أوضح مما تخيلنا.
من أكتر من عشرين سنة…
كان أبويا وشريف أسسوا شركة صغيرة مع بعض.
أبويا كان المهندس.
وشريف كان المستثمر.
ولما الشركة كبرت…
بدأ شريف يحول فلوس الشركة لحسابات خاصة باسمه.
أبويا اكتشف التزوير.
وهدده إنه هيبلغ النيابة.
في الليلة اللي قبل البلاغ…
جمع شريف كل المستندات.
وغير الدفاتر.
ودفع رشاوى.
واشترى ذمم شهود.
وكان أولهم…
حسام.
أما مدير الحسابات…
فاحتفظ بنسخة من كل حاجة.
وخباها.
ولما حس إنه هيموت…
سلمها للمستشار عمر.
أما الظرف…
اللي كان مع حسام…
فكان اعترافه الشخصي.
وبعد أسبوعين…
النيابة أعلنت إعادة فتح الق\ضية رسميًا.
كل الصحف اتكلمت عنها.
كل القنوات عرضت اسم أبويا.
لكن المرة دي…
مش كمتهم.
بل كرجل اتظلم.
صدر الحكم بإلغاء الحكم القديم.
وإعلان براءة محمود عبدالرحمن بعد وفاته.
لما سمعت القرار…
فضلت أبكي.
مش علشان القض\ية كسبناها.
لكن علشان نفسي كنت أتمنى يكون أبويا موجود يسمع القاضي وهو بيقول:
“المتهم بريء.”
أما شريف…
فاتقبض عليه وهو بيحاول يهرب من المطار بجواز سفر مزور.
وخلال التحقيقات…
اعترف بكل حاجة.
واعترف كمان…
إنه كان فاكر إن كل الأدلة اتحرقت.
لكن أكتر اعتراف صدمني…
لما قال:
— محمود كان أعز صاحب ليا… لكن الطمع خلاني أخونه.
اتحكم عليه بالسجن سنوات طويلة.
واتصادرت معظم ممتلكاته.
أما حسام…
فرفض أي محامي يدافع عنه.
وقف قدام المحكمة.
وقال:
— أنا مذنب.
وأستحق العقاب.
لكن قبل الحكم…
طلب دقيقة واحدة للكلام.
بص ناحيتي.
وقال قدام الجميع:
— سامحيني لو تقدري.
أنا حرمت بنت من أبوها.
وحرمت راجل شريف من عمره.
ومفيش يوم عدى عليا إلا وأنا ندمت.
القاضي حكم عليه بعقوبة مخففة…
لأنه اعترف بالحقيقة بنفسه…
وساعد في كشف الجري\مة.
بعد انتهاء كل الإجراءات…
رجعت البيت.
طلعت صناديق القمامة زي كل خميس.
ولما صحيت الجمعة…
لقيتها لسه مكانها.
ابتسمت لأول مرة.
مش لأن حد رجعها.
لكن لأني فهمت.
حسام ما كانش بيرجع الصناديق…
علشان يساعدني.
كان بيحاول كل أسبوع…
يقرب من الباب.
ويجمع شجاعة عشرين سنة…
علشان يعترف بالحقيقة.
بعد شهور…
بعتت طلب رسمي للحي.
وغيرت اسم الشارع.
وبعد موافقات طويلة…
اتعلق اسم جديد على أول اللافتة:
“شارع المهندس محمود عبدالرحمن.”
وقفت أبص للافتة…
وحسيت إن أبويا رجع أخيرًا…
مش كشخص.
لكن كاسم نضيف…
وسيرة اترد لها اعتبارها.
ورجعت البيت.
فتحت ألبوم الصور.
ولقيت صورة لي وأنا طفلة في حضنه.
ابتسمت وقلت بهدوء:
“اتأخرت يا بابا…
بس حقك رجع.”
تمت.