امي بتموت حكـايـات أسمـا السـيد ×2

الفصل الرابع

الحساب اللي اتأخر عشرين سنة

الأوضة فضلت ساكتة.

حتى صوت أجهزة العناية بقى أوضح من أي كلام.

يوسف كان واقف مكانه…

حاسس إن عشرين سنة من عمره اتسرقوا في ثانية واحدة.

بص للحاجة فاطمة.

وقال بصوت مبحوح:

“يعني… إنتِ ما سيبتنيش بإرادتك؟”

هزت رأسها بالنفي.

دموعها كانت بتنزل على المخدة.

“كنت هموت وأنا بدعي إنك تسامحني.”

نور كانت واقفة جنب السرير، مش قادرة تستوعب.

كل عمرها كانت تعرف إن أبوها مات وهي صغيرة.

لكن عمر أمها ما حكتلها عن يوسف.

ولا حتى جابت سيرته.

سألت بهدوء:

“ماما… هو مين؟”

الحاجة فاطمة أخدت نفس طويل.

وقالت:

“الإنسان الوحيد… اللي حبيته قبل أبوكي.”

يوسف نزل بعينيه للأرض.

كان قلبه بيتقطع.

أبو نور كان فعلًا زوج فاطمة بعد سنين من اللي حصل.

لكن الحب الأول…

فضل مدفون جواها.

الدكتور دخل وقال بحزم:

“الزيارة انتهت.”

“المريضة محتاجة ترتاح.”

نور باست أمها في جبينها.

وقالت:

“أنا بره يا ماما.”

خرجت هي ويوسف.

وقفوا في ممر المستشفى.

ولا واحد فيهم عارف يبدأ الكلام منين.

بعد لحظات…

يوسف قال:

“تحبي تشربي قهوة؟”

نور هزت رأسها بالموافقة.

نزلوا كافتيريا المستشفى.

فضلت تبصله.

وبعدين قالت:

“إنت شكلك محترم.”

“بس أنا لسه معرفش إيه اللي حصل.”

ابتسم ابتسامة حزينة.

“ولا أنا.”

“كل اللي عرفته النهارده… إن حياتي كلها كانت كدبة.”

وسكت.

بعدها بدأ يحكيلها.

حكالها عن الشارع القديم.

عن أول جواب حب.

عن أول وردة اداها لأمها.

عن رفض أبوه.

وعن اليوم اللي اختفت فيه.

نور كانت بتسمع…

وعينيها مليانة دموع.

قالت:

“ماما عمرها ما حكتلي أي حاجة.”

يوسف رد:

“واضح إنها كانت عايزة تدفن الماضي.”

في اللحظة دي…

موبايل يوسف رن.

بص للشاشة.

الاسم اللي ظهر…

“عبد المنشاوي.”

أبوه.

قفل المكالمة.

لكن الموبايل رن تاني.

وتالت.

ورابع.

نور قالت:

“رد.”

يوسف أخد نفس عميق.

ورد.

“خير؟”

جاله صوت أبوه الغاضب.

“إنت فين؟”

“في القاهرة.”

“بلغوني إنك استخدمت الطيارة الخاصة فجأة.”

“مع مين؟”

يوسف سكت.

قال الرجل:

“إياك تكون رجعت تدور على الماضي.”

يوسف حس إن الدم غلى في عروقه.

قال لأول مرة من غير خوف:

“الماضي هو اللي لقاني.”

سكت الأب.

يوسف كمل:

“فاطمة عايشة.”

على الطرف التاني…

ماكانش فيه أي صوت.

لحد ما اتسمع صوت نفس متقطع.

وبعدين…

الخط اتقفل.

نور بصتله.

“إيه اللي حصل؟”

قال بهدوء:

“أبويا عرف.”

…

في نفس الوقت…

في فيلا المنشاوي.

عبد المنشاوي كان ماسك الموبايل بإيد بترتعش.

السكرتير دخل عليه.

“حضرتك كويس؟”

صرخ فيه:

“هات العربية.”

“دلوقتي.”

“لازم أوصل المستشفى قبل ما فاطمة تتكلم.”

السكرتير اتجمد.

“تتكلم في إيه يا فندم؟”

عبد المنشاوي بص قدامه.

وهمس لنفسه:

“لو قالت الحقيقة…”

“كل اللي بنيته هينهار.”

وفي اللحظة دي…

طلع من درج مكتبه ملف قديم جدًا.

عليه تراب السنين.

ومكتوب بخط أسود:

“فاطمة حسن.”

فتح الملف…

وأول ورقة ظهرت قدامه خلت لون وشه يختفي.

لأنها كانت…

نسخة من تحليل DNA محفوظة من عشرين سنة.

وعليها نتيجة…

كان مستحيل أي حد يعرفها.
الفصل الخامس

الورقة اللي كانت كفيلة تدمر إمبراطورية كاملة

إيد عبد المنشاوي كانت بتترعش وهو ماسك الورقة.

رغم إنه بقى واحد من أكبر رجال الأعمال في البلد…

ورغم إن اسمه بقى في كل الجرائد…

إلا إن الورقة الصغيرة دي كانت قادرة تهد كل اللي بناه.

بص عليها مرة تانية.

وأغمض عينيه.

وكأن الماضي رجع قدامه حي.

…

من عشرين سنة…

لما عرف إن ابنه يوسف رافض يتخلى عن فاطمة…

قرر يتصرف بطريقته.

استدعى واحد من رجال الأمن القدام.

وقال له يومها:

“البنت دي لازم تختفي من حياة ابني.”

لكن الرجل سأله:

“بأي حق يا فندم؟”

رد بمنتهى البرود:

“أي حق… تمنه فلوس.”

وفعلًا…

وصلوا لفاطمة.

هددوها.

وقالوا لها إن يوسف هيتلفق له قضية كبيرة لو فضلت معاه.

كانت فاطمة وقتها حامل.

وكانت مرعوبة.

لكنها رفضت.

وقفت قدام عبد المنشاوي بنفسها.

وقالت:

“أنا مستعدة أسيب يوسف…”

“بس أوعى تأذيه.”

عبد المنشاوي ابتسم لأول مرة.

وقال:

“أهو كده الكلام.”

…

رجع للحاضر…

وهو بيقفل الملف بسرعة.

لكن السكرتير كان واقف عند الباب.

قال بخوف:

“العربية جاهزة يا فندم.”

عبد المنشاوي قام.

وقال:

“لو يوسف عرف الحقيقة…”

“مش هيسامحني.”

…

في المستشفى…

نور كانت قاعدة قدام أوضة العناية.

إيديها متشابكة.

وعينيها على باب الأوضة.

يوسف كان قاعد جنبها.

ولا واحد فيهم بيتكلم.

بعد شوية…

قالت نور:

“حضرتك عندك أولاد؟”

ابتسم ابتسامة باهتة.

“لأ.”

“ما اتجوزتش.”

استغربت.

“ليه؟”

بصلها.

وقال بمنتهى الصراحة:

“بعد فاطمة…”

“ما قدرتش أحب حد.”

نور نزلت بعينيها.

كان واضح إن الكلام خرج من قلبه.

وفجأة…

باب العناية اتفتح.

الدكتور خرج.

نور جريت عليه.

“خير يا دكتور؟”

ابتسم ابتسامة خفيفة.

“الحمد لله.”

“الحالة بدأت تستقر.”

نور حمدت ربنا وهي بتعيط.

ولأول مرة من ساعات…

حست إن في أمل.

لكن الدكتور كمل:

“هي طلبت تشوف حضرتك لوحدك.”

بصت على يوسف.

دخلت.

…

الحاجة فاطمة كانت واعية أكتر.

ابتسمت أول ما شافت بنتها.

وقالت:

“الحمد لله إنك وصلتي.”

نور حضنتها برفق.

“خوفتيني يا ماما.”

فاطمة مسحت دموعها.

وقالت:

“في حاجة لازم تعرفيها.”

نور اتوترت.

“إيه؟”

فاطمة أخدت نفس طويل.

“أنا عمري ما كرهت يوسف.”

“ولا خنته.”

“وأبوك الله يرحمه…”

“كان عارف كل الحقيقة.”

نور اتجمدت.

“بابا كان عارف؟”

أومأت برأسها.

“قبل ما يتجوزني.”

“قلتله كل حاجة.”

“وقالي الماضي انتهى…”

“وإني لازم أبدأ حياة جديدة.”

نور دموعها نزلت.

كانت لأول مرة تحس باحترام أكبر للرجل اللي ربّاها.

الحاجة فاطمة مسكت إيد بنتها.

وقالت:

“أبوك كان راجل شريف.”

“وأوصاني…”

“لو يوسف ظهر في يوم…”

“أقوله إنه ما كانش مذنب.”

نور حضنت أمها وهي بتبكي.

…

في نفس اللحظة…

مصعد المستشفى وقف.

الباب اتفتح.

ونزل منه عبد المنشاوي.

كان ماشي بسرعة…

لكن أول ما لمح يوسف واقف قدام العناية…

وقف مكانه.

يوسف رفع عينيه.

أبوه واقف قدامه لأول مرة من سنين…

لكن المرة دي…

ما كانش فيه خوف في عينيه.

كان فيه غضب.

غضب ابن اكتشف…

إن عمره كله اتبنى على كذبة.

عبد المنشاوي حاول يتكلم.

“يوسف… اسمعني.”

لكن يوسف قاطعه.

وقال بصوت هادئ…

أشد قسوة من الصراخ:

“أنا هسمع.”

“بس المرة دي…”

“هتقول الحقيقة كلها.”

وتجمعت نظرات الأطباء والممرضين على المشهد…

في انتظار المواجهة التي تأخر موعدها عشرين عامًا.
الفصل السادس

المواجهة

ممر المستشفى كان هادي…

لكن الهدوء ده كان خادع.

الممرضات وقفوا يبصوا.

والمرضى اللي كانوا مستنيين دورهم رفعوا راسهم.

حتى موظفة الاستقبال بطلت تكتب.

كان واضح إن فيه مواجهة كبيرة هتحصل.

يوسف وقف قدام أبوه.

المسافة بينهم كانت أقل من متر.

لكن في الحقيقة…

كانت عشرين سنة كاملة.

عبد المنشاوي بص حواليه.

وقال بصوت واطي:

“مش مكان كلام.”

يوسف رد من غير ما يرمش:

“بالعكس.”

“أنسب مكان.”

“هنا الناس بتتعالج…”

“وأنا جاي أعالج كذبة عشت فيها عمري.”

عبد المنشاوي حس إن ابنه عمره ما كلمه بالطريقة دي.

قال وهو بيحاول يتمالك نفسه:

“تعالى المكتب.”

يوسف هز رأسه.

“لأ.”

“الكلام هنا.”

“قدام ربنا.”

سكت الأب ثواني.

وبعدين قال:

“هي قالتلك إيه؟”

يوسف رد:

“قالت إنك هددتها.”

“وخلّيتها تختفي.”

عبد المنشاوي سكت.

يوسف قرب خطوة.

“صح؟”

الأب بص في الأرض.

ولأول مرة…

قال:

“أيوه.”

يوسف حس إن الدنيا لفت حواليه.

كان متوقع الإنكار.

لكن الاعتراف جه أسرع من أي حاجة.

قال بصوت مكسور:

“ليه؟”

عبد المنشاوي أخد نفس طويل.

وقال:

“لأني كنت بخاف عليك.”

يوسف ضحك…

ضحكة كلها وجع.

“بتخاف عليا؟”

“ضيعت عمري كله…”

“وسايبني أفتكر إنها باعتني.”

الأب رفع صوته:

“كنت فقير وقتها.”

“ماكنش معاك حاجة.”

“كنت هتضيع.”

يوسف رد بعصبية لأول مرة:

“وأهو بقيت غني.”

“بس خسرت عمري.”

الصمت رجع تاني.

عبد المنشاوي حاول يقرب.

لكن يوسف رجع لورا.

“ما تلمسنيش.”

الكلمة نزلت على قلب الأب زي السكين.

…

في نفس الوقت…

نور كانت جوه عند أمها.

سمعت الأصوات بره.

سألت:

“فيه إيه؟”

فاطمة أغمضت عينيها.

وقالت:

“أكيد جه.”

“مين؟”

“أبوه.”

نور خرجت بسرعة.

ولما شافت يوسف واقف قدام راجل كبير في السن…

فهمت.

…

عبد المنشاوي لمح نور.

وقال:

“إنتي بنت فاطمة؟”

هزت رأسها.

“أيوه.”

بصلها كام ثانية.

وكأن الزمن رجعه لورا.

ملامحها…

كانت نسخة من أمها وهي صغيرة.

همس:

“سبحان الله.”

نور قالت بحدة:

“لو سمحت…”

“سيبنا في حالنا.”

عبد المنشاوي ما ردش.

كان باصص عليها بشرود.

وكأنه شاف الماضي واقف قدامه.

…

وفجأة…

صوت جهاز إنذار خرج من أوضة العناية.

“بيب… بيب… بيب…”

الممرضات جريوا.

الدكتور دخل بسرعة.

نور شهقت.

“ماما!”

وحاولت تدخل.

لكن الممرضة منعتها.

“لو سمحت… استني.”

الدقيقة دي كانت أطول دقيقة في حياتهم.

يوسف وقف جنب نور.

وقال:

“هتبقى كويسة.”

لكن صوته نفسه كان بيرتعش.

بعد خمس دقائق…

خرج الدكتور.

وشه كان مرهق.

نور جريت عليه.

“طمني.”

الدكتور ابتسم ابتسامة بسيطة.

“الحمد لله.”

“قدرنا نسيطر على الأزمة.”

نور سجدت على الأرض.

وحمدت ربنا وهي بتعيط.

كل اللي في الممر اتأثر بالمشهد.

حتى عبد المنشاوي…

لف وشه بعيد.

لأنه افتكر يوم وفاة مراته…

لما وقف بنفس الوقفة…

وماعرفش ينقذها.

…

بعد ساعة…

الدكتور سمح بدخول شخص واحد.

الحاجة فاطمة طلبت يوسف.

دخل وهو متردد.

قعد جنبها.

قالت بصوت ضعيف:

“سامحتني؟”

يوسف مسك إيديها.

ولأول مرة من يوم شافها…

ابتسم.

“أنا عمري ما كنت زعلان منك.”

“أنا كنت زعلان من نفسي…”

“لأني صدقت إنك ممكن تخونيني.”

فاطمة دموعها نزلت.

وقالت:

“كان نفسي أقولك الحقيقة.”

يوسف ضغط على إيديها.

“المهم إنك قولتيها.”

لكن فاطمة هزت رأسها.

وقالت:

“لسه فيه حقيقة…”

يوسف استغرب.

“حقيقة إيه؟”

بصت ناحية باب الأوضة…

اتأكدت إنه مقفول.

وبعدين همست:

“عبد المنشاوي…”

“…ماكانش لوحده.”

يوسف عقد حاجبيه.

“يعني إيه؟”

قالت بصعوبة:

“كان فيه واحد تاني…”

“هو اللي خطط لكل حاجة.”

“وهو…”

قبل ما تكمل…

انفتح باب الأوضة فجأة.

ودخل عبد المنشاوي.

وكان وشه شاحب…

وقال بصوت مرتجف:

“فاطمة…”

“بلاش تقولي اسمه.”

اتجمد يوسف مكانه.

وبص لأبوه…

ثم لأمه السابقة في الحب.

وعرف أن السر الحقيقي…

لسه ما اتكشفش.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *